العائلات الأوراسية تبرز مظاهر حب الرسول
طقوس شاوية تجمع بين التآزر وروحانية المناسبة
- 230
عبد السلام بزاعي
تحضر العائلات الأوراسية لاستقبال المولد النبوي الشريف، إذ تعرف شوارع الولاية انتشارا ملحوظا لطاولات بيع لوازم الاحتفال، كما جرت العادة بالأحياء الشعبية، على غرار "الرحبة" ببهو السوق المركزي، أين تعرض مختلف أنواع الشموع والحناء والبخور، التي تعد من مظاهر هذه المناسبة الدينية.
تحتفل العائلات الأوراسية، على غرار باقي سكان الوطن، بمناسبة المولد النبوي الشريف، المصادف لـ12 من شهر ربيع الأول، حسب التقويم الهجري. إذ تمثل هذه المناسبة الدينية، جزءا لا يتجزأ من عادات وتقاليد المنطقة، والمترسخة منذ القدم، فيما تعد المساجد برامج دينية ثرية، بتخصص خطب ودروس للحديث عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فتُعرف به وبسيرته العطرة وبأخلاقه النبيلة، التي اتسم بها منذ ولادته إلى غاية رحيله.
إبراز مظاهر حب الرسول
تحرص منطقة الأوراس المتمسكة بتقاليدها المعروفة، للاحتفال بهذه المناسبة، على إبراز مظاهر حب الرسول وإجلال شخصيته في نفوس المسلمين، إذ يمثل هذا اليوم لدى "الشاوية"، طابعا دينيا واجتماعيا، وتلتقي فيه الأسر فيما بينها، لترسيخ الروابط التقاليد الأوراسية الأصيلة، والتشبث بالقيم، حتى تقتدي بها الناشئة. إذ ترتبط المناسبة بعدد من الطقوس التي دأب سكان المنطقة على ممارستها، والتي تؤكد مدى تمسكهم بالدين الإسلامي الحنيف وتشبثهم بقيمه السمحة.
يرتبط إحياء المولد النبوي الشريف لدى سكان الأوراس، بعدد من الطقوس الاجتماعية، التي تؤكد مدى تشبثهم بقيم التضامن والتآزر، التي يدعو إليها الدين الإسلامي. وتجري التحضيرات لهذا الموعد الذي يعد سنة اجتماعية، وتجرى مراسيمه بطقوس محلية، تنفيذا لبرنامج وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، كونه مناسبة دينية تجتمع فيها العائلات، وتتبادل الزيارات، للاحتفال بها في أجواء الذكر والافتخار بمولد خير الأنام. تعد المناسبة، فرصة الأمة الإسلامية للرد على الحملة الشرسة ضد الرسول صلى الله عليه وسلم، والتعبير عن رفض الإساءات له بحجة حرية التعبير.
طقوس متوارثة عن الأجداد
بالعودة للمناسبة الدينية، فإن العائلات الأوراسية تحضر لاستقبال المولد النبوي الشريف، وفق طقوس محلية متوارثة عن الأجداد، إذ تعرف شوارع الولاية انتشارا ملحوظا لطاولات بيع لوازم الاحتفال، كما جرت العادة بالأحياء الشعبية، على غرار "الرحبة" ببهو السوق المركزي ومركزها الرئيس وسط المدينة، حيث يعرض اصطحابها لشموع مختلفة الأشكال والألوان والحناء والبخور، التي تعد من طقوس هذه المناسبة الدينية.
يقول أحد تجار الرحبة، إنه مع اقتراب موعد الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف من كل عام، يلجأ أغلب الشباب لتجارة المفرقعات، لأنها تدر عليهم أرباحا طائلة، مضيفا أن أجود المفرقعات تتمثل فيما اصطلح عليه من التسميات على هذه المفرقعات "الشيطانة"، "الوردة"، "الصاروخ".. ولاتزال على رأس قائمة أجود وأقوى الألعاب النارية المطلوبة، في حين تظل المفرقعات من نوع "الزندة" و«دوبل بومب" أكثرها انتشارا بين الأطفال.
تتنوع مظاهر الاحتفال بهذه الذكرى بين مجالس العلم، وتلاوة القرآن الكريم، وقراءة المدائح الدينية، والأذكار، وسرد السيرة النبوية الشريفة. ولعل أبرز مظاهر الاحتفال بهذه المناسبة، التوجه إلى بيوت الله رفقة الأطفال، وإحياء ليلة الذكر، بما يليق بها من خشوع وإجلال روحاني لذكرى مولد سيد الكونين وخاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. إلى جانب المشهد الذي يشكله الأطفال بالشوارع والساحات العمومية، في مواكب مضيئة بشموع، تثبت على ألواح في شكل مقود، وتثبت عليها علب بعض المصبرات وتحدث بها قعر، ينبعث منه نور الشموع. كما يقومون بإشعال المفرقعات إلى ساعات متقدمة من الليل في أجواء بهيجة.
إحياء مظاهر التضامن والتآزر
إلى جانب ذلك، يرتبط إحياء المولد النبوي الشريف لدى سكان الأوراس. بعدد من الطقوس الاجتماعية، التي تؤكد مدى تشبثهم بقيم التضامن والتآزر، التي يدعو إليها الدين الإسلامي. فهناك من المراسيم المحلية التي تقام قبل أسبوع، تتعلق بإعداد أطباق تقليدية، على غرار الكسكسي و"الشخشوخة"، إلى جانب تحضير أكلة "العصيدة"، وهي عبارة عن أكلة تحضر من السميد المسقي بالزبدة والعسل، وقالت في هذا الشأن الحاجة بهية، التقيناها بالرحبة، إن النسوة تكون في ذلك اليوم، منشغلة بتنظيف المنازل، ترقبا لحلول الليل، لإشعال الشموع التي تثبت في زوايا المنزل بعدد أفراد العائلة، على أن يختار كل شخص شمعته ويضعها في فنجان.
في سياق ذي صلة بالموضوع، أكدت من جهتها السيدة نادية زردومي، الشاعرة والكاتبة والمختصة في أعداد الأطباق التقليدية، وفي تصاميم الخياطة والأكسسوارات، وهي مرشدة دينية للحج والعمرة، أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تختلف طريقة الاحتفال به من ولاية إلى أخرى، إلا أن هناك عدة مظاهر تتميز بها الاحتفالات في كل الولاية، منها تبادل الزيارات للتهنئة، وأضافت أن المناسبة تجتمع أفراد العائلة في منزل العائلة، لتبادل التهاني مع الأقارب والأصدقاء، مع تلاوة القرآن وتقديم الشاي والمكسرات للضيوف، بالإضافة إلى الحلويات التقليدية التي تصنع في المنزل. ويتم إعداد مأدبة عشاء ليلة المولد، ويجتمع حولها جميع أفراد العائلة والأقارب والأصدقاء، وتمتلئ المائدة بالمأكولات التقليدية، مثل "الرشتة" التي تحضر بالدجاج والبيض والخضروات، والكسكسي باللحم أو الدجاج، و"الشخشوخة".