لما تجوع فرنسا
- 278
عمر دلاّل
تدور دائرة الأيام وتسقط فرنسا في "حجر" الجزائر، مستجدية العطاء لإطفاء نار الغضب الشعبي، مثلما حدث ذات يوم حينما انتفض الشارع الفرنسي في ثورة غاضبة في عهد الملك لويس السادس عشر خلال القرن 17، حين اقتربت خزينة الدولة من الإفلاس بسبب ارتفاع النفقات التي انجرت عن مشاركتها في حرب الاستقلال الأمريكية (1775- 1783)، ما اضطرها لفرض نظام ضريبي قاس زاد من حالة السخط الشعبي على نظام الحكم، وقد أدى هذا الوضع إلى شح في المواد الأساسية كالخبز وارتفاع أسعار المحاصيل الغذائية.
تتكرر الصورة اليوم حيث وجدت إدارة ايمانويل ماكرون نفسها أمام سيل عارم من الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت الشارع منذ أسابيع رفضا للسياسة الضريبية التي انتهجتها الحكومة، والتي أثرت على المستوى المعيشي للمواطنين، بالموازاة مع الاختلالات التي ظهرت في عدد من القطاعات على غرار التعليم الذي كان القطرة التي أفاضت الكأس.
وإن كانت ثروة القرن 17 أطاحت بالنظام الملكي وجاءت بالنظام الجمهوري، فإن غضب الشارع في 2026 من شأنه الإطاحة بالجمهورية الخامسة، التي تهلهلت أركانها منذ مطلع القرن العشرين، فيما ستكون الانتخابات الرئاسية لسنة 2027 المحطة الفاصلة والامتحان الحقيقي للدولة الفرنسية، التي فقدت بوصلتها مثلما حصل قبل احتلالها الجزائر في 1830 حيث بحثت عن متنفس لأزمتها بتحويل الرأي العام المحلي نحو المستعمرات الجديدة، وهي التي سعت جاهدة لشراء قمح الجزائر لإسكات جوع مواطنيها، والذي مازالت مستحقاته لم تسدد لحد الساعة، ها هي اليوم تعمل عبر وسائل إعلامها المأجورة على تحويل الرأي العام الفرنسي نحو الجزائر، وكأن بلادنا هي من تسبب في مشاكلها الداخلية، ومع ذلك حاولت وتحاول بكل الوسائط التي تملكها للحصول على مزيد من بترول وغاز الجزائر لإنقاذ مؤسساتها الاقتصادية المنهارة، مثلما كان في يوم ما قمح الجزائر منقذ فرنسا من الجوع.
لكن المتأمل يدرك أن جزائر الأمس ليست نفسها جزائر اليوم، فالعاقل يحفظ الدرس جيدا، ولا يقع في نفس خديعة السماسرة اليهود (بوشناق وبكري)، اللذان حولا قمح الجزائر نحو فرنسا التي سدت به جوعها وبعد شبعها طمعت في احتلال أرض الأحرار، وها هي نفس الطائفة تعمل على تغذية الصراعات والفتن في الجوار وما وراء البحر، بعد أن عجزت عن نيل ما تريده من خيرات بلاد الشهداء التي استعصت وتحولت إلى شوكة في حلق الأعداء وغصة لن تزول، لا لشيء إلا لأنها حصنت أركانها وسطرت طريق نهضتها التنموية بسواعد أبنائها البررة.
فما عسانا نقول..."انتهى الدرس يا أغبياء..."، أو كما قال شاعر الثورة مفدي زكريا:
"وجاعت فرنسا.. فكنا كراما
وكنا الألى يطعمون الطعاما
فأتخمها قمحنا الذهبي
وكم تبطر الصدقات اللئاما"
لما تجوع فرنسا