مظاهر سلبية تفسد جو المناسبة
دعوة لإحياء ذكرى المولد بعيدا عن فوضى المفرقعات
- 235
نور الهدى بوطيبة
مع اقتراب ذكرى المولد النبوي الشريف، تعود إلى الشوارع والأحياء الجزائرية، مظاهر احتفال، اعتاد عليها الناس منذ سنوات، غير أن المشهد لا يخلو في كل مرة، من سلوكيات تثير القلق وتطرح تساؤلات، حول المعنى الحقيقي للاحتفال بمناسبة، يفترض أن تكون مرتبطة بسيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأخلاقه وقيمه، فبينما يختار الكثيرون إحياء المناسبة، بقراءة السيرة والصلاة على النبي وزيارة الأقارب وصلة الرحم وأعمال الخير، تتجه فئة أخرى، إلى اقتناء المفرقعات والألعاب النارية، ورفع الأصوات في الأحياء، والقيام بممارسات لا تخلو من الإزعاج، من جهة، والخطر، من جهة أخرى، لتتحول لحظات الفرح في بعض الحالات، إلى مصدر خوف وحوادث وأضرار.
لم تعد المفرقعات مجرد وسيلة للترفيه العابر، فقد تحولت خلال المولد النبوي الشريف، إلى ظاهرة اجتماعية خطيرة، خصوصا بين الأطفال والمراهقين والشباب، ورغم التحذيرات المتواصلة، التي تصدرها الجهات المعنية، إلا أن الظاهرة تتواصل، فقد حذرت وزارة الصحة في عدة مناسبات، من مخاطر الألعاب النارية والمفرقعات خلال إحياء المولد النبوي الشريف، مؤكدة أنها قد تتسبب في حرائق وحروق خطيرة، وإصابات أفقدت الأعين والأيدي وحتى السمع، كما أشارت إلى أن الانفجارات تزعج وتقلق، خاصة الأطفال والمرضى والمسنين والنساء الحوامل، وهو ما يجعل استعمالها مسألة تتجاوز مجرد اختلاف الأذواق في الاحتفال، لتصبح قضية مرتبطة بسلامة المواطنين وراحة المجتمع، وتتنافى مع تعاليم الدين الحنيف.
وفي السنوات الأخيرة، كثفت مصالح الحماية المدنية حملاتها التحسيسية، بمناسبة المولد النبوي الشريف، ودعت العائلات إلى حماية أبنائها من هذه المواد، مشيرة إلى أن الحوادث قد تصل إلى بتر الأصابع والحروق الخطيرة وفقدان حاسة السمع، وقد حذرت نفس الهيئة من الحرائق التي يمكن أن تنتقل من الملابس إلى الغرف والمنازل، وهي تحذيرات تتكرر سنويا، بسبب استمرار الظاهرة وانتشار بيع هذه المواد بطرق مختلفة، كما سجلت مصالح الدرك والأمن، عمليات حجز كميات كبيرة من المفرقعات والألعاب النارية المعروضة للبيع بصورة غير قانونية، وهو ما يعكس حجم الظاهرة وخطورتها على الصحة والأمن العمومي والمجتمعي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه، لا يتعلق فقط بخطورة المفرقعات، بل بمعنى هذه الممارسات وعلاقتها بالمولد النبوي الشريف، فهل يكون التعبير عن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، بإطلاق المفرقعات وإزعاج السكان وترويع الأطفال والمرضى، وتعريض الناس للإصابة؟ أم أن الاقتداء بالنبي يبدأ من الأخلاق التي دعا إليها، ومن الرحمة والرفق واحترام الآخر وعدم إيذائه؟ وهي قيم تتقدم على كل مظهر شكلي للاحتفال.
تساؤلات حملتها "المساء" إلى الإمام محمد لعزوني، الذي يرى أن الشباب مطالب اليوم، بإعادة النظر في مفهوم القدوة، لأن محبة النبي عليه الصلاة والسلام، لا تختصر في كلمات تقال في مناسبة، ثم تنتهي بانتهاء المناسبة، بل يجب أن تتحول إلى سلوك يومي، يظهر في طريقة تعامل الشاب مع أسرته وجيرانه ومجتمعه، وفي احترامه للناس وحرصه على عدم إلحاق الأذى بهم.
