أطلقها منتخب الأفـلان وخلـدها بشـرف "محـاربو الصحـراء"

قصة الثورة التحريرية من حمل السلاح إلى التألق في الملاعب العالمية

قصة الثورة التحريرية من حمل السلاح إلى التألق في الملاعب العالمية
  • 205
 توفيق عمارة توفيق عمارة

❊ أهداف برتبة رصاص نوفمبر وألقاب تستحضر تضحيات لا تنسى 

❊ نجوم استبدلوا شهرة الملاعب بالسير على خطى أبطال أول نوفمبر

وجد التاريخ وقصصه الخالدة لتروى وتحكى للأجيال المتعاقبة استخلاصا للدروس والعبر وتثمينا لذاكرة الشعوب وسيّرها الملحمية، ولكي يخلّدها التاريخ حتى لا يطويها النسيان بصورة التقادم واللامبالاة المرتبطة بالصورة النمطية لجيل "السوشيال ميديا" والرقمنة المتقلّب المزاج والمواقف والعواطف، بذات سرعة تدفق الانترنت والتغييرات في عالم التكنولوجيا أو عندما تصبح حقيقة اليوم خارج نطاق التقدير والاعتراف بحلول الغد.

وتعد قصة ارتباط الرياضة الجزائرية بتاريخ ثورة أول نوفمبر المجيدة واحدة من القصص التاريخية الملهمة التي تدرس وتروى بشعوري الفخر والاعتزاز، لجمعها أسمى معاني التضحية البشرية من أجل الحرية والاستقلال مع أعلى درجات المهارة والبراعة الكروية والانجازات الرياضية غير المسبوقة، سواء عندما رافق منتخب جبهة التحرير الوطني التاريخي ثورة أول نوفمبر أو كما حملها المنتخب الوطني بعد الاستقلال وأبطال الجزائر في مختلف الرياضات عبر ملاعب العالم، مستحضرين تضحيات الشهداء والمجاهدين في ثورة التحرير المجيدة خلال مشاركاتهم في مختلف المحافل العالمية بروح الانتصار والعزيمة القوية التي باتت رمزا يرافق المنتخبات الوطنية في كل زمان ومكان وبذكريات روح أول نوفمبر التي لا يمكن تجاهلها باختلاف الأجيال وتقدم السنين وتغيير الأوطان بالنسبة للرياضيين الجزائريين النوفنبريي الروح والدم حتى لو ولدوا ونشأوا بعيدا عن أرض الشهداء المجيدة.  

منتخب الأفلان..لاعبون برتبة مجاهدين في الملاعب العالمية

تعتبر قصة منتخب جبهة التحرير الوطني لكرة القدم واحدة من القصص والروايات التي لبست بمرور الزمن ثوب "الأسطورة"، وارتبطت بتاريخ الثورة الجزائرية في قالبها التاريخي والأكاديمي، وكسبت احترام أسرة كرة القدم العالمية لجمعها بين معاني التضحية البشرية في أعلى درجاتها والمهارة الكروية، وكان الشهيد أحمد بومزراق العقل المدبّر لفكرة تأسيس منتخب الأفلان (13 أفريل 1958)، من أجل هدفين رئيسيين، الأول فك الحصار المفروض على الناشطين السياسيين بعد اندلاع ثورة أول نوفمبر، أما الثاني فيتمثل في منح الثورة الجزائرية صوتا عالميا عابرا للقارات، بالنظر للشعبية الجارفة لكرة القدم وسقوط مفاهيم الحدود والممنوعات أمامها، حيث قرر آنذاك العديد من اللاعبين الجزائريين الهروب من فرنسا واختيار الدفاع عن بلدهم الجزائر ودعم الثورة التحريرية على طريقتهم وفضلوا استبدال شهرة الملاعب والنجومية والأضواء بالسير على خطى أبطال أول نوفمبر، الذين كانوا يطلقون الرصاص في الجبال من أجل تحرير الجزائر، في وقت كان يسجل فيه زملاء أيقونة منتخب الأفلان الراحل رشيد مخلوفي الأهداف في مختلف ملاعب العالم بشعار التعريف بالثورة التحريرية والنضال من أجل استقلال الجزائر.

زيتوني ومخلوفي ومعوش رفضوا الأضواء واختاروا الثورة

وصنع الراحلان، مصطفى زيتوني، نجم نادي موناكو، ورشيد مخلوفي نجم نادي سانت إيتيان، قبل انضمامها إلى منتخب الأفلان، أبرز صور الوفاء والتضحية في تلك الفترة، بعدما اختارا الاستجابة لنداء الثورة الجزائرية رغم أنهما كانا معنيين بالمشاركة مع منتخب فرنسا بكأس العالم 1958 بالسويد، وهو الموقف الذي لن ينساه لهما الجزائريون ويضع كل ما يقوم به بعض اللاعبين حاليا بخصوص خياراتهم الكروية بين الجزائر وفرنسا، في خانة غير القابل للمقارنة، ويرفع بذلك سقف الوفاء للجزائر إلى أعلى درجة، كما لن ينسى الجزائريون أيضا أسماء لاعبين آخرين، ومنهم محمد معوش حامل لواء المنتخب الثوري الأخير. 

