في شهر الأنوار ومولد سيد الأخيار
محطة لتذكير النشء وترسيخ التلاحم الاجتماعي
- 64
أ. محي الدين/ ر. بلال/ ن. ا. بوطيبة/ المراسلون
❊ رسائل قيمية بطقوس محلية
❊ مظاهر احتفالية بأبعاد روحانية
❊ ممارسات دخيلة تعكّر صفو المناسبة
❊ الاحتفال بالمولد النبوي.. دروس وعبر
❊ استلهام معاني التآزر الاجتماعي وترسيخ اللحمة الوطنية
حلّ شهر الأنوار وجاءت معه ذكرى مولد سيد الأخيار، إمام الأنبياء وخاتم المرسلين محمد عليه أزكى الصلوات والتسليم، القائد والقدوة. أرسله الله تعالى رحمة للعالمين.
وبهذه الذكرى العظيمة والعزيزة على قلوب الجزائريين والأمة الإسلامية قاطبة، يتم الاحتفال بهذه المناسبة السعيدة في أجواء يطبعها الذكر، وقراءة القرآن في المساجد، والتعريف بسيرته العطرة، وإطعام الطعام، وتخضيب الأيدي بالحناء تيمنا وفرحا؛ لتكون نموذجا في الرقيّ، والتقدم، والنجاح في الدارين. ويعيش الجزائريون في هذه المناسبة الدينية، أبهى صور التكافل والترابط الاجتماعي بين أفراد العائلة والجيران، الذين يجمعهم حب النبي الكريم، والمحافظة على موروث الأجداد؛ حيث تتحول أحياء المدن وشوارعها إلى لوحة حية تنبض بالدفء والبهجة، تترجمها فرحة الأطفال، وسعادتهم العارمة في الوقت الذي تتفن الأمهات في تحضير "الطمينة"، و«عشاء المولود" كتعبير عن هذا الفرح. كما يحرص كثير من العائلات على جعل المناسبة فرصة لتعريف الأبناء بتفاصيل أعظم حدث وقصة في الوجود، مولده ونشأته ورسالته، مع الحرص على التعريف بالسنة النبوية الشريفة التي تنير حياة المؤمنين. "المساء" من خلال هذا الملف الذي حمل بين طياته نماذج وأساليب التعبير عن الفرح بمولد الرسول الكريم، حاولت بالمناسبة، إبراز عادات وتقاليد راسخة توارثتها الأجيال ولقّنها الأولياء للأبناء؛ لبناء جيل متماسك بقيمه الأصيلة، وثابت على عقيدته الصحيحة.
* أحلام محي الدين
المولد النبوي الشريف في البليدة
عادات متوارَثة تحمل رسائل دينية وقيمًا اجتماعية
لاتزال العائلات البليدية مع حلول المناسبات الدينية، تحرص على التمسك ببعض المظاهر الاحتفالية المتوارَثة التي تحمل في طياتها أبعادًا اجتماعية وروحية، وتساهم في ترسيخ قيم الدين الإسلامي لدى الأبناء، من خلال جملة التحضيرات التي يغلب عليها الطابع العائلي؛ على غرار إعداد وليمة العشاء، والحلويات، والأطباق التقليدية. وهي مظاهر لم تكن مجرد طقوس احتفالية، وإنما وسيلة لتعريف الأطفال بالغاية الروحية من هذه المناسبة.
يُبرز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ذكرى مولد خير الأنام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كواحد من أبرز المناسبات التي حافظت خلالها العائلات البليدية، لا سيما في الأحياء القديمة والعريقة، على عادات وتقاليد توارثتها الأجيال، لعبت دورًا مهمّا في ربط الأبناء بقيمهم الدينية والاجتماعية، وتعريفهم بسيرة الرسول الكريم. ويشير المختص في تاريخ البليدة محمد صافي البليدي، إلى أن العائلات البليدية كانت تحرص مع حلول المولد النبوي الشريف، على إحياء عادات قديمة رغم بساطتها، كان لها دور بارز في تعليم الأبناء القيمة الروحية لهذه المناسبة.