ويؤكد الإمام أن المولد النبوي، ينبغي أن يكون فرصة لاستحضار سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، والتعرف على أخلاقه وتعاليمه، لا مناسبة لتقليد مظاهر لا تخدم هذه الغاية، مردفا بالقول: "إذا كان الشاب يقول بأنه يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعليه أن يسأل نفسه عن مدى حضور أخلاق الرسول في حياته، وهل يرضى أن يخيف طفلا أو يزعج مريضا أو يعرض إنسانا للخطر، من أجل لحظة فرح عابرة؟"، وأضاف أن "الاقتداء الحقيقي بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، يعني الرحمة والرفق وحفظ النفس واحترام الجار ومراعاة مشاعر الآخرين، وهذه المعاني هي التي تجعل من ذكرى المولد، مناسبة للتغيير والإصلاح وليس مجرد مظاهر".
ومن هذا المنطلق، يبرز لعزوني في حديثه أيضا، الجدل الفقهي حول الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، فهناك من العلماء من يرى أن تخصيص يوم للاحتفال به، لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة، بالتالي يرفضون الاحتفال به، باعتباره من الأمور المحدثة، في حين أن مراجع دينية أخرى، تتبنى إحياء هذه الذكرى من خلال برامج دينية وثقافية وتعليمية مرتبطة بالسيرة والأخلاق المحمدية، وليس بتحضير وليمة عشاء وإشعال المفرقعات وغيرها من المظاهر.
النبي القدوة
شدد الإمام على أنه، يمكن للشباب أن يجعل محبته للنبي حاضرة طوال العام، بالصلاة عليه واتباع سنته والتخلق بأخلاقه والابتعاد عن كل ما فيه أذى أو إسراف أو مخالفة للشرع، مضيفا أن "من يحيي الذكرى وفق المرجعية الدينية المعتمدة، مطالب بأن يجعلها مناسبة للعلم والسيرة والرحمة والعمل الصالح، لا مناسبة للفوضى والمفرقعات والترويع".
وتبقى الرسالة الأهم، يضيف محدث "المساء"، موجهة إلى شباب اليوم، فالاحتفال مهما كان شكله، لا ينبغي أن يفقد الإنسان وعيه بمسؤوليته تجاه من حوله، ولا يمكن أن تكون محبة الرسول ذريعة لسلوك يضر الآخرين، كما لا يمكن أن يكون الدين مجرد مظاهر موسمية تنتهي بانتهاء المناسبة، فمحمد صلى الله عليه وسلم، قدوتنا في الرحمة والصدق والأمانة وحسن التعامل، ومن أراد الاقتداء به، فعليه أن يبدأ بإصلاح نفسه، ثم أسرته، فمحيطه، وتلك التربية على الأسس السليمة، لابد أن تكون منذ السنوات الأولى من سن الإنسان، يشدد الإمام، لأن إصلاح المجتمع لا يبدأ من تلك المزحة، وليس بالأصوات المرتفعة، ولا من المفرقعات التي تملأ الشوارع، لتكوين إنسان يعرف قيمة السلوك الذي يمارسه، ويدرك أن حرية الفرح تنتهي عندما تتحول إلى أذى للآخرين.
وأشار الإمام، إلى أن جميع الجهات التي تهتم بتنظيم حملات توعية، قبل المولد النبوي الشريف، منها مصالح الحماية المدنية، تدعو إلى ضرورة الاقتداء بالنبي وذكر سيرته الحميدة، وهي رسالة تحمل بعدا اجتماعيا ودينيا في الوقت نفسه، وأن تكون المناسبة مرتبطة باسم رسول الرحمة، فمن الأولى أن تكون مظاهرها قائمة على الرحمة والسكينة والتراحم وصلة الرحم ومساعدة المحتاج واستحضار السيرة، أما المفرقعات التي تهدد اليد والعين والسمع وتقلق المرضى، وتعرض الممتلكات للحرائق، فلا يمكن أن تكون معيارا لمحبة النبي، ولا دليلا على حسن الاحتفال، بل إن الابتعاد عنها، هو في حد ذاته سلوك مسؤول، يحفظ النفس ويحترم المجتمع.