المولد النبوي الشريف في قالمة
عادات راسخة وذكرى لتكريس معاني الرحمة
- 334
وردة زرقين
تحلّ ذكرى المولد النبوي الشريف، ككل عام، في أجواء يغمرها الفرح والسكينة. وهي مناسبة يستحضر فيها المسلمون سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وما حملته رسالته من قيم الرحمة والتسامح والأخلاق الكريمة. ولا تقتصر هذه الذكرى على مظاهر الاحتفال، بل تمثل فرصة للتأمل في سيرة الرسول، والاقتداء بهديه، وتعزيز معاني المحبة، والتآخي، والتكافل في المجتمع.
يظل المولد النبوي مناسبة ذات حضور روحي واجتماعي في ولاية قالمة على غرار باقي ولايات الوطن، تجمع الأسر حول قيم الخير والمحبة. وتعيد التذكير بأن أعظم صور الاحتفاء بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام، تتمثل في ترجمة أخلاقه وتعاليمه إلى سلوك يومي، يرسخ السلام، والتعاون بين الناس. وتكتسب هذه الليلة طابعا اجتماعيا مميّزا، إذ تجتمع العائلات والأقارب، وتنتشر مظاهر التكافل وإطعام المحتاجين وتبادل التهاني. ويبقى أبرز ما يميّزها هو استحضار سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، وتجديد الاقتداء بأخلاقه وتعاليمه.
"لوزيعة".. عادة راسخة في المولد النبوي
من العادات التي تميّز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في قالمة، عادة "لوزيعة" . وهي تظاهرة توارثتها الأجيال عن الآباء والأجداد، تتمثل في "النّفْقة" بما يُعرف "لوزيعة" . ومع اقتراب المناسبة الدينية تبدأ العديد من العائلات القالمية في التفكير والتشاور لإحياء هذه التظاهرة الاجتماعية الثقافية، خاصة أنها تتميّز بالتضامن والتكافل الاجتماعي، هي شكل آخر من التضامن والتآزر يقوم به المجتمع القالمي؛ احتفالا بالمولد، من خلال ذبح شاة مهما كان نوعها. ويتم تقسيمها على المشاركين لتحضير عشاء المناسبة، في مشهد يجسد قيم التكافل والتعاون، وصلة الرحم.
ويستغل كثير من العائلات القالمية فرصة مناسبة من أجل لمّ شمل الأهل والأحباب، وتوطيد صلة الرحم بين الأقارب تغمرها أجواء الفرحة والسرور. ويتم دعوة الأهل والأقارب لتناول العشاء، إذ يتم تحضير عشاء خصّيصا بالمناسبة، وتجتمع العائلات على مائدة كبيرة مزيّنة بالأطباق التقليدية والفواكه والعصائر.
ومن الأطباق البارزة والتي تعدها ربّات البيوت لهذه المناسبة، طبق "الكسكسي"، وهو طبق شائع ومعروف في الجزائر عامة، حتى إن البعض جعله علامة مميّزة في حياتهم، يقدَّم عادة باللحم أو الدجاج، والمرق والخضر. كذلك طبق "الثريدة"، وهو من الأطباق الشعبية التقليدية الشائعة في قالمة، تُحضَّر من الدقيق والماء وتُعجن، ثم تقطّع على شكل مربعات صغيرة، وتُترك لتجف لمدة أيام، ثم يُحضَّر المرق واللحم. وعند طهوها تُجَمَّر في المرق حتى تمتصّه، ثم تقدم مع قطع اللحم، وتزيَّن بالحمص المنقوع في الماء والبيض المسلوق.
أما طبق "الشخشوخة" المشهور في قالمة وحتى في الشرق الجزائري، فهو محبّب لدى الكثيرين، عبارة عن دقيق وماء وملح، تُخلط لتكون عجينة طرية، ثم تُخبز كالكسرة بعد الطهو. تقطع مستطيلات، ثم تقطع بالظفر على شكل دوائر صغيرة، وتفوَّر. ثم تقدَّم مع المرق واللحم والحمص. وإلى جانب "الشخشوخة" والثريدة" و"الكسكسي"، نجد طبق "النعمة" بما يُعرف بـ"الفطير".
تبادل الأكلات.. عادة تميّز ليلة المولد النبوي
من أبرز العادات الاجتماعية التي تميّز ليلة المولد النبوي الشريف، تبادل الأكلات بين العائلات والجيران؛ في مشهد يعكس روح المحبّة والتآخي والتكافل. وتحرص الأسر على إعداد أطباق تقليدية خاصة بهذه المناسبة، ثم تقدّمها للأقارب والجيران، لتتحول المائدة إلى وسيلة للتواصل، وتقوية الروابط الاجتماعية. فبعد طهو ما لذّ وطاب من أطباق تقليدية، تتقاسم العائلات والجيران ما أُُعدّ من طعام أو لحم.
