الدكتور فيصل الأحمر:

مولود معمري: مثقف نقدي بامتياز

مولود معمري: مثقف نقدي بامتياز
  • 6366
 ف.أ ف.أ

يرتبط مولود معمري في ذهني شخصيا بصورة خاصة للمثقف النقدي الذي يقف على طرف نقيض من المؤسّسة الحاكمة، مثقف يرفض السبل المعبّدة التي ترسمها المؤسّسة الحاكمة بعيدا عن صنف الوعي المتعالي،  الذي من المفروض أن المثقف هو القيم الوحيد والرئيسي في صنعه، ذلك أن معمري مثّل صوتا معارضا من حيث قصد، ومن حيث لم يقصد، فقد اشتغل في تكوينه الجامعي وفي بحثه المعمق بمبحث ذي صبغة أنثروبولوجية تراثية تحوّلت في أعقاب الاستقلال إلى نوع من البحث غير المرضي عنه من قبل السلطة القائمة، وذلك ما جعله يقدم دروسا في اللغة والثقافة البربرية بشكل محدود محدد على الحد الفاصل بين القبول والرفض والتنكر من طرف السلطة الحاكمة.

أدخل صفحة غير متفق عليها..

نعلم أنه تحول إلى رمز للمعارضة، إذ معلوم أن الربيع الأمازيغي جاء في أعقاب التنظيم غير الموفق لمحاضرة له حول الخصوصية الأمازيغية... محاضرة سيكون مصيرها أن تدخل التاريخ المعاصر للبلاد كصفحة غير متفق في لونها؛ بعضهم ينظر إليها كصفحة سوداء، وبعضهم يعلي من شأنها كصفحة بيضاء تدل على حركية معينة في الحركة الثقافية نفتقد إليها اليوم، وحركية مجتمعية تدل على ميلاد وعي أمازيغي هام في رسم خطاطات الهوية الوطنية.

عامة، ما يعكف الكتاب في العصر الحديث في عبودية تامة لشيء يرونه هاما لأنه يخدم صورة معينة..."صورة المثقف" كما يتعامل معها الجمهور، فالكاتب كاتب لأنه يؤلف قصصا أو ينشر كتبا، ولأنه معروف بذلك وكفى، وغالبا ما تكون ضريبة الأمر هي التضحية بالصورة الإيجابية المناضلة للكاتب؛ صورة هدفها تغيير التاريخ لا الانخراط فيه. هدفها صناعة الوعي لا التفرج عليه. هدفها علاج المرض لا تخفيف الألم فحسب. وهؤلاء قلة فقط وعليهم تقع مسؤولية تاريخية كبيرة. ومولود معمري واحد من هؤلاء المثقفين النقديين النادرين بامتياز.

ناضل ضد التهميش

الدرس الذي أريد الخروج به اليوم والذي أعمل دائما على تقديمه أثناء استحضار الوجه المشاغب لمعمري، هو ضرورة الدفاع عن هامش "التهميش" الذي تسلطه السلطة في كثير من الأحيان على المثقف، فهو تهميش أساسي ـ كما يقول إدوارد سعيد- لأجل النجاح في خلق ثقافة نقدية معينة.

دور المثقف هو خلق مرآة تنظر الأمة فيها وليس التطبيل داخل السرب بما ترتضيه السلطة التي هي ابنة الطوارئ التاريخية السياسية، والتي يعوزها البعد اللازمني الذي من المفروض أن يكون المثقف قيما عليه.

مولود معمري فاصلة أدبية شديدة الأهمية من حيث الانتباه المبكر والتنبيه المفصلي على ضرورة تطوير المبحث التراثي والهاجس المعرفي الأنثروبولوجي الذي يكمل بنيان العناصر الهوياتية. عنصر كان من المفروض أن يندثر تماما بسبب استقطابين تعيسين: استقطاب السلطة الاستعمارية التي ربطته بالبحث الذي يهدف إلى تقسيم الجزائر فدنسته وأذهبت جانبه النبيل الهام، واستقطاب السلطة الحاكمة التي حاربت تدريس هذه المواد إثر الاستقلال بدافع التخلص من العلوم الجامعية ذات البعد الاستعماري. استقطابان تعيسان تنبه إليهما معمري وابتعد بروحه العلمية العالمة عن التأثر بهما.

نرى اليوم محمدة هذا الأمر بعدما مر الزمن آخذا ما لا ينفع الناس ولا العباد وتاركا ما ينفعهم. وحسنا فعل معمري إذ فعل.