ومن بين هذه العادات ما كان يُعرف بـ«تجيير المنازل" . وهي عادة قديمة كانت تساعد الأطفال على معرفة اقتراب موعد الاحتفال بالمولد. وبمجرد ملاحظتهم هذه المظاهر كان الأطفال يستفسرون عن معناها، والغاية منها، لتتحول المناسبة إلى فرصة لطرح الأسئلة، والتعرف على سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ويضيف المتحدث أن طبيعة المجتمع البليدي المحافظ والمتشبع بالقيم الإسلامية وارتباط سكانه بالمساجد، ساعدت في إيصال هذه الرسائل إلى الأبناء، وجعل المناسبة فرصة للتربية والتنشئة إلى جانب الاحتفال. ومن العادات التي لاتزال راسخة في بعض البيوت البليدية، إعداد وليمة العشاء، حيث يتم تحضير الكسكسي أو الفطائر بمرق أبيض باللحم أو الدجاج، فيما يتم خلال الليل إعداد "البغرير".
وبعد وليمة العشاء تُحضَّر طاولة توضع عليها أطباق "البغرير" والمكسرات وإبريق الشاي، ويُدعى إليها مختلف أفراد العائلة بمن فيهم الجدة التي كانت تتولى تخضيب أيدي الأحفاد بالحناء. كما كانت العائلات تحرص على إلباس الذكور العباءات، فيما ترتدي الفتيات اللباس التقليدي، لتتحول هذه المناسبة إلى فضاء عائلي يجمع بين الاحتفال والمحافظة على بعض مظاهر الموروث المحلي.
وخلال هذه الأجواء كان أفراد العائلة يسردون على الأطفال تفاصيل من حياة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكيف بلغ الرسالة، وما هي الأخلاق والصفات التي تحلى بها، وكيف ينبغي الاقتداء به؛ حتى يدرك الأبناء الغاية من هذه الاحتفالات والتحضيرات. ومن العادات التي لاتزال حاضرة أيضًا إشعال الشموع، حيث كانت في الماضي تُصفُّ في وسط الدار حول النافورة، بينما أصبحت اليوم توضع غالبًا على الشرفات. ويرى محمد صافي البليدي أن هذه العادة وإن كانت في ظاهرها اجتماعية واحتفالية، إلا أنها كانت تحمل معنى رمزيًا يتم شرحه للأطفال، من خلال ربط النور برسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ أخرج الناس من الظلمات إلى النور.
كما ارتبطت المناسبة في الذاكرة الشعبية البليدية، باللعب بالمفرقعات أو ما كان يُعرف بـ«الفشاق"، وهي تسمية يُرجعها المتحدث إلى لفظ "الفشق" المرتبط بالذخيرة في العهد العثماني. ولا تقتصر مظاهر الاحتفال على أفراد الأسرة، بل تمتد إلى الجيران، من خلال تبادل الأطباق. وهي عادة يرى المختص أنها تحمل معاني المشاركة والتعاون، وتذكّر بالفقير. وتستمد جانبًا من قيمها من السيرة النبوية.
قراءة القرآن الكريم وترديد المدائح الدينية
وكان المجتمع البليدي، حسب المتحدث، يحرص كذلك، على تشجيع الأبناء على قراءة القرآن في المساجد، والإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وترديد المدائح الدينية، بما يجعل المناسبة فرصة للتقرب إلى القيم الدينية وليس مجرد مناسبة للفرح. ولا يتوقف الاحتفال عند وليمة العشاء؛ إذ كانت العائلات تحضر في اليوم الموالي "الطمينة" المزيَّنة بالقرفة بالتزامن مع ترديد بعض المدائح التي كانت وسيلة أخرى لتعريف الأبناء بقيمة المناسبة. وكان الأطفال يحفظون هذه المدائح ويرددونها في الأحياء والأزقة، ومنها أهازيج شعبية متوارَثة تتغنى بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرته، لتبقى هذه النصوص جزءًا من الذاكرة الشعبية التي انتقلت من جيل إلى آخر.
