الجزائر تعيد الاعتبار للشخصيات الوطنية بتكريس ثقـافـة العرفان
ترسيخ ذاكرة الرموز تحصيناً للأجيال وتعزيزاً للوحدة
- 123
مريم. ن
تسعى الجزائر جاهدةً إلى نقل تاريخها إلى الأجيال الصاعدة، إيماناً منها بأنّ الذاكرة جدار صمّام يمنع الاضمحلال والتشتّت. وفي ذلك تعمل بلادنا، ضمن مشروع سياسي ناضج يبصر أفق التحديات، على إعادة الاعتبار للشخصيات التاريخية والوطنية، من منطلق الواجب الوطني الذي يمليه الوفاء للشهداء والمجاهدين، الذي لا يزال سارياً، وكجزء من استراتيجية شاملة تقودها الدولة لحماية الذاكرة الجماعية والهوية، مع تجاوز هذا الاهتمام المناسبات العابرة ليصبح مشروعاً مستداماً ترعاه أعلى سلطات الدولة.
تجسّدت هذه السياسة من خلال عدّة خطوات وإجراءات رسمية ملموسة، تهدف إلى إنصاف صنّاع التاريخ الجزائري ومدّ الروابط بينهم وبين أجيال الجزائر المستقلة، علماً أنّ الاهتمام بالذاكرة الوطنية يمثّل أولوية قصوى خصّها الرئيس عبد المجيد تبون بعناية فائقة، ومنها إعادة الاعتبار للشخصيات التاريخية والوطنية التي ساهمت في بناء الدولة والذود عن سيادتها، وذلك ضمن التزامه السياسي الساعي إلى ترسيخ الوفاء لجيل الثورة وتعزيز اللحمة الوطنية. ومما قاله الرئيس في إحدى المناسبات الوطنية "نؤكّد على ضرورة تعهّد المجاهدين بما يستحقون من عناية وتكريم في جزائر تتجه نحو تكريس ثقافة العرفان وتمتين اللحمة الوطنية وتقوية وتحصين الجبهة الداخلية في عالم مفتوح على الاضطراب".
احتفاء بالشخصيات الوطنية
تسير الجزائر قدماً نحو إعادة الاعتبار للشخصيات الوطنية، قصد ربط الأجيال الصاعدة بملامح تاريخها. فقد تم في السنوات الأخيرة تعزيز عمل الجامعات والمراكز البحثية على إطلاق مشاريع تهدف إلى البحث والتوثيق لإعادة الاعتبار للشخصيات الجزائرية وإبراز إسهاماتها في بناء الوعي الوطني، ولم يقتصر هذا الاعتراف والبحث على شخصيات راهنة أو حديثة، بل امتدّ إلى تلك التي عاشت عبر الأزمنة التاريخية تناضل وتكافح من أجل أرض الجزائر وشعبها.
كما تنظّم الجامعات والمتاحف باستمرار ندوات تبحث في "شهادات صنّاع الثورة"، بهدف صياغة التاريخ وفق منظور وطني خالص لمواجهة أي محاولات لطمس الهوية الوطنية. وتنطلق الدولة في هذه الجهود من رؤية مفادها أنّ إحياء ذكرى هؤلاء الأفذاذ يتجاوز حدود الاستذكار، بل هو واجب وطني لتبليغ الرسالة للأجيال الصاعدة وبناء مجتمع المعرفة القائم على قيم نوفمبر الخالدة. كما امتدّ هذا العرفان إلى من ضحّوا بأنفسهم وهم يواجهون المستعمر، وغادروا رغماً عنهم بلدهم وحُرموا من ترابها، ولذلك اجتهدت الجزائر بكل إمكاناتها المادية وترسانتها التشريعية وجهودها الميدانية لصون تضحيات القادة والرموز والثوار والشهداء. ومما تحقّق هناك:
الأوسمة الرسمية وثقافة "الاعتراف"
من خلال "وسام الذاكرة" التكريمي الموجَّه لرجالات ونساء الجزائر، وقد مُنح لقامات كبرى مثل المجاهدة جميلة بوباشا، والمؤرخ والمفكر محمد الصالح الصديق، زيادةً على تكريمات دورية تشمل قادة الثورة والمجاهدين، كان منهم الرائد عمر صخري والرائد عز الدين، والباحثين المؤرخين كأبي القاسم سعد الله وعبد الرحمن الجيلالي.
تم توظيف الرقمنة لتخليد الرموز، كتدشين رمز الاستجابة السريعة (QR Code) بالنصب التذكاري للشهيد سعال بوزيد (أول شهداء مجازر 8 ماي 1945) لتسهيل وصول الشباب إلى سيرته، كما تم تخليد اسم الشهيد البطل عمر الصغير ابن معركة الجزائر وغيره من الشهداء. وأُطلقت على المنشآت الحيوية أسماء القادة التاريخيين، منها المتاحف والمؤسسات الكبرى، مثل تسمية المتحف الجهوي للمجاهد بتلمسان باسم "العقيد بن حدو بوحجر" (سي عثمان)، وتنظيم ملتقيات وطنية لبحث مسيرات الرموز، مثل الرئيس الراحل أحمد بن بلة وعميروش والأمير عبد القادر وغيرهم كثير.
