من التحرير إلى نبض التنميـة
ثورة نوفمبر طريق السيادة والريادة
- 284
أحلام محي الدين
يتجدد موعد الذاكرة الوطنية في الجزائر لتروي حكاية شعبٍ أبى إلا أن يصنع ملحمة العز والكرامة، والذي أطلق أول رصاصة زرعت الرعب في قلب المستدمر، فثورة الأول من نوفمبر المجيدة لم تكن حدثا تاريخيا عابرا في سبيل الانعتاق من نير الاستعمار فحسب، بل نقطة تحول كبرى أطاحت بأقوى قلاع الظلم، واشعلت شموع الحرية، وجعلت من الجزائر قبلة الثوار والاحرار، كما أسست لمبدأ سيادي راسخ، أن "الشعب مصدر كل سلطة، وأن الجزائر حرة سيدة في قرارها".واليوم، وإذ تقف الجزائر على عتبات مرحلة جديدة عنوانها "الجزائر الجديدة"، فإن روح نوفمبر لا تزال ترفرف كبوصلة توجه الطاقات وتلهم الخطوات نحو بناء وطن يستحق تضحيات الشهداء الأبرار، عمادها التنمية، السيادة والريادة. استطاعت الثورة أن توحد صفوف الجزائريين تحت راية واحدة، فهذه الروح التضامنية والتضحية المطلقة التي كانت زاد أبناء الجزائر رجالا ونساء، شيوخا واطفالا هي الرصيد الاستراتيجي الذي تستند إليه الجزائر، اليوم، في معركة التنمية والبناء، العلاج والتعليم المجانين، وغيرها من المكاسب.
فالسيادة الوطنية لم تعد تقتصر على بعدها السياسي والأمني فحسب، بل امتدت لتشمل، الجانب الاقتصادي، من خلال التحرر من التبعية للمحروقات وتنويع الاقتصاد الوطني. وكذا السيادة الرقمية والمعرفية، من خلال الاستثمار في العنصر البشري وتوطين التكنولوجيا الحديثة، حيث أصبح للجزائر معاهد كبرى وجامعات مختصة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وكذا السيادة الدبلوماسية، عبر مواقف ثابتة ومبدئية في الدفاع عن القضايا العادلة في المحافل الدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والصحراء الغربية.
الجزائر الجديدة... ورشات مفتوحة وتحولات جوهرية
تشهد الجزائر في السنوات الأخيرة ديناميكية تنموية غير مسبوقة، تترجم ميدانيا عبر حزمة من الإصلاحات الهيكلية والمشاريع الاستراتيجية التي تستهدف تحسين الإطار المعيشي للمواطن وتكريس دولة القانون، إذ تعيش الجزائر الحرة الابية المستقلة، نهضة اقتصادية، عرفت إصلاحات جذرية لتشجيع الاستثمار، شملت، قانون الاستثمار الجديد، الذي منح استقرارا تشريعيا وحوافز غير مسبوقة للمستثمرين المحليين والأجانب، مما يعكس وفرة الإنتاج وتغطية السوق المحلية، و التصدير في الأسواق الافريقية والأوربية، من قبل المنتجين الجزائريين على سبيل المثال لا الحصر، سوق العطور ومنتجات التجميل، إذ غطت الصناعة الوطنية ما يقارب 70% من احتياجات السوق الجزائرية، مع وجود 250 مؤسسة منتجة وأخرى في طور الإنجاز.
وشهدت الصادرات قفزة خارج المحروقات، حيث بلغت أرقاما قياسية تاريخية، ما يعكس قدرة المنتج الجزائري على اقتحام الأسواق العالمية بمنتوجات تنافسية بل تعرضت للتقليد بسبب جودتها والاقبال الكبير عليها حتى بالدول الغربية. كما عرفت الجزائر الجديدة، المشاريع المهيكلة الكبرى، مثل مشروع غار جبيلات للفوسفات، خطوط السكك الحديدية العابرة للصحراء، ومشاريع تحلية المياه لتأمين الأمن المائي.
الصحة للجميع ... مجانية العلاج عملت الجزائر على تأسيس نظام صحي مجاني للجميع، من خلال تشييد المستشفيات والمراكز الصحية عبر ربوع الوطن، مما ساهم في رفع متوسط العمر ومحاصرة الأوبئة الفتاكة، مع السيطرة على الأوبئة من خلال القضاء على تلك الفتاكة التي كانت منتشرة قبل الاستقلال مثل "الملاريا" و "السل" بفضل حملات التلقيح الوطنية الشاملة. وواصلت الجزائر مسيرة الحماية الصحية من خلال ترسانة اللقاحات المجانية للمواليد مع المتابعة عن كثب وحرص شديد لكل مولود من خلال دفتره الصحي الذي يتابع حتى مراحل التعليم الابتدائي. كما عمدت الجزائر لإدخال مختلف التقنيات في علاج الامراض المستعصية والمزمنة كالسرطانات، على غرار المسرعات، التي تعززت بها المستشفيات لضمان أعلى درجات الدقة أثناء حركة الورم، مع حماية الأنسجة السليمة المحيطة به.