وهي عادة اجتماعية تحمل معاني الكرم، والمشاركة، وإدخال السرور على البيوت، إذ تحرص الأسر على أن ينال الجميع نصيبهم، لتتحوّل المناسبة إلى فرصة للفرح وتقوية روابط الجيرة والمجتمع، لتبقى هذه العادة البسيطة من أجمل مظاهر الاحتفال بالمولد؛ لما تحمله من معاني الكرم، والمشاركة، وإدخال الفرح إلى قلوب الآخرين. ورغم أن عادة تبادل الأطباق تلاشت نوعا ما في السنوات الأخيرة، تبقى من جمل ما تشهده العلاقات الأسرية والعادات في قالمة؛ فهي تندرج ضمن موروث اجتماعي عريق، اكتُسبت من الأجداد، وتدل على الكرم والجود؛ اقتداء بسنة سيد الخلق عليه الصلوات والتسليم.
في المساجد أجواء روحانية واحتفاء بالسيرة النبوية
تتميّز ليلة المولد النبوي الشريف في قالمة، بأجواء إيمانية خاصة، حيث تمتلئ المساجد بالمصلين، وتتعالى الأصوات بتلاوة القرآن الكريم والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. ويولي ناس قالمة هذه المناسبة أهميّة بالغة، وقدسية تليق بمولد خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم، من خلال موروث من العادات والتقاليد، حيث تتزيّن المساجد وتتسابق في إعداد حلقات عن السيرة النبوية؛ في أجواء روحانية مميّزة في هذه الليلة المباركة.
يمنح المولد المساجد دورا بارزا في ترسيخ الوعي الديني والاجتماعي، من خلال ربط الاحتفاء بسيرة النبي، حيث تجتمع أصوات التلاوة والذكر والصلاة على خير البرية محمد صلى الله عيه وسلم. وتُنظم دروس ومواعظ تستعرض سيرته العطرة، وقيمه النبيلة، والاقتداء بأخلاقه وسلوكه، فتتحول بيوت الله في هذه المناسبة، إلى فضاءات تجمع المصلين على المحبّة، والتآخي، واستحضار معاني الرحمة والتسامح.
للأطفال نصيب من الفرحة في ليلة المولد
يحظى أطفال قالمة بنصيب خاص من أجواء المولد النبوي الشريف، إذ تحرص العائلات على إدخال الفرحة إلى قلوبهم بتقديم الحلويات و«القشقشة" والأكلات التقليدية، في أجواء مميّزة تجمع بين البهجة واللعب ومشاركة أفراد الأسرة والجيران فرحة المناسبة، لتبقى فرحة الأطفال من أجمل صور المولد؛ فهي تضفي على الليلة أجواءً عائلية دافئة، وتنقل العادات والتقاليد من جيل إلى آخر في جو من المحبة والمشاركة، بحيث تضيء الشموع، ويردّد الأطفال الأناشيد والقصائد الدينية على رأسها " طلع البدر علينا". وهناك مدائح دينية كان ولايزال يردّدها ناس قالمة في المولد النبوي الشريف، من بينها:
«هذا مولود يفرح بينا في مكة والمدينة... صلوا عليه صلوا عليه.... يا طيور اللي طاروا في السماء عن دارو...يا حجاج بيت الله إذا شفتوا رسول الله... شفناه وريناه في مكة خليناه... يتوضّا ويصلي ويقرا كتاب الله... يما يما كحليلي بالمروّد نخرج برّا.. نشوف سيدي محمد، يدو حمرا بخواتم الجنّة، والحنة تفاجي الغمة يماما.." .
ومن بين الموروث الشعبي الذي تناقلته الأجيال لعبة "المشينة"، يلعبها الأطفال في ليلة المولد، يُستعمل فيها جذع من الشجرة مع أنبوب، ويثبت بقفل، يكون دائري الشكل، أو تُستعمل فيها علبة الطماطم، ينزَع منها الغطاء ويوضع بداخلها شموع. يجتمع الأطفال وتكون اللمّة تحت إشراف كبيرهم، ثم يمشون الواحد تلو الآخر على شكل قطار وهم يردّدون: "طيط طيط لاموزيط.. الشمعة والزلاميت".
ويقوم المشرف بجمع الدراهم من شيوخ الحي لشراء الحلوى. وبعد جمعها توضع في صينية السهرة مع ترديد الأغاني: "يا كعبة يا بيت ربّي محلاكي.." و"زاد النبّي وفرحنا بيه" و"طلع البدر علينا" "اليوم المولد وغدوة الدجاجة تولد" وغير ذلك. أيضا من العادات النادرة، يفضل بعض سكان قالمة ختان أبنائهم في ليلة المولد النبوي الشريف؛ اتباعا لعادات وتقاليد متوارَثة منذ القدم. كما تخضب الحنة في هذه الليلة المباركة.
صبيحة المولد استمرار للفرحة واللمّة
وفي صبيحة يوم المولد النبوي الشريف تستمر أجواء الاحتفال التي بدأت في الليلة السابقة، حيث تتبادل العائلات الزيارات والتهاني، وتُحضّر الأكلات والحلويات التقليدية لتقديمها للأقارب والجيران. كما يحرص الأطفال على ارتداء ملابس جميلة، والاستمتاع بنصيبهم من الحلوى والهدايا. ويتم إعداد طبق تقليدي "العصيدة" يُقدّم بالزبدة والسكر أو "الغرايف"، لتظل صبيحة المولد مناسبة تجمع بين الفرحة العائلية، وصلة الرحم، وكرم الضيافة؛ في أجواء تعكس تمسّك المجتمع بعاداته وتقاليده المرتبطة بهذه المناسبة.