ولا يمكن لقصة الثنائي مخلوفي وزيتوني سوى أن تروى للأجيال الجزائرية القادمة، وعلى وجه التحديد الجيل الحالي المتعلق بانجازات المنتخب الوطني، المشّكل في غالبيته من اللاعبين مزدوجي الجنسية المولودين في فرنسا، والذين اختاروا تمثيل منتخب بلدهم الأصلي على حساب منتخب بلد مسقط رأسهم ونشأتهم، على أمل استمرار تأثير هذا الموقف النبيل على العقول والقلوب، ما يبرز رمزية الثورة التحريرية التي تظل خالدة في الذاكرة الجزائرية وعبر الأجيال.

خدمة لاعبي منتخب جبهة التحرير الوطني للجزائر والتعريف بثورتها المجيدة، لم يحدده النطاق الزمني للثورة التحريرية، بل تعدّاه إلى ما بعد الاستقلال، لأن أبرز انجازات كرة القدم الجزائرية في بداياتها جاءت بفضل لاعبي جبهة التحرير الوطني، الذين تحوّل عدد مهم منهم إلى مدربين صنعوا أمجاد الكرة الجزائرية، وكان التتويج بالميدالية الذهبية في كرة القدم لألعاب البحر الأبيض المتوسط بالجزائر عام 1975، انجازا "ثوريا" بامتياز، على اعتبار أن الفوز كان على حساب فرنسا في النهائي بثلاثة أهداف لهدفين، بقيادة الثلاثي الراحل رشيد مخلوفي ومحمد سوكان وعمار رواي، الذي نجح في منع عزف النشيد الفرنسي في ملعب "الاستقلال" 5 جويلية، وتحت أنظار هواري بومدين، الذي غادر الملعب من أجل تجنب المهزلة، قبل أن يعيده إليه الهدف التاريخي لرجل الدقائق الأخيرة، عمر بتروني.

وبعد عام واحد فقط من انجاز المنتخب الوطني في ألعاب البحر الأبيض المتوسط، عاد أحد لاعبي منتخب جبهة التحرير الوطني السابقين، أحمد زوبا، لهندسة انجاز كروي جديد لكرة القدم الجزائرية، عندما قاد مولودية الجزائر كمدرب للتتويج بكأس إفريقيا للأندية البطلة سنة 1976، على حساب نادي حافيا كوناكري الغيني، بعد مباراة دراماتيكية أنهاها مرة أخرى عمر بتروني في الأنفاس الأخيرة وبهدف من ذهب، ليمنح أول لقب خارجي للأندية الجزائرية بعد الاستقلال.  

تألق مونديالي وألقاب قارية بلمسة صناع تاريخ الثورة

أول مشاركة لكرة القدم الجزائرية في كأس العالم، كانت سنة 1979 في مونديال الأواسط باليابان، وكان ذلك الانجاز أيضا بفكر "منتخب الأفلان" ولاعبه السابق المرحوم عبد الحميد كرمالي، المدرب الذي كان يقود آنذاك جملة من اللاعبين الموهوبين، في مقدمتهم حسين ياحي وناصر بويش والراحل جمال مناد، حيث نجح في إيصالهم إلى هذا الحدث العالمي الكبير، قبل أن يخرجوا على يد منتخب الأرجنتين وأسطورته الراحلة، دييغو مارادونا، في الدور ربع النهائي من المسابقة العالمية.

وانتظر الجزائريون إلى غاية سنة 1982 حتى يشهدوا أول مشاركة للمنتخب الوطني الأول في كأس العالم، وكان ذلك بفضل لمسة لاعبي منتخب جبهة التحرير الوطني السابقين مرة أخرى، على اعتبار أن "الخضر" تأهلوا إلى مونديال إسبانيا بفضل عمل المدرب محمد معوش (كان رفقة سعدان وروغوف)، قبل أن يقود الثنائي رشيد مخلوفي ومحمد سوكان (رفقة محي الدين خالف) كتيبة بلومي وماجر في المونديال، وسجل المنتخب الوطني آنذاك نتائج لا تنسى، منها الفوز التاريخي على ألمانيا بهدفين لهدف، رغم سقوطه ضحية لمؤامرة تآمر ألمانية ـ نمساوية دنيئة حرمته من التأهل إلى الدور الثاني، لكنها دفعت بعد ذلك الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى تغيير لوائحه وبرمجة مباريات الجولة الأخيرة من تصفيات الدورات الكبيرة في نفس التوقيت تفاديا لتكرار مثل تلك المؤامرات.

