الرقابة الأبوية..
صمام أمان لحماية الأبناء
- 145
رشيدة بلال
تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي، من وقت إلى آخر، بقصص الإدمان الرقمي والانتحار والقتل، لتعيد النقاش حول خطورة بعض الألعاب الإلكترونية، وما قد تؤول إليه من نتائج، على غرار ألعاب "مورتال كومبات" و"ببجي" و"مان هانت" و"أوت لاست". وبالنظر إلى الإقبال الكبير للأطفال، وفي سن مبكرة، على المشاركة في ألعاب افتراضية تقوم على خوض المعارك، سارع مختصون إلى تذكير الأولياء، بضرورة الانتباه إلى هذه الظاهرة، مع التشديد على تفعيل الرقابة على ما يشاهده الأبناء، خاصة خلال العطلة الصيفية، حيث يصبح قضاء وقت الفراغ عبر الأنترنت أمرًا شبه حتمي.
في هذا السياق، تحدثت "المساء" إلى الدكتور قاسمي حسني عبد المجيد، المختص في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، والمهتم بالعالم الرقمي، الذي أكد أن ما حدث في تركيا يعيد طرح إشكالية قديمة متجددة، تتمثل في العلاقة المركبة بين التكنولوجيا والتنشئة الاجتماعية والرقابة الأسرية. وأوضح أن الألعاب الرقمية لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل تحولت إلى فضاء اجتماعي موازٍ ينتج قيمًا، ويؤثر في السلوك، ويساهم في إعادة تشكيل أنماط التفاعل لدى الأطفال والمراهقين.
وأشار المتحدث، إلى أن الخطر لا يكمن في اللعبة في حد ذاتها، بقدر ما يرتبط بالسياق الذي تُستهلك فيه، وعلى رأسه ضعف الرقابة الأسرية، وقلة الوعي الرقمي، والانخراط غير المراقب في بيئات رقمية، قد تحمل مضامين وتحديات غير آمنة، وهو ما يزيد من درجة الخطورة. ومن منظور سوسيولوجي، أوضح الأستاذ أن مثل هذه الحوادث، عندما يتم تضخيمها إعلاميًا وإعادة تداولها بشكل واسع، تتحول إلى ما يُعرف بـ«الذعر الأخلاقي”، حيث تتضخم المخاوف الجماعية، ويتم اختزال الظاهرة في بعد واحد، ما قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية. وأضاف أن انتشار، مثل هذه الفيديوهات، قد يثير فضول الأطفال والمراهقين، ويدفعهم إلى التقليد بدافع التجربة، وهو ما يُعرف بـ«العدوى الرقمية”، حيث تنتقل السلوكيات عبر المحاكاة.
في هذا السياق، دعا المختص إلى دق ناقوس الخطر وتنبيه الأولياء، خاصة مع العطلة الصيفية، التي يرتفع فيها معدل استخدام الأطفال للألعاب الإلكترونية بشكل ملحوظ لملء أوقات الفراغ. وعن أهم النصائح التي ينبغي على الأولياء اتباعها لحماية أبنائهم، شدد المتحدث على ضرورة تعزيز المرافقة القيمية، بدلًا من المنع المطلق، مؤكدا أن المنع لم يعد حلًا فعالًا، في ظل التحول الرقمي الذي يشهده العالم، بل قد يدفع الطفل إلى اللجوء إلى الاستخدام السري.
وأبرز المتحدث أهمية مرافقة الأبناء ومعرفة طبيعة الألعاب التي يمارسونها، إلى جانب بناء الثقة والحوار المفتوح داخل الأسرة، بما يسمح للطفل بالتعبير عن تجاربه الرقمية، خاصة تلك التي قد تكون مقلقة. كما نصح بضرورة تنظيم وقت استخدام الأجهزة الإلكترونية، من خلال إدماج الألعاب ضمن برنامج يومي متوازن، يجمع بين أنشطة متنوعة، بما يحد من خطر الإدمان. وأكد كذلك على أهمية تنمية الوعي النقدي الرقمي لدى الأطفال، وتعليمهم أن ليس كل ما يُعرض على الأنترنت آمنًا أو حقيقيًا، وأن بعض التحديات قد تكون مؤذية أو مفبركة.
من جهة أخرى، لفت المختص، إلى مسؤولية الأولياء في تجنب نشر أو إعادة تداول مقاطع الفيديو المرتبطة بمثل هذه الحوادث، حتى وإن كان ذلك بدافع التحذير، لما قد يساهم فيه ذلك من انتشار أوسع للمحتوى، ويزيد من احتمالات تقليده. وأوصى بالاكتفاء بالتوعية داخل الإطار الأسري، مع اعتماد الحوار والمتابعة المستمرة. في ختام حديثه، أكد المتدخل أهمية الاستعانة بأدوات الرقابة الأبوية، التي أصبحت من الوسائل الفعالة في تأمين الحماية الرقمية للأطفال، حيث تتيح تحديد نوعية المحتوى الذي يمكن للطفل الوصول إليه، وفقًا لسنه واحتياجاته، بما يضمن قدرا معتبرا من الأمان في الفضاء الرقمي.