مسودة الدستور تتكيف مع المتغيرات السياسية والاستراتيجية
دكتور القانون الدستوري عامر رخيلة
حاورته: شريفة عابد حاورته: شريفة عابد

دكتور القانون الدستوري عامر رخيلة لـ "المساء":

مسودة الدستور تتكيف مع المتغيرات السياسية والاستراتيجية

أكد دكتور القانون الدستوري، عامر رخيلة، في حوار مع "المساء"، أن الأحكام التي وردت في مسودة المشروع التمهيدي لتعديل الدستور تتكيف مع المتغيرات السياسية التي أفرزها الحراك الشعبي، من خلال معالجة جميع الإخفاقات التي ميزت المرحلة السابقة. وأشار في هذا الصدد إلى تقييد العهدات الرئاسية، استحداث محكمة دستورية وإبعاد وزير العدل عن تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء بشكل يضمن استقلالية السلطة القضائية، مقابل الاحتفاظ بأغلبية مهام الجهاز التنفيذي، دون توسيعها، مع استثناء منح صلاحيات أكبر لبعض الوزراء.

كما راعت مسودة المشروع، حسب محدثنا، إمكانية تدخل الجيش الوطني الشعبي في مهام خارج الوطن وفق المعطيات الاستراتيجية والإقليمية التي تقدرها السلطات، مسجلا في المقابل تراجعا في السلطة التشريعية، إذ تحفظ على تقييد العهدات النيابية وحصرها في اثنتين فقط، "كون ذلك يتعارض، حسبه، والممارسة الديمقراطية، "باعتبار أن المنتخبين ينبثقون عن خيار الشعب والعهدة مهمة شعبية و ليست منصبا". كما لفت الدكتور رخيلة إلى أن رئيس الحكومة لا يمثل الأغلبية البرلمانية بالضرورة ويتم تعينه من قبل الرئيس، داعيا من جانب آخر إلى ضرورة الحرص على التطبيق الفعلي للأحكام المرتبطة بمكافحة الفساد بعد دسترتها.

* المساء: كشفت رئاسة الجمهورية عن مسودة الدستور كيف استقبلتم هذا المشروع بصفتكم متخصصون في القانون الدستوري ؟

** الدكتور رخيلة: النص يمثل في بنائه الدستوري العام، استمرار صريح لما هو عليه الدستور الساري المفعول، من حيث طبيعة والعلاقة بين السلطات، كنت انتظر إزالة الثقل الوارد في الدستور الحالي بمواده الـ218، إلا أن مسودة المشروع جاءت محشوة بالمواد التي ارتفع عددها إلى 240 مادة، ما جعلني أسجل الملاحظات الأولية التالية.

أولا لم تقم اللجنة إلا بصياغة ما أسمته بعرض الأسباب في 13 صفحة. وكانت ذات مضمون تبريري لعدم القيام بالتعديلات العميقة التي تم الإعلان عنها منذ شهور. وثانيا لم يتم الوفاء بتقليص مهام رئيس الجمهورية، حيث تم الاحتفاظ بنفس الصلاحيات، بل أضيف لها صلاحيات أخرى مثل تعيينه للأعضاء المسيرين لسلطة الضبط، (البند 11 من المادة 96) وكذا قرار إرسال وحدات من الجيش إلى الخارج (البند3 من المادة 95).

* ماذا سجلتم أيضا في الباب المتعلق بتنظيم السلطة التنفيذية ؟

** في تنظيم السلطة التنفيذية تمت المحافظة على هيمنة رئيس الجمهورية، فلسنا أمام سلطة تنفيذية برأسين ولسنا أمام رئيس حكومة ذي صلاحيات معتبرة، حيث ظلت صلاحياته محصورة، فهي نفسها صلاحيات الوزير الأول، مع إضافة بندين في المادة 110، "يوجه وينسق ويراقب عمل الحكومة" و"يمكن أن يفوض بعض صلاحياته للوزراء".. وهذا البند خطير، لأن رئيس الحكومة قد يجبر على تفويض بعض صلاحياته على قلتها ومحدوديتها لوزراء معينين. فضلا عن ذلك فإن رئيس الجمهورية طبقا لما للوثيقة في شكلها الحالي، غير ملزم بتعيين رئيس الحكومة من الأغلبية.

