تنظيم صارم للسوق وضوابط مشددة لكبح استنزاف العملة
نهاية الفوضى والمضاربة وحماية قوت المواطن
- 89
زولا سومر
* 2026.. محطة التحول الحقيقي نحو التجارة الرقمية الآمنة
* أخلقة التجارة حماية للمستهلك ولقدرته الشرائية
* إرساء نظام معلوماتي موحد لتموين السوق الوطنية
* تحسين أداء منظومة الاستيراد ومواصلة تدابير تشجيع الصادرات
* توسيع صلاحيات وزير التجارة الخارجية لمحاربة لوبيات الاستيراد
* خروج الجزائر من القائمة الرمادية
* لـ" غافي" وتبني أقصى درجات الشفافية
* مكافحة تبييض الأموال وقطع الطريق أمام ظاهرة تضخيم الفواتير
شهد قطاع التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية والتجارة الخارجية وترقية الصادرات في المدة الأخيرة تحولات وقرارات هيكلية هامة، فرضت من خلالها الدولة سيادتها الاقتصادية عن طريق أدوات تكنولوجية وآليات رقابية صارمة لحماية القدرة الشرائية وصحة المستهلك وتنظيم المعاملات التجارية بمحاربة الغش وضبط الاستيراد والتصدير.
عرف مطلع سنة 2026 اتخاذ إجراءات لتنظيم السوق والتحضير للمواسم الكبرى، حيث تميز بالتحضيرات الاستباقية لشهر رمضان، إذ صبت كل جهود القطاع بحقيبتيه الداخلية والخارجية على ضبط الترتيبات المتعلقة بالشهر الفضيل الذي يعرف تغيرا في نمط الاستهلاك وزيادة الطلب، وذلك بدءا بالتوقيع المسبق على رخص استيراد المواد المعنية بالاستيراد من قهوة ولحوم وغيرها من المواد الأولية، وصولا إلى قرارات داخلية لتنظيم السوق وضبطها، بإصدار تعليمات صارمة تهدف لتحقيق الوفرة بزيادة الإنتاج وتجسيد النوعية، وكذا السهر على حسن التوزيع وعدم رفع الأسعار، حفاظا على القدرة الشرائية للمواطن.
وتنفيذا لتعليمات مجلس الوزراء والاجتماعات المشتركة، قام قطاع التجارة بالتنسيق مع المحافظة السامية للرقمنة بوضع النظام المعلوماتي الموحد لتموين السوق الوطنية، الذي يتيح تتبعا حيا لأسعار السلع الأساسية ومخزوناتها وتفادي الندرة والمضاربة، ما يمنع الاحتكار ويسهل التدخل الفوري لأجهزة الرقابة بالتنسيق مع المصالح الأمنية ووكالة أمن الأنظمة المعلوماتية.
استراتيجية وطنية لترقية التجارة الإلكترونية
قصد تشجيع التجارة الإلكترونية، وجه رئيس الجمهورية تعليمات صارمة، تعتبر التجارة الإلكترونية تحديا استراتيجيا يستوجب ضمان الأمن الرقمي، من خلال إقرار المزيد من التسهيلات القانونية والمالية للمتعاملين في هذا المجال لتحقيق "الشفافية التجارية" كأولوية قصوى، حيث طالب بإعداد استراتيجية وطنية لتطوير التجارة الالكترونية ودمج الشباب في الاقتصاد الرقمي وتعزيز البنية التحتية.