وشملت سياسة إعادة الاعتبار تقديم تكريمات رئاسية وإطلاق أسماء كبار قادة الثورة وشخصيات الحركة الوطنية على مؤسسات وإنجازات كبرى، منها مثلاً تسمية المساجد والمطارات والجامعات والمؤسسات العسكرية وغيرها بأسماء قادة تاريخيين، وكذلك منح "وسام الاستحقاق الوطني" وشهادات العرفان لعائلات الشهداء والمجاهدين ومتقاعدي الجيش المنحدرين من صفوف جيش التحرير الوطني، ومعطوبي الحرب.
"دبلوماسية الذاكرة"
من جهة أخرى، تم تعميق "دبلوماسية الذاكرة"، فتأسّست الجمعية الدولية لأصدقاء الثورة الجزائرية التي جاءت للاعتراف بردّ الجميل للشخصيات والأصدقاء الأجانب الذين ساندوا كفاح الشعب الجزائري، زيادةً على تكريم الرموز التاريخية بالمهجر، وذلك عندما حرص الرئيس على استحضار نضال قادة الحركة الوطنية والجالية في الخارج، مثل تخليد تضحياتهم في مظاهرات 17 أكتوبر 1961 بباريس.
من المشاريع المرتبطة بالذاكرة الوطنية إنجاز المعالم التذكارية وترميم المعالم التاريخية والعناية الدائمة بمقابر الشهداء الأبرار، وهي ترجمة لمبادئ الوفاء لتضحيات الشهداء والمجاهدين. كما تمكّنت الجزائر من استرجاع جماجم 24 شهيداً من مختلف مناطق الوطن، ممن سقطوا بميدان الشرف إبّان القرن الـ19، وظلّت رفاتهم محتفظاً بها لأكثر من قرن ونصف بمتحف التاريخ الطبيعي بباريس.
وحينها صرّح رئيس الجمهورية يوم 18 فبراير 2020، بمناسبة إحياء اليوم الوطني للشهيد "أجدّد عهدي ووفائي لرسالة الشهداء ووعدي لهم باسترجاع ذاكرتنا ورفاة شهدائنا من المستعمر». ولذلك سيبقى تاريخ 3 جويلية 2020، عشية الاحتفال بالذكرى الـ58 لاستقلال الجزائر، في حفل رسمي نُظّم على شرف وصول رفات 24 بطلاً من رموز المقاومة الشعبية على متن طائرة عسكرية، خالداً إلى الأبد في ذاكرة كل الجزائريين. وكان إطلاق قناة تلفزيونية وطنية متخصصة في التاريخ والذاكرة الجزائرية أيضاً لتوثيق سِيَر الشخصيات الوطنية وحماية الموروث التاريخي من التشويه.
عرفان لمؤسّس الدولة الجزائرية الحديثة
هكذا هي الجزائر تحرص، قيادةً وشعباً، على صون الذاكرة الوطنية التي هي فخر صنعه أبطال منذ الأزل، وصولاً إلى فترة المقاومات الشعبية التي مهّدت لنوفمبر، ووضعت أيضاً أسس الدولة الجزائرية على يد مؤسسها الأمير عبد القادر، فخر كلّ جزائري ورمز وقف له العالم لما رسّخه من مبادئ إنسانية وسياسية وفكرية لا تزال صالحة لهذا الزمن الصعب. وما تكريس رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون لهذا السعي إلا دليل على الافتخار بقيمة هذه القامة العالمية التي عبرت الحدود بإنجازاتها ومواقفها وبصمودها.
ومما قاله الرئيس أنّ التاريخ فرض الأمير عبد القادر باعتباره مؤسس الدولة الجزائرية العصرية، مؤكداً الرمزية التاريخية العظيمة التي تتمتع بها هذه الشخصية الفذّة في بناء ذاكرة الشعب الجزائري، مشيراً أيضاً في عدة مناسبات ولقاءات إلى أنّ الحرص على إظهار صورة الأمير عبد القادر بشكل دائم في القاعات التي تحتضن الاجتماعات واللقاءات الرئاسية يحمل رمزية فرضها التاريخ، بصفته المؤسس الأول للبنات الدولة الجزائرية الحديثة.
للإشارة، فإنّ من بين ما تجسّد من استحضار لتاريخ الأمير "جائزة الأمير عبد القادر للأبحاث والدراسات التاريخية"، وهي مسابقة وطنية في البحث التاريخي تستهدف الباحثين والطلبة. وهناك أيضاً نصب الأمير عبد القادر في أعالي جبل مرجاجو بوهران، وهو مشروع وطني ضخم تم إقراره لبناء أعلى تمثال في العالم. وخُصّصت للأمير أيضاً عدة ملتقيات وأيام دراسية تتناول حياته وجهاده، إضافةً إلى إحياء تاريخ مبايعته، وهو المنعطف التاريخي الأساسي الذي انبثقت عنه نواة الدولة الجزائرية الحديثة ومقاومتها للاحتلال الفرنسي.