وعليه فإننا أمام الاحتفاظ بمضمون دستور 2016 فيما يخص صلاحيات رأس السلطة التنفيذية.

* تضمنت الوثيقة استبدال المجلس دستوري بالمحكمة الدستورية، ماهي الإضافة التي تحققها ؟

** فيما يخص المحكمة الدستورية، فقد نقلت لها تقريبا صلاحيات المجلس الدستوري. ومن حيث تكوينها البشري فقد تم اعتماد تمثيل السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية مع الاحتفاظ لهذه الأخيرة، بأن تكون رئاسة المحكمة من الأعضاء الممثلين لها ويتم تعيينها من طرف رئيس الجمهورية...إن تبعية قضاة المحكمة الدستورية للسلطات الثلاث، حتى وإن كان يحقق الانسجام بينها، فإن ذلك يتم على حساب استقلالية أعضائها كقضاة، لاسيما وأنهم يعينون لمدة محددة وهو ما يتنافى وطبيعة المهمة القضائية التي تتسم بالديمومة، ويكون له أثره المباشر على حرية القاضي في أداء مهمته.

* تم التخلي عن صيغة انتخاب ممثلين عن البرلمان بغرفتيه وعددهم أربعة واستبداله بصيغة التعيين، فهل يضمن التعيين الاستقلالية للمحكمة الدستورية أكثر من الانتخاب ؟

** يبدو أن مسألة إسناد مهمة التعيين لحصة البرلمان في المحكمة الدستورية إلى غير أعضائه  هي عملية مراد منها تمكين رؤوس السلطات الثلاث رئيس الجمهورية والرئيس الأول للمحكمة العليا ورئيس مجلس الدولة من ممارسة الحق في اقتراح (وأوكد على اقتراح) أسماء، من خارج الهيئتين تنسجم مع الخيارات، لأن الانتخاب قد يفرز أشخاصا يكونون ذووا قناعات لا تساير السياسة العامة..

* تضمنت المسودة نقطة توسيع الرقابة الدستورية إلى الأوامر ورقابة توافق القوانين والتنظيمات مع المعاهدات، والرقابة الدستورية البعدية على الأوامر والتنظيمات وغيرها. ما رأيكم ؟

** فيما يخص الرقابة الدستورية، تم توسيعها للتنظيم، بعدما كانت مقتصرة على القوانين العادية والعضوية. والرقابة القبلية والبعدية على صعيد النص موجودة، لكن الممارسة اقتصرت على الرقابة القبلية أي قبل نشر وإصدار القانون.

* ماهي حدود مراقبة المحكمة الدستورية للرئيس ؟

** المحكمة الدستورية أسندت لها، فيما يخص رئيس الجمهورية، مهمة إثبات حالة الشغور أما في إطار الرقابة على الرئيس، فلم يتم إسناد لها أي دور. كما لم يحدث أن طرحت مسألة الرقابة البعدية، لكون رئيس الجمهورية ظل محترما لعدم نشر القانون، قبل إخطار المجلس الدستوري وإحالة مشروع القانون المصادق عليه من طرف البرلمان، لإصدار قرار يتم إرفاقه بالنص القانوني المصوب من طرف الجهة الدستورية.

* ما مدى تأثير إبعاد وزير العدل من المجلس الأعلى للقضاء على استقلالية السلطة القضائية ؟

** هو تعديل إيجابي، لما لوزير العدل من وزن، بحكم أن المنصب يؤثر على عمل المجلس الأعلى للقضاء، في قطاع يشرف عليه إداريا الوزير الذي هو ممثل للسلطة التنفيذية.

