المناجـم والفلاحة وتحلية الميــاه.. ورشات استراتيجية
تثمين الثّروات الوطنية لبناء اقتصاد وطني صلب
- 121
زين الدين زديغة
❊ غارا جبيلات والفوسفات المدمج.. استثمارات كبرى لرفع الصادرات
❊ المنشآت التحويلية رهان تسريع الإنتاج وتثمين الموارد المنجمية
❊ مشروع الزّنك والرصاص استثمار لتلبية حاجيات الصناعة الوطنية والتصدير
❊ رفع إنتاج الفوسفات إلى 10 مليون طن سنويا والتموقع في سوق الأسمدة
❊ الفلاحة الاستراتيجية بالجنوب.. تقليص التبعية ومواجهة التقلّبات
تخوض الجزائر وهي تحتفل بالذّكرى 72 لاندلاع ثورتها التحريرية المجيدة، معركة تنموية لتثمين الثّروات الوطنية وإرساء مقومات الأمن الغذائي والمائي، من خلال إحداث تحولات استراتيجية في قطاعات المناجم والفلاحة وتحلية مياه البحر باعتبارها ركائز أساسية لبناء اقتصاد قوي قادر على مواجهة التحديات الداخلية والتأقلم مع الظروف الدولية المتقلّبة.
تتقدم ورشات العديد من المشاريع الاستراتيجية في قطاعات المناجم والفلاحة وتحلية مياه البحر، بوتيرة متسارعة والجزائر تحتفل بالذّكرى 72 لاندلاع ثورة الفاتح من نوفمبر 1954، ما شكل نقطة تحول حاسمة في مسار استرجاع السيادة الوطنية، ومحطة هامة تستدعي ضرورة اكتساب مقومات تحقيق أمننا الغذائي والمائي وبناء اقتصاد قوي أمام تقلبات الأسواق الخارجية والظروف الدولية الراهنة. وتفرض الرهانات الاقتصادية للبلاد الانتقال إلى مرحلة جديدة تستند إلى استغلال وتثمين الإمكانات الوطنية في مختلف المجالات بما فيها المنجمية، بما يسمح بتقليص التبعية للمحروقات والأسواق الخارجية، ووضع الأسس الصلبة لمواصلة جهود تحقيق الأمن الغذائي والمائي.
وفي هذا الصدد تتقدم عملية انجاز المشاريع المنجمية التي أطلقتها السلطات العمومية خلال السنوات القليلة الأخيرة، شأنها شأن نظيرتها في قطاع الفلاحة بالجنوب، وتحلية مياه البحر من خلال مواصلة تشييد المحطات على مستوى عدد من الولايات الساحلية ومد أنابيب الربط للولايات الداخلية.
فبالنسبة للمناجم تبرز الثّروة التي تزخر بها الجزائر في هذا المجال كأحد أهم الموارد الاستراتيجية التي تراهن عليها السلطات العمومية لتطوير الاقتصاد الوطني، بالنظر للإمكانات التي توفرها لتطوير الصناعات التحويلية والفلاحة واستحداث مناصب الشغل، فضلا عن تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز الصادرات خارج المحروقات.
ويعكس التوجه نحو استغلال المناجم الكبرى، على غرار مشروع غارا جبيلات للحديد والصلب ومشروع الفوسفات المدمج ومشروع الزنك والرصاص، السعي للانتقال من تصدير المواد الخام إلى تثمينها محليا، بما يسمح ببناء قاعدة صناعية متكاملة ترتكز على الموارد الوطنية وتستجيب لحاجيات السوق الداخلية. وفي هذا الإطار يدخل مشروعا منجم غارا جبيلات في ولاية تندوف، ومشروع الفوسفات المدمج شرق الوطن الذي يهدف إلى وضع الجزائر كواحدة من الدول الرئيسية المصدرة للأسمدة، مرحلة الحسم، باستمرار انجاز وحدات التحويل الخاصة بالمشروعين، بالتوازي مع تدشين خط السكة الحديدة بشار ـ تندوف ـ غارا جبيلات، وتعليمات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بتسليم خط السكة الحديدية المنجمي بلاد الحدبة ـ وادي الكبريت ـ ميناء عنابة، واستكمال الأشغال بالرصيف الفوسفاتي في آجالها للشروع في تصدير الفوسفات خلال سنة 2027.
ولا تقتصر أهمية هذا التوجه على الأبعاد الاقتصادية المباشرة فحسب، بل تمتد إلى تعزيز السيادة الصناعية للبلاد، من خلال توفير المواد الأولية الضرورية لعدد من الصناعات وإحداث حركية تنموية بما يعزّز العدالة في توزيع الثّروة، ويمنح الأقاليم الداخلية فرصا أوسع للمساهمة في التنمية الوطنية، خاصة وأنه سيرفع إنتاج الجزائر من هذه المادة من 2.5 مليون طن سنويا إلى 10.5 ملايين طن.