حفاظ على الطابع الاجتماعي الأصيل وترقية دور الشباب والكفاءات
رغم التحديات الاقتصادية العالمية، وأزمة كورونا التي شكلت تحديا عالميا لاتزال أثاره ظاهرة في العالم بأسره، حافظت الجزائر الجديدة على طابعها الاجتماعي الأصيل المستمد من بيان أول نوفمبر، من خلال استحداث منحة البطالة، كآلية مبتكرة لحماية الشباب ومرافقتهم حتى اندماجهم في سوق العمل، وكذا رفع الأجور والمعاشات وتخفيض الضغط الضريبي على ذوي الدخل المحدود لتعزيز القدرة الشرائية. مع مواصلة توزيع مئات الآلاف من الوحدات السكنية، لتكريس الحق الأساسي في السكن اللائق. ويعد الشباب رهان المستقبل في الجزائر الجديدة، فقد شهدت المؤسسات المنتخبة والمناصب القيادية إدماجا واسعا للوجوه الشابة والكفاءات العلمية، فضلا عن الطفرة الهائلة في قطاع المؤسسات الناشئة (Startups)، حيث احتلت الجزائر ريادة إقليمية في دعم اقتصاد المعرفة وابتكار الشباب.
تزامنا مع إحياء الذكرى 72 لاندلاع ثورة نوفمبر
40 كشافا يستكشفون غابات الشريعة
اختارت المحافظة الولائية للكشافة الإسلامية الجزائرية بالبليدة، إحياء الذكرى الـ72 لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة، المصادفة للفاتح نوفمبر، على طريقتها الخاصة، من خلال تنظيم الطبعة السادسة من المخيم الكشفي "عش براري"، على مستوى مرتفعات جبال الشريعة، بمشاركة أكثر من 40 كشافا يمثلون مختلف الأفواج الكشفية عبر الولاية، في تجربة تجمع بين المغامرة والاستكشاف وتنمية المهارات الكشفية، واستحضار تضحيات أبطال الثورة التحريرية، وفاء لرسالة نوفمبر الخالدة.
وفي الوقت الذي اتجه فيه تركيز عدد من فعاليات المجتمع المدني إلى تنظيم معارض ونشاطات متنوعة لإحياء ذكرى اندلاع الثورة التحريرية المباركة، ارتأت المحافظة الولائية للكشافة الإسلامية الجزائرية بالبليدة، إطلاق المخيم الكشفي المميز تحت شعار "نوفمبر جلّ جلالك فينا"، في مبادرة تجمع بين ترسيخ الذاكرة الوطنية وتعزيز ارتباط الناشئة بالطبيعة، من خلال مخيم "عش براري" الذي تنفرد الولاية بتنظيمه منذ سنة 2018، تاريخ إطلاق أول طبعة منه على مستوى مرتفعات جبال الشريعة.
وفي هذا السياق، أوضح محافظ الكشافة الإسلامية الجزائرية لولاية البليدة، عبد الكريم بالرقاع، أن مخيم "عش براري" يعد من بين النشاطات الكشفية التي تنفرد بها الولاية، وقد حقق نجاحا ملحوظا عبر مختلف الطبعات السابقة، بالنظر إلى الإقبال الذي عرفه والمشاركة المميزة للكشفيين. وأضاف المتحدث أن المخيم كان مقررا تنظيمه بمنطقة الحمدانية بولاية تيبازة، بالتزامن مع اختتام الموسم الكشفي، غير أن الحرائق التي شهدتها الجزائر خلال الصائفة الماضية دفعت إلى إعادة برمجته، ليكون موعده متزامنا مع إحياء ذكرى اندلاع الثورة التحريرية المجيدة، على مستوى مرتفعات جبال الشريعة.
وحول البرنامج المسطر لهذه الطبعة، التي تمتد على مدار ثلاثة أيام، من 30 أكتوبر إلى الفاتح نوفمبر، على مستوى مركز الشباب مصطفى بوثلجة بأعالي الشريعة، أكد محافظ الكشافة أن المخيم يشكل فرصة أمام المشاركين، الذين يمثلون مختلف الأفواج الكشفية عبر الولاية، لخوض تجربة كشفية مميزة في أحضان الطبيعة، واكتشاف قدراتهم وتطوير مهاراتهم في الاستكشاف والمغامرة.
كما يتضمن البرنامج جملة من الأنشطة الرامية إلى تمكين المشاركين من اكتساب مهارات كشفية جديدة، وتعزيز روح الاعتماد على النفس، وترسيخ قيم التعاون والانضباط والعمل الجماعي، إلى جانب إحياء الذاكرة التاريخية والوطنية واستحضار التضحيات الجسام التي قدمها أبطال الثورة التحريرية في مواجهة المستعمر الفرنسي، على مستوى المناطق والغابات التي احتضنت محطات بارزة من الكفاح المسلح، وشهدت جرائم الاحتلال.
وأشار بالرقاع إلى أن المحافظة الولائية كانت تطمح إلى استقبال عدد أكبر من الكشفيين الراغبين في المشاركة في هذه الطبعة، غير أن محدودية الطاقة الاستيعابية لمركز الشباب حالت دون ذلك، ما دفعها إلى اعتماد مشاركة ممثل واحد عن كل فوج كشفي، بهدف إتاحة الفرصة أمام مختلف الأفواج للاستفادة من هذه التجربة المميزة، والاستمتاع بأجواء المغامرة والاستكشاف في غابات الشريعة الساحرة.
* رشيدة بلال