* هل يمكننا القول أن الجزائر ستطوي مع الدستور القادم عهد الخلود في كرسي الرئاسة ؟

** بالنسبة لتحديد العهدات الرئاسية، فهو أمر إيجابي جدا، لأن الجزائر، مر عليها أكثر من ربع قرن أي منذ دستور 1996 الذي حدد العهدات الرئاسية، والعهدات مفتوحة، ولم يحترم الدستور الذي أعده الرئيس السابق اليمين زروال المقيد للعهدات الرئاسية باثنتين فقط.  لكن يبدو أن الآن الأمر صار جديا بعد أن أدرج الحكم الدستوري ضمن موانع التعديل، وأغلق الباب بشكل جدي، فيما يتصل بهذه النقطة.

* استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية، هل هو لتجنب تكرار حالة الاضطراب الذي عرفته الجزائر بعد رفض الحراك الشعبي تولي رئيس مجلس الأمة المنصب أم ماذا ؟

** فهمت من التعديل أن هناك اقتداء بالنظام الأمريكي، فمنصب نائب الرئيس دون تحديد لصلاحياته يبدو أن الغاية منه احتياط لشغور منصب الرئيس. فقد تم النص صراحة على أن نائب الرئيس يكمل عهدة الرئيس في حالة حصول مانع للرئيس.

* ما هو الجديد بالنسبة لنقطة الشغور في منصب رئيس الجمهورية إذن ؟

** مدة الشغور لم تقلص.. حيث يظل الرئيس يمارس خلال 60 يوما، يتم خلالها إثبات العجز أو نفيه. في حالة النفي استنادا لخبرة طبية يستمر الرئيس في أداء مهامه. وفي حال تأكيد العجز  يعلن الشغور، ويبدأ حساب مدة 90 يوما ليتم خلالها استدعاء الهيئة الناخبة والشروع في العمليات الخاصة بالانتخابات الرئاسية. المهم أن الجديد في هذه النقطة. يعني تجاوز الإشكال الذي كانت تتضمنه المادة 102 بشأن الجهة المكلفة بإجراءات تنفيذها، فتم إسناد المهمة صراحة للمحكمة الدستورية.

* تم دسترة الحراك الشعبي في ديباجة المشروع، ما رأيكم ؟

** جاء ذلك في سياق عرض المتغيرات الحاصلة في المجتمع وهو ليس إلا إقرارا بحقيقة اجتماعية سياسية..و لم يتجاوز ذلك إلى حكم أو أحكام دستورية.

* وبالنسبة لجعل الأمازيغية مادة صماء أي غير قابلة لأي تعديل، فهل سيحد ذلك من الاستغلال السياسي لهذه الورقة ؟

** نعم تم استغلال الأمازيغية سياسيا. وكان الأمر واضحا واستغلالا مكشوفا. ودسترتها تعد مكسبا لمناضلي القضية الأمازيغية، ومن شأنه إضفاء نوع من الاستقرار. غير أنه لن يكسب السلطة أية مكانة لدى المنادين بهذا البعد في الشخصية الوطنية، بمعنى ان المستغلين لهذا الملف سيجدون منافذ لاستغلال هذه الورقة بشكل أو بآخر.

* استحدث الدستور سلطة وطنية للشفافية والوقاية من الفساد، تشرف على آلية التصريح بممتلكات من قبل المسؤولين خلال تولي الوظيفة وبعد الانتهاء منها، هل سيحد ذلك من فضائح الفساد التي أذهلت الراي العام؟

** ليس هناك تعديل عميق.. فالنص على وجوب التصريح قبل الانتخاب أو التعيين وبعد انتهاء المهمة أو العهدة موجود. وللأسف لم يتم احترامه رغم مظاهر الثراء غير المشروع على العديد من الموظفين والمنتخبين. لقد كان هناك تواطؤا صريحا من العديد من المؤسسات وهو ما كشفته المحاكمات التي تمت طيلة سنة كاملة، وتورط فيها مسؤولون سامون في الدولة ووزراء ورؤساء تنظيمات ومستثمرون مزيفون استفادوا من مقدرات الوطن وخيراته خارج الاطار القانوني، باستغلال المنصب