وكان وزير الدولة، وزير المحروقات محمد عرقاب، أشرف يوم 23 سبتمبر المنقضي، على الإطلاق الرسمي لأشغال إنجاز مشروع الفوسفات المدمج على مستوى ولايات عنابة وسوق أهراس تبسة وبئر العاتر، كما تم التوقيع بتاريخ 12 أوت من السنة الجارية، على عقود إنجاز عدد من المنشآت الاستراتيجية المرتبطة بهذا المشروع وذلك تنفيذا لتوجيهات رئيس الجمهورية، الرامية إلى تسريع وتيرة الإنجاز وضمان دخوله حيّز الإنتاج ضمن الآجال المحددة.
رفع الإنتاج الوطني للأسمدة ودعم الأمن الغذائي
ويندرج مشروع الفوسفات المدمج ضمن رؤية متكاملة لتثمين الموارد المنجمية الوطنية وتطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بها، بما يسمح برفع الإنتاج الوطني من الأسمدة والمنتجات الكيميائية ذات القيمة المضافة ودعم الأمن الغذائي وخلق مناصب الشغل، والمساهمة في تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز الصادرات خارج المحروقات.
الزّنك والرصاص.. استثمار يعزّز مكانة الجزائر التعدينية
وبخصوص منجم الزّنك والرصاص في ولاية بجاية، الذي يُنظر إليه كاستثمار يعزّز مكانة الجزائر التعدينية فقد أشرف الوزير الأول سيفي غريب، يوم 17 مارس 2026، على إطلاق أشغال مشروع استغلال وتثمين هذا الأخير، والذي يهدف إلى استخراج ما لا يقل عن 170 ألف طن من الزّنك و30 ألف طن من الرصاص سنويا، بما يمكن من تلبية احتياجات الصناعة الوطنية بالكامل وتحقيق فائض يوجه للتصدير.
الفلاحة.. أهمية بالغة في معادلة التنمية الاقتصادية
وبالموازاة مع ذلك يكتسي قطاع الفلاحة أهمية بالغة في معادلة التنمية الاقتصادية، باعتبارها قطاعا استراتيجيا يرتبط بصورة مباشرة بالأمن الغذائي، حيث ينصب الجهد على بناء منظومة فلاحية قادرة على تلبية الاحتياجات الوطنية ومواجهة التقلبات المناخية وتقليص الاستيراد، عبر تجسيد العديد من الاستثمارات الهامة في الجنوب.
ويأتي على رأس المشاريع الفلاحية الاستراتيجية التي تراهن عليها السلطات العمومية من أجل المساهمة في تحقيق الأمن الغذائي مشروع "بلدنا الجزائر" المتكامل بالشراكة مع القطريين في ولاية أدرار، كاستثمار ضخم لتقليص فاتورة استيراد الحليب واللحوم، حيث يرتقب هذا الأخير الذي عاين وزير الفلاحة والتنمية الريفية، سيد علي خالدي، سير الأشغال على مستواه مؤخرا، أن يستقبل أولى شحنات الأبقار نهاية شهر نوفمبر القادم.
"BF الجزائر".. رهان لتلبية حاجياتنا من الحبوب والبقول الجافة
من بين أهم الاستثمارات في هذا المجال أيضا المشروع المتكامل لإنتاج الحبوب والبقول الجافة والعجائن الغذائية بولاية تيميمون في الجنوب، على مساحة تقدر بحوالي 36 ألف هكتار، والمنجز من طرف الشركة الجزائرية ـ الإيطالية " BF الجزائر" والذي انطلق خلال الموسم الفلاحي 2024-2025، حيث يعد رهانا استراتيجيا لتعزيز الأمن الغذائي والمساهمة في تلبية حاجيات السوق الوطنية في هذا المجال.
محطات تحلية مياه البحر.. نحو تأمين نسبة معتبرة من الاحتياجات
أما بالنسبة لمحطات تحلية مياه البحر، فينتظر بعد استكمال البرنامج الذي تم إطلاقه الوصول إلى تأمين نسبة معتبرة من احتياجات الجزائر عبر هذه التقنية وضمان استدامة مواردها بشكل أكبر في المستقبل، عبر تنفيذ مشاريع محطات تحلية مياه البحر كخيار استراتيجي في تحقيق أمنها المائي والتكيّف مع التغيّرات المناخية التي تشهدها المنطقة.
وفي هذا الإطار، يجري تجسيد برنامج هام لمحطات تحلية مياه البحر من خلال انجاز 6 محطات جديدة للتحلية في كل من ولايات سكيكدة، جيجل، تيزي وزو، الشلف، مستغانم وتلمسان، انطلقت الأشغال على مستوى البعض منها بقدرة إنتاجية تبلغ 300 ألف متر مكعب في اليوم لكل محطة، وهذا بعد استكمال البرنامج الأول الذي تضمن إنجاز 5 محطات للتحلية في بومرداس وبجاية وتيبازة والطارف ووهران، وهو البرنامج الذي ساهم في رفع نسبة توفير مياه الشرب للمواطنين عبر العديد من الولايات إلى نحو 40 بالمائة، مثلما تم الإشارة إليه في العديد من المناسبات من طرف المسؤولين عن القطاع، فيما ينتظر أن ترتفع هذه النّسبة إلى نحو 60 بالمائة بعد استكمال البرنامج الجاري.