«البوشيخة".. عادة جماعية يتقاسم فيها الأطفال فرحة المولد
ومن بين العادات التي ارتبطت بالمولد النبوي في البليدة أيضًا، عادة "البوشيخة"، حيث كان يتم اختيار أطول الأطفال من المجموعة، ويُلبس لباسًا خاصًا، ثم توضع الشموع في علب معدنية صغيرة، ويجوب الأطفال الأحياء والأزقة، ويطرقون أبواب المنازل مرددين المدائح التي تثني على الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان "البوشيخة" يحصل على بعض النقود من سكان المنازل، ليتم جمع ما تحصّل عليه الأطفال خلال ليلة المولد، ثم تُقسم بينهم. ويرى المختص في تاريخ البليدة أن مختلف هذه العادات رغم بساطتها، كانت تؤدي وظيفة تربوية مهمة، لأنها كانت تعرّف الأطفال بحكمة الاحتفال وغاياته، وتحمل في مضمونها مجموعة من القيم التي عُرف بها الرسول عليه الصلاة والسلام، مثل التسامح، والصدق، والتعاون، وهي قيم تحرص العائلات البليدية على غرسها في نفوس أبنائها، وربطهم بالسيرة النبوية.
وبين وليمة العشاء والشموع والحناء واللباس التقليدي وتبادل الأطباق والمدائح وعادة "البوشيخة"، تبدو مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي في البليدة، أكثر من مجرد عادات متوارَثة، إذ تشكل جزءًا من الذاكرة الاجتماعية للمدينة، ووسيلة ظلت العائلات من خلالها تنقل إلى الأبناء قيمًا دينية وإنسانية واجتماعية، وتربطهم بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ في محاولة للحفاظ على خصوصية الموروث المحلي أمام التحولات التي يعرفها المجتمع.
* رشيدة بلال
محطة تنتظرها العائلات بشغف
المولد النبوي بتيبازة.. موعد للفرح وترسيخ روح الجماعة
تشهد ولاية تيبازة مع حلول المولد النبوي الشريف، تحضيرات واستعدادات خاصة تعكس عمق التمسك بالتراث الديني والاجتماعي، حيث تختلط مظاهر الفرح الروحية بعادات متوارَثة، تجعل من هذه المناسبة محطة سنوية تنتظرها العائلات بفارغ الصبر.
تُعد مناسبة المولد النبوي الشريف في ولاية تيبازة وخاصة في منطقة شرشال العريقة، محطة سنوية، تتجسد فيها أبهى صور التقاليد والأعراف المتوارَثة، حيث تتحول بيوت العائلات إلى ورشات حية لنقل فرحة هذه الذكرى العطرة من جيل إلى جيل. فبين التحضيرات المنزلية الدقيقة والأجواء الاحتفالية التي تعم المدينة، يبقى المولد النبوي مناسبة تُستحضر فيها التقاليد الأصيلة في قالب روحاني واجتماعي فريد.
تحضيرات ما قبل الاحتفال
تبدأ التحضيرات قبل أيام من الموعد، حيث تُعمر البيوت وتزيَّن، وتجهز الأطباق التقليدية والحلويات التي توزع على الأقارب والجيران والفقراء، في مشهد يعكس قيم التكافل، وصلة الرحم. وفي مدينة القليعة، تعمل العائلات بالتنسيق مع الزوايا والجمعيات المحلية على إحياء الليلة، حيث تلتزم كل أسرة بدورها، باستقبال الضيوف والمشاركين في الاحتفالات الدينية التي تحتضنها زاوية "سيدي علي مبارك"، والتي تشهد توافد الزوار من مختلف المناطق؛ للاستماع إلى الدروس الدينية والمدائح النبوية التي تميز هذه الليلة. ولا تقتصر التحضيرات على الجانب التربوي فقط. ففي الأيام التي تسبق المولد، تعلو أصوات المدائح والأناشيد الدينية في المنازل والزوايا. وتُكسى المنازل بأجمل الألبسة التقليدية التي تتزين بها العائلات، خاصة الأطفال منهم.