مخابر الرقابة لحماية المستهلك ودعم الأمن الغذائي
ولحماية صحة المستهلك من خلال قطع الطريق أمام المنتوجات التي لا تحترم معايير الجودة ومطابقة النوعية، اتخذ قطاع التجارة قرارات مهمة لتشديد الرقابة وتوسيع المخابر عبر المنافذ الحدودية في كل موانئ ومطارات الوطن، بالتنسيق بين وزارات التجارة الداخلية، الصحة، البيئة، والنقل، حيث تتولى وزارة التجارة الداخلية مراقبة كافة المنتجات الموجهة للاستهلاك البشري، بما فيها اللحوم المستوردة بأنواعها، مع الحرص على مكافحة الغش باستعمال التحاليل الدقيقة من خلال إلزام المخابر، خاصة المتنقلة على مستوى الموانئ والتي دخلت حيز الخدمة نهاية 2025، بإدراج تحاليل مخبرية وعلمية دقيقة تمكن من الوصول إلى المصادر الأساسية للغش التجاري وتطبيق عقوبات صارمة ضد المخالفين لحماية صحة المستهلك والقدرة الشرائية. كما عرفت الأشهر الأخيرة، إقرار آلية تنسيق جديدة تشرف عليها وزارة التجارة الداخلية بالتعاون مع الأجهزة الأمنية ومخابر علمية متخصصة، من خلال إنشاء نقاط مراقبة فجائية للسلع أثناء نقلها بين الولايات، بتجنيد فرق رقابة متنقلة عبر شبكة الطرقات.
قانون صارم لتنظيم السوق وحماية القدرة الشرائية
وتم ضمن نفس المساعي، إصدار القانون رقم 04- 08 المتعلق بشروط ممارسة الأّنشطة التجارية والذي يهدف إلى تكريس شفافية النشاط التجاري وحماية الاقتصاد الوطني، ويندرج هذا القانون في سياق الإصلاحات المتواصلة التي تباشرها الدولة لتحديث المنظومة التشريعية الاقتصادية وتعزيز انسجامها مع التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد الوطني، والتطور المتسارع في أنماط الأعمال، إلى جانب التزامات الدولية التي أضحت تفرض ضرورة تكييف القوانين بما يستجيب لمقتضيات المرحلة ويعزز فعاليتها.
كما يهدف إلى تكريس الشفافية في المعاملات التجارية، وتعزيز فعالية آليات الضبط والرقابة، وتحصين الاقتصاد الوطني من مختلف أشكال الانحرافات المالية، لتكريس اقتصاد منفتح، منظم، ومحمي، قادر على استقطاب الاستثمار وخلق الثروة في إطار من النزاهة والثقة والامتثال للمعايير الدولية، وتعزيز التوافق مع المعايير الدولية المرتبطة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وترسيخ ثقة الشركاء والمؤسسات المالية وحماية الاقتصاد الوطني من المخاطر النظامية المرتبطة بالجرائم المالية. وتنفيذا للالتزامات الرئاسية بعصرنة أنماط التسيير، تم تسريع البرامج التطويرية للمركز الوطني للسجل التجاري والتحول نحو المعاملات الإلكترونية الكاملة. بهدف دمج النشاطات الموازية في القنوات الرسمية وتوفير قاعدة بيانات دقيقة للاقتصاد الوطني.
حوكمة جديدة لضبط الواردات وترقية الصادرات
في سياق ضبط التجارة الخارجية، وتفعيلا لدور الهيئة الوطنية للاستيراد وكذا الهيئة الوطنية للتصدير اللتين تم إنشاؤهما بأمر من رئيس الجمهورية بعد حل الوكالة الجزائرية لترقية التجارة الخارجية "ألجكس"، تم مؤخرا إنشاء مجلسي توجيه لكل هيئة، وهو ما يعتبر خطوة هامة نحو تعزيز التنسيق بين مختلف القطاعات المتدخلة في مجال الاستيراد والتصدير، بما يسمح بإرساء مقاربة أكثر نجاعة ويخدم التوازنات الاقتصادية الوطنية. ويهدف المجلس الخاص بالاستيراد إلى ضبط فاتورة الاستيراد وحماية الاحتياطي النقدي، وتنظيم تدفقات السلع والمدخلات بما يتماشى مع الإنتاج الوطني دون إغراق السوق ودون إحداث ندرة. فيما يبقى الهدف من مجلس التوجيه الخاص بالتصدير هو رسم معالم سياسة تصديرية فعالة تعزز تموقع وتنافسية المنتوج الوطني في السوق الدولية، وتذليل العقبات أمام المصدرين ومرافقتهم. وتم في هذا الإطار الحرص على اعتماد آليات متابعة وتقييم فعالة لعمل الهيئة الجزائرية للاستيراد، بما يسهم في تحسين أداء منظومة الاستيراد وتكييفها مع التحولات الاقتصادية ومتطلبات التنمية.