لاعب آخر من منتخب جبهة التحرير الوطني، المرحوم مختار عريبي، الذي تحوّل إلى مدرب أسطوري في وفاق سطيف، نجح في تحقيق انجاز آخر لكرة القدم الجزائرية، عندما قاد الوفاق إلى التتويج بكأس إفريقيا للأندية البطلة سنة 1988 في نهائي تاريخي أمام نادي إيوانوانيو النيجيري برباعية نظيفة في قسنطينة، ليؤكد مرة أخرى المساهمة الكبيرة لمنتخب جبهة التحرير الوطني في انجازات كرة القدم الجزائرية بعد الاستقلال، أما أبرز انجاز تاريخي للاعبي منتخب جبهة التحرير الوطني، جاء بفضل المدرب الراحل، عبد الحميد كرمالي، الذي نجح في قيادة المنتخب الوطني إلى التتويج بكأس أمم إفريقيا سنة 1990 بالجزائر، بعد مشوار مميز تضمن كسر العديد من الأرقام والعقد على الأراضي الجزائرية، لم يتمكن من فكها المنتخب التاريخي لسنوات الثمانينيات بقيادة بلومي وسرباح وقندوز ومنصوري ودحلب وزيدان وعصاد وغيرهم، وبقي انجاز كرمالي بمثابة الإعجاز إلى أن جاء جمال بلماضي سنة 2018، ونجح في قيادة "محاربي الصحراء" إلى التتويج بكأس أمم إفريقيا 2019، لكن هذه المرة خارج الأراضي الجزائرية وفي مصر على وجه التحديد.


ترافق انجازات الرياضة الجزائرية في كل مكان وزمان

"قسما" من رسالة ثورية إلى رمز للانتماء وعطاءلا ينقطع

❊ روح خالدة وتضحية من أجل الوطن بشعار ولاء لا يزول

يعد النشيد الوطني "قسماً" رمزاً خالداً من رموز السيادة الوطنية، حيث بدأت قصة كتابته من طرف شاعر الثورة مفدي زكرياء في سجون الاستعمار الفرنسي، قبل أن ينتقل إلى الجبال ومعاقل الثورة التحريرية كوقود حماس ومصدر فخر لا ينضبان للشهداء والمجاهدين إلى غاية الاستقلال، ثم تحول إلى شعور عارم بالفخر يجوب الملاعب العالمية ويرافق انجازات الرياضة الجزائرية وسط رمزية وخصوصية جعلت منه النشيد الأكثر حماسية وإثارة للمشاعر باعتراف العالم.

ويحمل نشيد قسما الثوري خصوصية فارقة كانت تلهب حماس المجاهدين وتعبّر عن نضال الشعب الجزائري ضد الاستعمار الغاشم من خلال استحضار الروح الثورية ومبادئ التضحية في سبيل الوطن دون حسابات، قبل أن يتحول بعد الاستقلال إلى مصدر فخر ورمز للانتماء والولاء يرافق الرياضيين الجزائريين والمنتخبات الوطنية أينما حلوا وارتحلوا بشعار رفع علم الجزائر عاليا من أجل سماع هذا النشيد القوي والملهم، الذي دوى صداه في مختلف المحطات والملاعب ليس فقط لمرافقة الأبطال الجزائريين في إنجازاتهم العالمية والقارية والإقليمية بل أيضا من أجل استحضار تاريخ الثورة الجزائرية كذاكرة وطنية وعالمية فريدة ولا تنذثر.

رمزية نشيد قسما ومكانته القوية في الذاكرة الوطنية والشعبية لا نقاش فيها وهو ما يفسر في الغالب الدموع التي ترافق كل من يردده في المحافل الدولية، سواء من طرف الأنصار أو اللاعبين ومختلف الرياضيين لأنه يحيي مشاعر الفخر والاعتزاز بتاريخ الجزائر لدى مختلف الأجيال، كما أنه يجدد في كل مرة ذلك الارتباط التاريخي الروحي بين تضحيات جيل الثورة في الجبال، وبين إنجازات الأجيال الحالية في الميادين الرياضية بلغة الانتصار وتخليد ثورة بلغت سمعتها النضالية عنان السماء، ويصنف النشيد الوطني ضمن أقوى الأناشيد الوطنية في العالم لحنا وكلمات ووقعاً في النفوس بفضل رسالته الثورية المرتبطة بملحمة التحرير، ولحنه العسكري المهيب الذي يبعث على القشعريرة (لحنه المصري محمد فوزي)، وهو ما يفسر الحماسية الجماهيرية منقطعة النظير في الملاعب عندما يتم عزفه وسط إثارة وحماس لا يمكن تجاهلهما بفضل قوة الحضور وسطوة الكلمات واللحن باعتراف الصديق والعدو.