ويشهد يوم المولد إقامة موائد طعام تُعد بمشاركة جميع أفراد الأسرة، حيث تُحضر أشهى الأطباق التقليدية التي تميز هذه المناسبة؛ ما يعكس روح التآخي والفرح التي تسود المنطقة. وتجمع هذه الاحتفالات العائلات على بذل الجهد لإحياء هذه المناسبة التي تحمل في طياتها مضامين دينية وتربوية وتعليمية عميقة، تعكس هوية المجتمع المحلي، وتقديره لقيم الدين الحنيف. ويتجلى ذلك في حرص الجميع على تعزيز الروابط الأسرية، ونقل القيم الإسلامية النبيلة.
التقاليد العائلية في منطقة سيدي راشد
أما في قلب تيبازة وتحديدا في منطقة سيدي راشد، فتكتسي التحضيرات للاحتفال، طابعا مميزا، حيث تحرص العائلات العريقة على تلقين الأجيال الصاعدة تقاليد الاحتفال بالمولد النبوي الشريف. وتقوم الجدات والأمهات بدور محوري في تعليم الصغار طقوس هذا اليوم، من خلال تزيين المنازل، وتبادل الزيارات العائلية، مع إقامة مجالس الذكر والمديح النبوي التي تملأ الأرجاء بنفحات روحانية. هذا التلاحم بين الأجيال يضمن استمرارية هذه العادات المتوارَثة، ويجعل من المولد فرصة حقيقية لتجديد الصلة بالتراث النبوي الشريف.
التقاليد البارزة في الاحتفال
تتنوع مظاهر الاحتفال بين مدن الولاية، لكن تبرز عادة فريدة في مدينة شرشال، حيث كان السكان يحتفلون سنوياً بنقل شمعة عملاقة تُعرف بـ "المنارة" من وسط المدينة إلى ميناء الصيد؛ في طقس جماعي مهيب تشارك فيه العائلات. ورغم أن هذه العادة تعرضت للإلغاء في سنوات سابقة بسبب بعض الممارسات السلبية، إلا أنها تظل جزءا من الذاكرة الجمعية للسكان، الذين كانوا يستعدون لها بتجهيز الشموع والإنارة؛ إحياء لليلة المولد بأجواء رمزية مميزة.
الروح الجماعية للعائلات
تركز العائلات في تيبازة خلال هذه المناسبة، على البعد الاجتماعي، حيث تُعد زيارة المقامات والأضرحة والاجتماع في حلقات الذكر والمديح، فرصة لتجديد الروابط العائلية، وتنشئة الأبناء على حب الرسول عليه الصلاة والسلام. وفي هذا السياق، تلعب الزوايا دورا محوريا في تنظيم اللقاءات التي تحافظ على الطابع الروحي للمناسبة، مع إقامة ولائم طعام تجمع الكبار والصغار في أجواء يسودها التسامح والمحبة. وبهذه الممارسات تظل تيبازة نموذجا للولاية التي تحافظ على هويتها الدينية من خلال احتفالات عائلية تمزج بين أصالة الموروث وروح العصر، لتبقى ذكرى المولد النبوي مناسبة تتجدد فيها معاني الفرح والوحدة بين أفراد المجتمع الواحد.
ويقول المختص في علم الاجتماع الدكتور حليم مصطفي، إن التحضيرات والاحتفالات بالمولد النبوي الشريف بالمنطقة، ترسم صورة مشرقة للتلاحم الاجتماعي، وتمسّك العائلات بتقاليدها وأعرافها. إنها مناسبة تعيد إحياء الموروث الديني والثقافي في المنطقة، من خلال جهود متضافرة تبذلها العائلات والمؤسسات التربوية، مؤكدا أن هذه التقاليد ليست مجرد طقوس عابرة، بل منهج حياة يتوارثه الأبناء عن الآباء، ويظل خالدا في وجدان المنطقة العريقة.
* كمال لحياني