الجزائر تكرّس سيادتها برسـم معالم واقع تكنولوجي جديد

من ثورة التحرير إلى ثورات التنمية والتحوّل الرقمي

من ثورة التحرير إلى ثورات التنمية والتحوّل الرقمي
  • 140
مليكة. خ مليكة. خ

من السلاح و الكلمة المكتوبة بالأمس إلى المعلومة والرقمنة اليوم، مسار طويل للجزائر التي  قرّرت دخول ملحمة الاتصالات والتطور التكنولوجي من أجل رسم علامة فارقة، تكرّس سيادتها على مختلف المستويات ليكون ذلك امتدادا للثّورة التحريرية المظفّرة التي مازالت تروي شواهد نضالها الإنساني ضد الاستعمار، حيث لم تكن مجرد مواجهة عسكرية على الأرض، بل كانت أيضاً ثورة تعبئة ووعي انطلق من أثير الإذاعات السرية ومنشورات جيش التحرير الوطني.

إذا كانت الجزائر قد انتزعت سيادتها السياسية والوطنية بتضحيات جسام، فإنها تواجه اليوم امتدادا طبيعيا لذلك الكفاح بوسائل مغايرة، حيث تخوض ثورات في عدة قطاعات اقتصادية واجتماعية داعمة لمشروعها النّهضوي ولمعاركها التنموية، معززة جهودها بثورة رقمية مسايرة لمختلف الورشات المفتوحة، ومتوخية منها رفع تحديات السيادة التكنولوجية بعد أن تشرّب الوعي الوطني من شعلة نوفمبر، ليكون اليوم على أهبة الاستعداد لتحقيق التحوّل الرقمي وصناعة المعلومة.

ولم يكن الأمر سهلا لأن التحدي كان كبيرا بعد الاستقلال بالنّسبة لدولة خرجت منهكة ببنية تحتية مدمّرة ونسبة أمية عالية، ودخلت معركة البناء والتعليم والاستثمار في الإنسان  قبل وضع أسس الثّورة الرقمية لمجابهة معركة السيادة التكنولوجية بنفس الروح التحريرية التي حركت أبطال الثّورة الشعبية بالأمس، وهو التحدي ذاته الذي يحرّك اليوم، العقول الجزائرية الشابة في ميدان الثّورة الرقمية، للانتقال بالجزائر من بلد استعاد حريته بكفاح شعبه، إلى دولة عصرية تفرض مكانتها التكنولوجية والاقتصادية في العالم الرقمي.

 في ظل التحولات الراهنة أدركت الجزائر حتمية تكييف مفاهيم السيادة، حيث أن عالم اليوم لم تعد تتحكم فيه الحدود الجغرافية بقدر ما تتحكم فيه تدفقات البيانات، كما أن القوة لم تعد تقاس فقط بعدد الجيوش، بل بمدى القدرة على التحكم في الخوارزميات وامتلاك البنى التحتية الرقمية وتوجيه الفضاء السيبراني، في ظل تغير موازين القوى التي باتت تسيطر عليها الشركات التكنولوجية الكبرى كفاعل يتجاوز في تأثيره في الكثير من الأحيان  الدول، ليصبح التحكم في المعلومة وصناعتها وتوجيهها أحد أبرز محددات النّفوذ العالمي.

 انطلاقا من قناعتها بأهمية تحديث مفهوم السيادة الرقمية بعيدا عن الإطار التقليدي المتعارف به كحماية الحدود والحفاظ على الهُوية الثّقافية، ركّزت الجزائر جهودها على الارتقاء بإنتاج المعرفة الرقمية وتأمين الفضاء الإلكتروني وتوطين التكنولوجيا، وفهم لغات البرمجة التي غزت العالم الجديد، ومن ثم مواجهة تحديات التبعية التكنولوجية وضعف الاستثمار في البحث العلمي، وهشاشة الوعي المجتمعي بمخاطر الفضاء السيبراني، مع السعي لبناء الاستقلال الرقمي في ظل نظام دولي غير متكافئ تهيمن عليه قوى تمتلك المعرفة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

 ولم تتأخر الجزائر في اعتماد مسار تدريجي بدأ من تحديث البنى التحتية التقليدية والانضمام لمنظمات الاتصالات الدولية، وصولا إلى إطلاق استراتيجيات وطنية شاملة للتحوّل الرقمي والسيادة التكنولوجية، باعتبارها درعا واقيا لا غنى عنه ليس فقط لحماية البيانات، بل لتحصين العقل الجمعي من التبعية الفكرية التي تمارسها كبريات الشركات التكنولوجية كأدوات قوة ناعمة عابرة للحدود.

