حركية غير مسبوقة في قطاعات المناجم والبنى التحتية والفلاحة وتحلية المياه
مشاريع كبرى ترسخ السيادة الاقتصادية للجزائر
- 104
زين الدين زديغة
* استثمارات استراتيجية تعزز مكانة الجزائر كقطب إقليمي
تسير الجزائر نحو ترسيخ سيادتها الاقتصادية، من خلال جملة من المشاريع الهيكلية في العديد من القطاعات، أطلقتها في الفترة الأخيرة، على غرار المناجم والسكك الحديدية واللوجستيك والفلاحة وتحلية مياه البحر والتجارة، حيث تم استلام البعض منها وأخرى توجد قيد الإنجاز، وينتظر منها أن تساهم في بناء قاعدة صناعية وطنية متينة وتعيد رسم خارطة التنمية في البلاد، وبالتالي المساهمة في دفع الاقتصاد الوطني وتعزيز مكانة الجزائر كقطب إقليمي في عدة مجالات.
تخوض الجزائر مرحلة جديدة من معركة البناء والتشييد بعد 64 سنة من استرجاع السيادة الوطنية، عبر إطلاق وإنجاز عدد من المشاريع الهيكلية والاستراتيجية خلال السنوات القليلة الأخيرة، في قطاعات حوية كاستغلال الثروات المنجمية في غارا جبيلات بتندوف والفوسفات ببلاد الحدبة والزنك والرصاص في بجاية، والنقل واللوجستيك عبر ربط مناطق البلاد بالسكة الحديدية، والفلاحة لتحقيق الأمن الغذائي، وتحلية مياه البحر لضمان الأمن المائي للبلاد، وكذا إنشاء منطقة للتجارة الحرة في ولاية تندوف، إذ ينتظر من هذه المشاريع أن تعيد هندسة ملامح الاقتصاد الوطني خارج قطاع المحروقات ورسم خريطة التنمية الوطنية وتعزيز مكانة الجزائر كقطب إقليمي في عدة مجالات.
مرحلة جديدة من البناء بعد استرجاع السيادة الوطنية
فبعد انتزاع الجزائريين لاستقلالهم في تاريخ 5 جويلية 1962، تتجه الجزائر اليوم بعد 64 سنة إلى تعزيز استقلالها من خلال استثمارات كبرى في العديد من القطاعات، وفي هذا الإطار، أطلقت الجزائر مشاريع هيكلية غير المسبوقة بأبعاد اقتصادية وطنية.
منجم وسكة غارا جبيلات.. قاطرة الصناعة المنجمية وشريان التنمية
ففي المجال المنجمي تخوض الجزائر رهانا اقتصاديا كبيرا من خلال استغلال منجم غارا جبيلات، أحد أكبر احتياطات خام الحديد في العالم، والمقدرة بنحو 3.5 مليار طن، بالتوازي مع استكمال إنجاز خط السكة الحديدية بشار-تندوف-غارا جبيلات، على مسافة تقارب 950 كلم، الذي يعد شريانا حيويا لنقل خام الحديد وربط الجنوب الغربي بالشبكة الوطنية للنقل بالسكة الحديدية وفك العزلة عن مناطق شاعة من البلاد.
ويشكل هذا المشروع رافعة لتنمية المناطق الجنوبية واستقطاب الاستثمارات واستحداث مناصب الشغل، في ظل المنشآت المحيطة به في إطار استغلال وتثمين خام الحديد.
فمن المرتقب إنجاز مدينة منجمية ووحدات تحويل لمعالجة خام الحديد المستخرج في عين المكان، إلى جانب إنجاز وحدة ومصنع للمعالجة في ولاية النعامة أيضا، مما سيقلص من واردات المواد الأولية في هذا المجال ويحفز الإنتاج الوطني من الفولاذ، سعيا لتطوير الصناعة والبنى التحتية.
