أدباء ونقاد يتحدثون لـ«المساء» عن مولود فرعون:

نهل من الواقع واتصف بالصدق

نهل من الواقع واتصف بالصدق
  • 6847
 لطيفة داريب لطيفة داريب

اتصلت «المساء» بمجموعة من الكتاب والنقاد من مختلف الأعمار والتيارات الأدبية، وطرحت عليهم ثلاثة أسئلة وهي: هل تأثرت بكتابات مولود فرعون، سواء في حياتك الأدبية أو حتى الشخصية؟ هل تملك قراءة لأعمال مولود فرعون؟ هل يمكن إسقطاب أدب فرعون على المرحلة الراهنة؟ فكانت ردودهم كالآتي:

أمين الزاوي: «ابن الفقير» ارتبطت بذاكراته وشكلت أحد مرجعياته في الكتابة

تحدث أمين الزاوي عن علاقته بمولود فرعون، فقال إنها تعود إلى مقاعد الدراسة، معتبرا أن النصوص الأولى لكاتب «الأرض والدم» فتحت له شهية القراءة ومن بين الروايات الأولى التي طالعها، توجد رواية «ابن الفقير» لمولود فرعون، التي أثرت فيه كثيرا، كما دفعته للبحث عن النصوص الأخرى لنفس الكاتب، مشيرا إلى أن مولود فرعون كاتب بسيط وعميق في آن واحد، وهو الذي يكتب بدون روتوشات أو «ماكياج»، إضافة إلى أنه كتب عن قساوة الريف بكل شاعرية، كما كتب عن وطنه بدون أدنى مزايدة، بل أقحم عليه الأدب، ليشبههه بتشيخوف، خاصة من ناحية الصدق. بالمقابل قال صاحب رواية «شارع إبليس» أن فرعون ينتمي إلى المدرسة الكلاسيكية البالزاكية رغم أنه كتب عن الريف في حين كتب بالزاك عن المدينة، ليضيف بأن الدرس الذي قدمه مولود فرعون للأجيال اللاحقة وللكتاب الذين جاؤوا من بعده وحتى جيل الزاوي، هو التعامل مع الواقع بصدق أولا ثم الحفاظ على الخطاب الأدبي، بعيدا عن الخطاب السياسي والتاريخي والديني، حيث كان فرعون يعتقد بأن الأدب بأدبياته وجمالياته، قادر على أن يكتب التاريخ والسياسة والدين. وأجاب الزاوي عن سؤال «المساء»، حول تأثير كتابات فرعون على مساره الأدبي وكذا الحياتي بالقول أنه على مستوى الكتابة، ارتبطت ذاكرة قراءاته بأعمال فرعون خاصة منها «ابن الفقير»، كما شكلت له مرجعا في بدايته مع عالم الكتابة. أيضا يلتقي الزاوي مع فرعون في انتمائهما لقرية صغيرة وكذا إلى عائلة تكاد تكون شبيهة بعائلة مولود فرعون، معتبرا أن كل الشخوص التي يتحدث عنها مولود تشبه شخوص عائلته، ولهذا يعتبر صاحب رواية «غرفة العذراء المدنسة»، بأن فرعون له مكانة خاصة لديه، خاصة على المستوى السيكولوجي والثقافي. 

أحمد شنيقي: فرعون رجل شريف وكاتب واقعي

أوضح الناقد والأستاذ الجامعي أحمد شنيقي عدم اعتباره مولود فرعون من كُتابه المفضلين رغم أنه معجب بمساره الشخصي وتصميمه وصلابته ولكنه غير منجذب لأعماله التي يعتبرها متأثرة كثيرا بالجانب التعليمي الذي ساير حياة فرعون. مضيفا أن أسلوب فرعون نوعا ما تعليمي وهذا لا يعني أن أعماله غير مهمة وفي مقدمتها: «ابن الفقير» التي يراها مهمة لكنه يفضل أسلوبا آخر في الكتابة. كما أشار إلى قدرة فرعون على تسليط الضوء على بعض الحقائق في فترة الاستعمار الفرنسي بعد مرحلة مبهمة ليتحرر في الأخير من «إنسانيته الكاميية»-(نسبة إلى كامو)، مضيفا أن فرعون في مؤلفه «يوميات» ندد بالعنف الاستعماري، كما طغى البعد الاثنوغرافي على أعماله ولكن يضيف شنيقي «علينا أن لا نصدر أحكاما على فرعون لأنه كتب أعماله في فترة تاريخية معينة. كما أشار إلى أن كتابات فرعون مصبوغة بأسلوب واقعي، وهكذا فإنها تعزز لعبة الوصف والنزاعات الباطنية. في إطار آخر أكد شنيقي أنه رغم عدم تأثره بأسلوب فرعون إلا أنه معجب كثيرا بشخصية رجل اغتيل من طرف المنظمة العسكرية السرية التي وجدت فيه مناصرا للعدل والكرامة وإلا لما اهتمت به. مشيرا إلى أن فرعون رجل شريف وكاتب واقعي، وتشبه كتاباته كتابات طه حسين. وأجاب شنيقي على سؤال «المساء»، حول راهن أعمال مولود فرعون، فقال إن كل عمل أدبي راهن لأن كل شيء يّلعب على مستوى هوية المستقبل، مضيفا أن المواضيع التي تناولها فرعون في مؤلفاته، تمس كل إنسان، مثل الرغبة في النجاح والوصول إلى درجة أرقى، بالمقابل مثل كل نص اثنوغرافي ومتعلق بالسيرة الذاتية، يمكن أن يتجاوزه الزمن، رغم أنه يظل شاهدا لفترة معنية، في حين يمكن للقارئ أن يحول حدثا ماضيا إلى راهن. ليؤكد في الأخير أن كل عمل راهن حسب مستقبليه.