وفي إطار تجسيد رؤية "جزائر رقمية 2030" التي تشرف عليها المحافظة السامية للرقمنة، ارتكزت الجهود على تعزيز خارطة طريق شاملة تستهدف تحديث الإدارة العمومية وتعزيز الاقتصاد الرقمي، فضلا عن ترسيخ السيادة الرقمية بمشاركة القطاعين العام والخاص، إلى جانب تطوير البنية التحتية والشبكات وتعميم شبكات الألياف البصرية وربط الآلاف من الهياكل الحيوية وإطلاق بوابات إلكترونية حكومية.

وكان لزاما تفعيل النّقلة التكنولوجية بإرساء تصور جديد يرتكز على الانتقال من مرحلة استيراد التكنولوجيا إلى توطينها وامتلاك عقل الآلة والمعرفة التقنية، حيث تركزت السياسات الوطنية في هذا الصدد على ربط اتفاقيات الاستثمار ببنود واضحة لنقل التقنية وتنظيم دورات تكوينية للإطارات المحلية، وإنشاء مراكز بحث تطبيقية بتمويل مشترك مع شركاء دوليين. فالجزائر اليوم، أصبحت تخطو خطوات متسارعة لتعزيز مكانتها كقطب إقليمي في الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على دمج البحث الأكاديمي والجامعي في الإنتاج الصناعي وتقليص التبعية التقنية، بما يرفع نسب الإدماج المحلي ويحافظ على القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.

كما تظهر جليا الرؤية الاستشرافية لرئيس الجمهورية السيّد عبد المجيد تبون، الذي يراهن على  مواكبة الرهانات التكنولوجية من خلال إنشائه المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية في الخارج، والذي يحمل أبعادا استراتيجية عميقة ومؤسساتية تهدف إلى دمج العقول المهاجرة في مسار التنمية الوطنية، بهدف الانتقال من العلاقات الظرفية والاتصالات الفردية أو المناسباتية بين الكفاءات ووطنهم إلى شراكة مؤسساتية دائمة ومستدامة.

ويهدف هذا القرار إلى إيجاد فضاء مؤسساتي رفيع المستوى لهذه الهيئة  الاستشارية التي وضعت لدى رئيس الجمهورية، وتتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي لتعبئة الطاقات والخبرات العلمية وتعزيز مساهمتها في دعم منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، علاوة على ربط الكفاءات بالمسارات التنموية المختلفة لتكون قاطرة حقيقية للاقتصاد الوطني ومناصب الشغل.

ومن خلال استحداث هذه الهيئة يراهن الرئيس تبون، على الاستفادة من مسيري المؤسسات الاقتصادية والباحثين في الخارج في النّقل التكنولوجي ودعم البحث التطويري، ومن ثم تعزيز السيادة العلمية والمعرفية للجزائر من خلال استشراف المستقبل وصياغة البدائل الاستراتيجية ومرافقة المشاريع الكبرى وتفعيل اليقظة الاستراتيجية حول التطورات التكنولوجية الحديثة، وتبادل الخبرات والمعرفة على النّطاقين الوطني والدولي. ولا يتوقف الأمر عند  البعدين الاقتصادي و العلمي، بل يهدف أيضا لصون الارتباط الوجداني والعلمي بين أبناء الجالية ووطنهم الأم، ومن ثم تأكيد التزام الجزائر بالعمل على مد جسور التأثير والمعرفة مع علمائها وباحثيها في شتى أنحاء العالم ليكونوا شركاء فاعلين في صناعة مستقبل البلاد.