وينتظر من هذا المنجم الضخم أن يكرس السيادة الاقتصادية للبلاد ويساهم في تنويع المداخيل، إلى جانب تعزيز الصناعة التحويلية ودعم الصادرات خارج المحروقات وتحقيق التنمية المحلية، وكذا تعزيز مكانة الجزائر كفاعل صناعي ومنجمي في المنطقة وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكة مع مختلف الدول.
مشروع الفوسفات المدمج.. سلسلة متكاملة من الاستخراج إلى التصدير
في ذات السياق، تجري الأعمال على قدم وساق لاستكمال أحد أهم المشاريع المنجمية الاستراتيجية الكبرى في الجزائر، ويتعلق الأمر بمشروع الفوسفات المدمج، الذي يضم أيضا خطا للسكة الحديدية يمتد على مسافة أكثر من 422 كلم انطلاقا من بلاد الحدبة وجبل العنق مرورا بتبسة وسوق أهراس ووصولا إلى عنابة، أين تجرى أشغال توسعة ميناء الولاية من أجل مواكبة تثمين هذا المشروع ورفع قدرات استقبال وتصدير الفوسفات.
وفي هذا السياق، يهدف هذا المشروع الذي يرمي إلى وضع الجزائر كواحدة من الدول الرئيسية المصدرة للأسمدة، ويشمل سلسلة متكاملة من الاستخراج إلى التصدير، إلى تنويع الاقتصاد الوطني واستحداث مناصب الشغل، وبالتالي المساهمة في مساعي التخلص من التبعية للمحروقات، فضلا عن تعزيز مكانة ودور الجزائر الريادي في الأسواق الدولية في هذا المجال.
ومن المنتظر أن يرفع هذا المشروع المدمج إنتاج الجزائر من الفوسفات، وهذا عبر إنجاز وحدات للتخصيب، ستسمح بمعالجة وإثراء نحو 10 ملايين طن سنويا من الفوسفات الخام لإنتاج ما يقارب 6 ملايين طن سنويا من هذه المادة المخصبة القابلة للتسويق، والموجهة لتزويد وحدات التحويل وإنتاج الأسمدة بوادي الكبريت، كما سيتم انجاز وحدة لصناعة الأسمدة في سكيكدة أيضا.
منجم الزنك والرصاص استثمار يعزز مكانة الجزائر التعدينية
أما منجم الزنك والرصاص بوادي أميزور تالة حمزة على مستوى ولاية بجاية، الذي يعد قاطرة للتنمية المحلية ورافدا هاما للاقتصاد الوطني، فيعرف تقدما في مجال الدراسات والإنجاز، خاصة وأنه من بين أهم المشاريع الهيكلية التي تعكف الجزائر على تجسيدها، باحتياطات هامة تبلغ نحو 53 مليون طن منها 34 مليون طن قابلة للاستغلال.
ويهدف المشروع الهام إلى استخراج 170 ألف طن من الزنك و30 ألف طن من الرصاص سنويا، مما يدعم الاقتصاد الوطني ويعزز مكانة الجزائر عالميا في هذا المجال.
استثمارات هامة في الفلاحة الصحراوية لتحقيق الأمن الغذائي
وعن أهم المشاريع الهامة قيد التجسيد في القطاع الفلاحي، والتي أطلقت خلال السنوات القليلة الأخيرة، استثمار شركة "بلدنا" الزراعي المتكامل لإنتاج الحليب المجفف، في ولاية أدرار، على مساحة إجمالية شاسعة تقدر بـ117 ألف هكتار، وباستثمار إجمالي يقدر بـ3.5 مليار دولار، والذي يسير بخطى ثابتة نحو التجسيد بعد إطلاقه في سنة 2024، وينتظر منه المساهمة في تلبية حاجيات السوق الوطنية من الحليب المجفف واللحوم الحمراء، وبالتالي تقليص الاستيراد والتبعية للخارج في هذا المجال.