نجيب سطمبولي: كتب فرعون تُقرأ بأريحية واستمتاع

قال الكاتب الصحفي نجيب سطمبولي إن كل كاتب جزائري قرأ لمولود فرعون وتأثر بكتاباته ولو بدرجات مختلفة، مضيفا أن هذا التأثير له جانبان الأول مباشر من خلال مؤلفات الكاتب، والثاني من خلال مساره ونهايته الحزينة. بالمقابل أشار صاحب رواية «الممثل» إلى أن أعمال فرعون لم تؤثر على حياته الشخصية. لينتقل إلى ديمومة أعمال مولود فرعون، الكاتب العظيم، مؤكدا أنها باقية للأجيال القادمة، كما أضاف أن فرعون وصف المجتمع الجزائري وبالأخص القبائلي في الفترة التي عاشها، بدقة ووضوح وموهبة تتعدى الحدود الظرفية ولكن أعماله ليست راهنة بالعمل الدقيق للكلمة، في حين تُقرأ بأريحية واستمتاع اليوم مثلما كان عليه الأمر، في السابق.

فيصل الأحمر: فرعون علمني حب الجزائر بدون شروط

أكد الكاتب فيصل الأحمر أن كلاسيكيات الأدب تصبح كذلك عندما تذوب في ضميرنا الجمعي، حيث تصبح جزءا منا ونصبح لا نعرف أنفسنا إلا في إطار حضورها واستحضارها. مضيفا أن مولود فرعون ينتمي إلى هذه الزمرة النادرة من الأدباء الذين يصمدون جيدا ضد أمواج التغير والتبدل التي تهجم على الوقت فتحول كل شيء ليصبح الماضي غريبا عنا نكاد لا نعرفه إلا لماما. وأشار الكاتب إلى تأثره العميق بأعمال مولود فرعون، قائلا «لن أجانب الحق إن قلت إنه أكثر الكتاب الجزائريين المفرنسين تأثيرا على قلمي، علمني حب الجزائر دون شروط، علمني التأني أثناء الكتابة والتواضع والتنبه إلى أن الأنة الصغيرة التي لا تلقي لها بالا اليوم تنام وتستيقظ فتجدها قد صارت كالشمس». وأضاف أن «ابن الفقير» و«يومياته» وكذلك «رسائله» كانت من الكتب الأثيرة بالنسبة له طيلة السنوات المفصلية في حياة الكتاب؛ بين العشرين والثلاثين. وقد أعاد قراءة «اليوميات» عدة مرات لأنها تصور حياة رجل كبير، منفتح على صداقات فرنسية يسارية كانت داعمة للثورة أو سائرة في اتجاه فكري يناسب اتجاهنا، ليؤكد أن فرعون كاتب مدقق يصقل أعماله كما يفعل عمال الجواهر على تحفهم. كما قال صاحب «مجنون وسيلة»، أننا نستعيد اليوم قلما ورجلا وشهيدا وموقفا ونرى ما يمكننا أن نأخذه منه، ألا وهو «المحافظة على الجوهر الجزائري رغم زحام الهويات الذي يعبر بذاتنا بحكم طبيعة الأشياء، وبحكم إكراهات الظرف العالمي، لاهتمام بالتاريخ وبتدوين أبسط أفعال الناس وصور حياتهم، تلك العناصر التي من شأنها بعد حين أن تتحول إلى علامات مائزة دالة حضاريا وتاريخيا. وتلك طبيعة عمل فرعون وهو يكتب «ابن الفقير» و«الدروب الوعرة» و«الأرض والدم» أو وهو يجمع ويترجم أشعار سي محند أو محند».

رياض وطار: معجب بفرعون 

عبر وطار عن أسفه لعدم اطلاعه على أعمال الكاتب الراحل مولود فرعون، اللهم إلا القليل منها سواء من الكتب التي صادفته في حياته اليومية أو النصوص الأدبية التي أُدرجت في البرامج التربوية، ومع ذلك أعرب عن إعجابه الكبير بأسلوب فرعون، رغم أنه لم يتأثر به، من باب تجنبه التأثر بأي أديب رغبة في الانفراد بأسلوب خاص به، وإلا «ماداعي أن نتسم بصفة الأديب أو الكاتب إذا لم نستطع الانفراد بأسلوب شخصي»، -يضيف رياض- مضيفا أنه وفقا لنظريته المتواضعة، من يمارس فعل الكتابة يجب أن يعمل قدر المستطاع على تفادي السقوط في فخ اجترار ما كتبه الذي سبقوه في مجال الإبداع.