ضبط حركة رؤوس الأموال وحماية الاحتياطي النقدي
وفي إطار تشديد الرقابة الاحترازية على التجارة الخارجية وضبط حركة رؤوس الأموال وحماية الاحتياطي النقدي، أصدر بنك الجزائر في ماي الماضي تعليمات حاسمة لتنظيم عمليات الاستيراد والتصدير من خلال إجبارية التوطين البنكي المسبق قبل الشحن، وذلك قصد تعزيز الرقابة ومكافحة الممارسات الاحتيالية والتحويلات غير المشروعة للعملة الصعبة. إلى جانب عدة قرارات تخص إلزامية تحديد مسار وتخزين السلع المستوردة، لتنظيم السوق ومحاربة المضاربة والاحتكار. علاوة عن تجنيد الكفاءات الجامعية لمحاربة الغش والفساد التجاري.
كما عمل القطاع على رقمنة عمليات الاستيراد بإطلاق المنصة الرقمية المخصصة لتسيير ومتابعة عمليات استيراد المواد الأولية، المدخلات الإنتاجية، والتجهيزات، بالإضافة إلى منصة برامج الاستيراد التقديرية للسلع الموجهة لإعادة البيع على الحالة بهدف كبح الفواتير، وتوجيه الاستيراد لتكملة الإنتاج الوطني فقط.
صلاحيات أوسع لوزير التجارة الخارجية لمحاربة لوبيات الاستيراد
ولترقية التجارة الخارجية، أصدر رئيس الجمهورية قرارا رئاسيا مؤخرا يقضي بتوسيع صلاحيات وزير التجارة الخارجية، لتمكينه من متابعة مؤشرات مخاطر تضخيم أو تخفيض الفواتير في عمليات الاستيراد والتصدير، إلى جانب السهر على تحديد السياسة الوطنية في مجال الرقابة على التجارة الخارجية، ومتابعة مختلف عمليات الاستيراد والتصدير عبر المعابر الحدودية البرية والجوية والموانئ والمناطق الحرة والمخازن تحت الجمركة. كما أوكلت له مهام متابعة عمليات استيراد وتصدير الخدمات، ومتابعة وضع حيز التنفيذ رخص الاستيراد التلقائية، واتخاذ التدابير اللازمة لفرض احترام تأطير عمليات الاستيراد والتصدير ومحاربة الممارسات التجارية الدولية غير المشروعة، لاسيما الإغراق والدعم وتزايد الواردات التي تهدد الإنتاج الوطني، إضافة إلى متابعة تسيير المناطق الحرة والمناطق الاقتصادية الخاصة الموجهة للتصدير والقواعد اللوجيستية.
وبعد الخروج الرسمي والنهائي للجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولي "غافي"، أصدر رئيس الجمهورية توجيهات لقطاع التجارة الخارجية لتنسيق العمل مع باقي القطاعات، لفرض أقصى درجات الشفافية في حركات رؤوس الأموال ومكافحة تبييض الأموال عبر المعاملات التجارية الدولية، وقطع الطريق نهائيا أمام ظاهرة تضخيم الفواتير. وتأتي هذه القرارات لتؤكد أن سنة 2026 تمثل محطة التحول الحقيقي نحو "التجارة الرقمية الآمنة" في الجزائر، حيث وضعت الدولة آليات مؤسساتية تضمن توازن السوق الداخلية واستقرار الأسعار، بالتوازي مع حماية الاقتصاد الوطني في تعاملاته الخارجية.