والنفوذ، غير أن ما يسجل على هذه المحاكمات أن التحقيق فيها، لم يمتد إلى الهيئات المكلفة قانونا بمتابعة التصريحات وإلزام المعنيين بها واتخاذ الإجراءات المنصوص عليها في قانون مكافحة الفساد والوقاية منه  والنصوص التطبيقية له.

* جاء تعديل خاص، يتعلق بإمكانية إرسال الجيش للمشاركة في عمليات حفظ السلام تحت رعاية الأمم المتحدة كتحول تاريخي، هل ترونه قرار جريء أم مجازفة ؟

** هذه صلاحية جديدة أسندت لرئيس الجمهورية. وهي تتنافى مع عقيدة الجيش الوطني الشعبي السابقة والقائمة على الالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول أو أن تكون الجزائر طرفا في نزاع خارج حدودها.. ولكن يبدو أن هناك معطيات جديدة ومتغيرات دولية أملت على الجزائر وجوب التنصيص دستوريا على هذا الأمر حتى لا تكون السلطة في حالة اضطرار للجوء إلى استفتاء شعبي للقيام بهكذا إجراء. وبالمناسبة فإن عدد الدول التي لازالت تتمسك بمبدأ الحياد في النزاعات المسلحة، قليل جدا. وفي مقدمتها سويسرا. وهناك من الدول التي نصت في دساتيرها على وجوب العودة للاستشارة الشعبية الملزمة.

* تم تحديد العهدة البرلمانية بعهدتين فقط، على الرغم من ان المنتخب يعكس في الأساس خيار الشعب، كيف تفسرون ذلك؟

** بالنسبة للعهدة البرلمانية، ما تم إقراره في مسودة مشروع تعديل الدستور، يمثل "بدعة دستورية" إذ في نظري لا يحق في التمثيل النيابي تحديد العهدات، لأن في أعرق الديمقراطيات تمكن نواب من البقاء لعقود من الزمن كممثلين لناخبيهم.. العبرة بسلامة ونزاهة العملية الانتخابية محليا وحماية خيار الشعب وممارسة النواب لدورهم الرقابي على الجهاز التنفيذي .

في جميع دول العالم التي تحترم الإرادة الشعبية، لا يتم العمل بهذا، حيث لا تقييد عهدة النائب أو المنتخب لأنه يمثل سلطة الشعب وثقته. أما ما يجب تقييده فهو التزوير الانتخابي وعمليات شراء الذمم والمناصب  واستغلال الحصانة البرلمانية في غير محلها من أجل تحقيق مصالح شخصية والحصول على امتيازات. في المقابل فإن الحصانة يجب أن تكون متاحة للنائب عند أدائه دوره الرقابي اتجاه السلطات التنفيذية وخلال التحقيق في المسائل التي يفوضه فيها الشعب.

إقرأ أيضا.. في حوارات

رئيس نقابة القضاة يسعد مبروك لـ "المساء":

مسودة الدستور تتجه نحو تحسين استقلالية القضاء

كبير المستشارين بالمعهد العربي للتخطيط، بلقاسم العباس لـ "المساء":

ينبغي إعادة النظر جذريا في النموذج التنموي للجزائر

دكتور القانون الدستوري عامر رخيلة لـ "المساء":

مسودة الدستور تتكيف مع المتغيرات السياسية والاستراتيجية

الدكتورة في الإعلام والاتصال فتيحة بوغازي لـ "المساء":

على الصحفي التحلي بالمسؤولية الاجتماعية خلال الأزمات

العدد 7119
01 جوان 2020

العدد 7119