ومن بين أهم الاستثمارات في هذا المجال كذلك المشروع المتكامل لإنتاج الحبوب والبقول الجافة والعجائن الغذائية بولاية تيميمون بالجنوب، على مساحة تقدر بحوالي 36 ألف هكتار، المنجز من طرف الشركة الجزائرية الإيطالية " BF الجزائر"، والذي انطلق فعليا خلال الموسم الفلاحي 2024-2025، ويمكن توسيعه ليشمل إنتاج اللحوم الحمراء، حيث ينتظر منه المساهمة في تلبية حاجيات السوق الوطنية في هذا المجال وتقليص الاستيراد.
تحلية مياه البحر خيار استراتيجي لترسيخ الأمن المائي
أما بالنسبة لمحطات تحلية مياه البحر فتتجه الجزائر نحو تأمين احتياجاتها المائية وضمان استدامة مواردها بشكل أكبر في المستقبل، عبر تنفيذ مشاريع محطات تحلية مياه البحر كخيار استراتيجي وفاعل رئيسي في تحقيق أمنها المائي، للتكيف مع التغيرات المناخية التي تشهدها المنطقة، ما يجعلها اليوم تتصدر الريادة في هذا المجال على مستوى القارة الافريقية من حيث القدرة الإنتاجية للمياه المحلاة، حيث تأتي هذه الجهود استجابة للطلب المتزايد على المياه وسعيا لتأمين احتياجات القطاعات الحيوية من هذه المادة الحيوية مع الحفاظ على الموارد التقليدية.وفي هذا الإطار يجري تجسيد برنامج هام لمحطات تحلية مياه البحر من أجل تحقيق الأمن المائي للجزائريين من خلال إنجاز 6 محطات جديدة للتحلية في كل من ولايات سكيكدة، جيجل، تيزي وزو، الشلف، مستغانم وتلمسان، هذه الثلاثة الأخيرة انطلقت الورشات على مستواها، بقدرة إنتاجية تقدر بـ 1.8 مليون متر مكعب في اليوم، بمعدل 300 ألف متر مكعب في اليوم لكل محطة، وهذا بعد استكمال البرنامج الأول الذي تضمن إنجاز 5 محطات للتحلية في كل من بومرداس وبجاية وتيبازة والطارف ووهران، والذي ساهم في رفع نسبة توفير مياه الشرب للمواطنين عبر العديد من الولايات إلى 42 بالمائة.ومن المرتقب أن تصل القدرات الوطنية في هذا المجال في آفاق 2030 إلى 5.5 مليون متر مكعب في اليوم، ما سيوفر حوالي 60 % من حاجيات المواطنين من المياه الصالحة للشرب.
طريق تندوف - الزويرات ومنطقة "زليكاف" مفتاح التجارة الإقليمية
وفيما يتعلق بمشاريع البنى التحتية التي تتواجد قيد التجسيد طريق تندوف-الزويرات على مسافة تتجاوز 800 كلم، والذي يمثل ممرا هاما للجزائر نحو دول غرب افريقيا عبر موريتانيا وشريان حقيقي يربطها بسوق واعد، إلى جانب منطقة التبادل والتجارة الحرة بتندوف التي تتقدم أشغال إنجازها، خاصة وأنها بوابة استراتيجية هامة للجزائر نحو الأسواق الإفريقية، ومشروع اقتصادي واعد لدعم مسار الاندماج الاقتصادي وتعزيز التبادل التجاري والصناعي، وكذا تسهيل حركة تصدير المنتجات الوطنية.
القطار العابر للصحراء لفك العزلة وربط الشمال بأقصى الجنوب
وهذا دون نسيان مشروع خط السكة الحديدية العابر للصحراء، والذي يعد مشروعا استراتيجيا ضخما يربط بين الشمال والجنوب الكبير، حيث يمتد لأكثر من 2000 كيلومتر، بهدف ربط الجزائر العاصمة بتمنراست وصولا إلى الحدود مع النيجر، وفك العزلة عن مناطق واسعة من الوطن، حيث تتقدم الاشغال على مستواه، إذ يرتقب الانطلاق في تجسيد مقاطع الأغواط-غرداية-المنيعة والمنيعة-عين صالح-تمنراست قريبا.