المولد النبوي الشريف
هكذا تحتفل عائلات الهضاب العليا بمولد خير الأنام
- 338
آسيا عوفي
هي عادات وتقاليد توارثها جيل عن جيل بولايات سطيف، ميلة وبرج بوعريريج، للاحتفال بمولد خير الأنام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والتي تبدأ التحضيرات لها منذ دخول شهر ربيع الأول. ولمعرفة هذه العادات والتقاليد وأجواء الاحتفال بهذه المناسبة، قامت جريدتنا بهذا الاستطلاع.
تبدأ العائلات مع إشراقة شهر ربيع الأول في التحضير لهذا اليوم بداية من تنظيف البيوت. كما تقوم بعض العائلات بعقد جلسات بحضور الأهل والأقارب، يتخللها تناول ما طاب من الحلويات والشاي والقهوة. وخلال ليلة المولد النبوي الشريف تحضّر ربات البيوت بالولايات الثلاث، ما لذ وطاب من الطعام التقليدي؛ فمنهم من تقوم بتحضير "الكسكس" أو "الرشتة" أو "المفرمسة" وغيرها من الأكلات الشعبية والتقليدية التي تعوَّدوا عليها في كل سنة.
وقرب أذان المغرب بدقائق، يجتمع أفراد العائلة خصوصا الأطفال، حول مائدة من الشموع ويرددون أناشيد وقصائد دينية على إيقاع الطبول، لتختتم بوضع الحنة للأطفال، وفي نفس الليلة تحتفل المساجد أيضا بمولد خير الأنام؛ حيث يستقبل الأئمة قدوم غرة ربيع الأول بإلقاء الخطب والدروس والمواعظ في مختلف المساجد، يؤكدون فيها على أهمية تربية الأجيال الصاعدة على أخلاق الرسول الكريم، وكذا التعريف بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، وشخصيات التاريخ الإسلامي العظيم للأطفال، ودعوة الحاضرين للتحلي بصفاته. كما يتم تكريم حفظة القرآن الكريم والأحاديث، وكذا الفائزين بمختلف المسابقات التي أجريت لهذا اليوم، والتي تتضمن أسئلتها كلها سيرة الرسول الكريم.
أما في صبيحة يوم 12 ربيع الأول فتقوم بعض العائلات خاصة تلك القاطنة ببلديات الجهة الشمالية على غرار الجعافرة، والماين، والقلة وغيرها بولاية برج بوعريريج وبني ورتيلان وبوعنداس وأيت نوال مزادة بولاية سطيف، وكذا بلديات مينار زارزة وتسدان حدادة بولاية ميلة، بتحضير الطمينة أو الرفيس. ويجتمع عليها الصغير والكبير؛ تيمنا بأن يكون العام كله حلوا كحلاوة تلك الأكلة، في حين تستغل بعض العائلات بولايات الهضاب العليا، هذه المناسبة لختان أولادها.
"تامشريط.. تآزر بين العائلات الغنية والمعوزة
تُعد "الوزيعة" أو "النفقة" أو "السهمة" أو "تامشريط" بالأمازيغية، مظهرا من مظاهر التضامن والتآزر في مناسبة الاحتفال بمولد خير خلق الله، بولايات برج بوعريريج، وسطيف وميلة، خاصة على مستوى المداشر والقرى، والمتمثلة في التقاء أبناء الدشرة على ذبيحة يكون فيها الضامن، وهو أحد أعيان المنطقة. ويتم شراء الذبيحة، وإعداد قائمة يطلق عليها بأسماء كل عائلات الدشرة، وفي مقدمتها إمام المسجد، ومعلم المدرسة الابتدائية، ومعلم القرآن؛ اعترافا وتبجيلا بمكانتها العلمية والدينية. وعادة ما تضم أسماء العائلات المعوزة في صدارتها. وبعد شراء الذبيحة من مال المقتدرين من أرباب العائلات ولا يُذكر أسماؤهم، يتم تقطيعها ووضعها في شكل حصص متساوية بعدد العائلات.
كما يقوم بعدها الأطفال بتوصيلها إلى منازل العائلات وضحكتاهم البريئة تملأ المكان وهم يمرحون؛ لأنهم يعرفون مسبقا أنهم سيتناولون عشاء في هذا اليوم ليس ككل الأيام. وتكون السهمة فرصة لتلاقي الناس من أجل تصفیة القلوب من الضغائن الناجمة عن خلافات محلية؛ إذ يتدخل إمام الدشرة لعقد عمليات الصلح وإعادة اللحمة بين المتخاصمين. وبهذا تبقى الوزيعة عادة حميدة بين أبناء الهضاب العليا.
المفرقعات تعكّر جو الاحتفال
ولعل ما أصبح يعكر جو الاحتفال بهذه المناسبة الدينية خلال السنوات الأخيرة، هو استعمال المفرقعات والألعاب النارية بمختلف أنواعها رغم مخاطرها، حيث أضحت البديل عن العادات والتقاليد المتوارَثة منذ مئات السنين. كما باتت مستشفيات لخضر بوزيدي ببرج بوعريريج وسعادنة عبد النور بسطيف والإخوة مغلاوي بميلة أو غيرها من مستشفيات الولايات، لا تخلو من أطفال تعرَّضوا لحروق جراء عدم معرفتهم كيفية استعمال المفرقعات بالرغم من المجهودات التي تبذلها مختلف المصالح الأمنية؛ من أجل الحد من هذه الظاهرة، وإعادة الاحتفال بالمناسبة؛ بإعداد ما لذّ و طاب من الأطباق، والاكتفاء بأنوار الشموع، والروائح العطرة للبخور والجاوي، في جو عائلي يسوده التضامن، والتكافل بين العائلات والجيران.
الاحتفال فرصة للتذكير بسيرة خير الأنام
بعدما تضاربت الآراء حول الاحتفال بهذه المناسبة الدينية وعدَّه كثيرون بدعة، لمعرفة رأي الدين في الاحتفال بالمناسبة، أجمع العديد من أئمة الولايات على أن المناسبة هي فرصة للتذكير بسيرة خير الأنام للأطفال من أبناء هذا الجيل. وقال أحد الأئمة: "النبي محمد وُلد تحت الشمس" ، كما قالها أحد العلماء الغربيين. وهو واجب أن نُعلّم أبناءنا خصاله، خاصة في ذكرى مولده. كما إنه فرصة للمِّ شمل العائلات في ظل التكنولوجيا الحديثة، التي جعلت من العائلات الجزائرية لا تجتمع حتى حول مائدة الطعام إلا نادرا، وأصبح تواصلهم بوسائط التواصل الاجتماعي فحسب. كما أصبحت العائلات الجزائرية بصفة عامة، تنتظر مثل هذه المناسبات للتجمع، ولمِّ شمل الأسرة.