أما فيما يتعلق بالسؤال الخاص بمدى إسقاط أدب فرعون على المرحلة الراهنة، يعتقد رياض أن لكل أديب ظروفه ومحيطه الخاص به لهذا لا يمكن أن نسقط نصا ما تمت كتابته في السبعينات أو ماقبل على الراهن، لأن تلك الفترة لها خصائصها وأجواؤها الخاصة، مشيرا إلى أن الأديب الذي عايش الثورة ومرحلة ما بعد الثورة ليس هو نفسه الذي عايش فترة انتفاضة الـ5 اكتوبر أو فترة التسعينات التي تميزت بالعنف الهمجي وهو نفس الحال بالنسبة للخطاب السياسي فخطاب الساسة اليوم يختلف عن خطاب الساسة في تلك الفترة.

وليد طيبي: أدب فرعون يتغلغل في الذات الجزائرية

قال وليد طيبي إنه قرأ لمولود فرعون رواية «ابن الفقير» وأجزاء من «الدروب الوعرة»، مشيرا إلى أنه يعتقد بأنه سيجانب الحقيقة إن صرح بأنه لم يتأثر قط بها، بل يميل إلى الاعتقاد بأن أدب سياق الاحتلال وما تضمنه من إرهاص لفعل الثورة والانعتاق من ربقة الاستعمار بشكل وبآخر، قد أثر في كل الجزائريين بنسب متفاوتة، إذ يرتبط هذا الأدب بإيديولوجيا متجذرة في ذات كل جزائري من الصعب نفيها وقد سكنت بالتاريخ الاستعماري القاسي وسكنها. كما أضاف أن أعمال مولود فرعون امتداد للتعابير الصادمة عن واقع معيش مجحف. بالمقابل وبخصوص إمكانية إسقاط أدب فرعون على المرحلة الراهنة، يعتقد المتحدث بأن الفِراسة الأدبية والقدرة العميقة في الغوص في غور الذات الانسانية والجزائرية خاصة وكشف مجاهيلها التي يتمتع بها فرعون، تصلح لأن تنطبق على أي إنسان وفي أي مرحلة بعيدا عن السياق العام الحاصل وهو بمثل أدب دوستوفيسكي في هذه النقطة.

محمد بلحي:  هناك من شبه كتابي «وقائع جهنمية» بكتاب «يوميات» لفرعون

قال محمد بلحي إنه حينما صدر له كتاب «وقائع جهنمية» سنة 1997 في فترة الإرهاب، قارن صحفيون ما كتبه بكتاب «يوميات» لمولود فرعون، الذي كان شاهدا على الفترة التي عاشها وهو نفس ما قام به المتحدث، مضيفا أن مولود فرعون في كتابه هذا، تناول يوما بيوم التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي عرفتها الجزائر في سنوات الأربعينات والخمسينات، وهذا في قالب وثائقي حول موضوع محدد، بالإضافة إلى تمتعه بأسلوب أدبي كلاسيكي، في حين يندرج عمل بلحي فيما أطلقت عليه تسمية «الأدب الاستعجالي». بالمقابل أشار بلحي إلى قراءاته لأعمال مولود فرعون رغم أنه كان متأثرا أكثر بالأدب الأمريكي اللاتيني، وكذا بكتب رشيد بوجدرة ودريس شرايبي، باعتبار أن مولود فرعون كان يمثل أسلوبا أدبيا لم يجذب جيل بلحي. بالمقابل اعتبر بلحي أن مولود فرعون كان يمثل منتوج زمانه، كما كان قريبا جدا من «الاتنوغرافيا» ولم يجدد فن الرواية، مشيرا إلى أنه يعتبر مولود معمري أكثر حداثة وبحثا وتطورا من أسلوب فرعون، ليضيف أنه لو عاش فرعون أكثر لربما قدم لنا أعمالا تشبه أعمال التركي يشار كمال والألباني اسماعيل كداري، اللذين كانا قريبين جدا من القرويين والقاطنين في الجبال. وهو ما كان عليه فرعون الذي تطرق إلى مناطق القبائل في فترة معينة وسلط الضوء فيها على واقع معيشي صعب للجزائريين في قراهم وكذا حول الهجرة إلى العاصمة وإلى فرنسا. لينتقل إلى راهن أعمال فرعون ويقول إن كل عمل متقن ويتناول حقبة معينة، يبقى دائما موضوعا راهنا، ويقدم مثالا عن «فورولو» التي تبقى قريبة جدا من الواقع الجزائري خاصة المتعلق بمنطقة القبائل، كما أن الكُتاب الشباب من منطقة القبائل متأثرين بكتابات فرعون رغم انه كتبها قبل الاستقلال.