بين زر اللعب وصوت الرصاص

الوجه المظلم لألعاب العنف الإلكترونية

الوجه المظلم لألعاب العنف الإلكترونية
  • 133
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

في عالم يتغير بسرعة مخيفة، لم تعد الطفولة كما كانت، ولم يعد اللعب مجرد وسيلة للترفيه البريء، بل تحول إلى فضاء رقمي مفتوح، تختلط فيه المتعة بالخطر، وتتشكل فيه شخصيات الأطفال والمراهقين تحت تأثير صور العنف والصراع. ولم يعد الطفل اليوم يحمل لعبة بسيطة، بل يحمل هاتفا، يضعه في قلب معارك افتراضية تحاكي الضرب والقتل والنجاة، وتدفعه إلى التفاعل مع غرباء، غالبًا ما يكونون شخصيات بالغة وغريبة الطباع والسلوك، من مختلف دول العالم، في بيئة لا تخضع دائمًا للرقابة أو التوجيه. وبينما تبدو هذه الألعاب مجرد وسيلة للتسلية، تكشف الوقائع أن خلف الشاشات عالمًا آخر، قد يكون أكثر قسوة من الواقع نفسه، عالمًا يعيد تشكيل مفاهيم القوة والكراهية والانتصار بطرق مقلقة.

في خضم هذا الجدل المتصاعد، عادت قضية الألعاب الإلكترونية العنيفة إلى الواجهة بقوة، بعد حوادث صادمة شهدتها تركيا، حيث عاش السكان يومين متتاليين من الصدمة، إثر وقائع مؤلمة ومخيفة في آن واحد. فقد أقدم طفل يبلغ من العمر 14 سنة، وقبله آخر يبلغ 19 سنة، على دخول مدرستيهما والاعتداء على زملائهما، تحت تهديد السلاح، وقتل عدد منهم، ثم إنهاء حياتهما، في واقعة هزت تركيا وأدخلت سكانها، وخاصة أهالي التلاميذ، في موجة من الهلع والخوف. وأشارت تقارير أولية، إلى وجود رابط محتمل بين سلوك بعض المراهقين، وإدمانهم على ألعاب قتالية، مثل "ببجي"، رغم غياب تأكيد رسمي نهائي حول الدوافع، غير أن هذه الوقائع فتحت الباب مجددًا للنقاش، حول تأثير هذا النوع من الألعاب على عقول الشباب، ومدى قدرتها على دفعهم نحو العنف، أو على الأقل تطبيعهم معه.

الطفل أصبح جزءًا من العالم الافتراضي

في هذا السياق، أكد زبير معزاز، مختص في علم النفس، أن الخطورة لا تكمن فقط في مشاهد العنف داخل اللعبة، بل في طبيعة هذه الألعاب، التي تعتمد على التواصل المباشر بين اللاعبين، حيث يصبح الطفل أو المراهق جزءًا من مجتمع افتراضي، يتبادل فيه الأوامر والشتائم، وحتى خطاب الكراهية، وهو ما يعزز لديه سلوكات عدوانية تدريجيًا. أشار إلى أن الدراسات تبين وجود ارتباط واضح بين ممارسة الألعاب العنيفة، وارتفاع مستويات العدوانية لدى المراهقين، خاصة عندما يقترن اللعب الطويل بالاندماج العاطفي داخل اللعبة، ويتحول اللعب إلى واقع يشبه المسلسل المتواصل، حيث يكون البقاء للأقوى والأكثر عنفًا.

ويشرح المختص النفساني، أن الدماغ في مرحلة الطفولة والمراهقة، يكون في طور التشكل، وهي مرحلة لا يزال الفرد خلالها يبني شخصيته ويحدد من يكون، حسب ما لديه من معطيات وقدوات، وحسب المحيط الذي يعيش فيه، مع وجود نسبة صغيرة من العوامل الوراثية غير المكتسبة. وفي هذه المرحلة العمرية، يكون الفرد سريع التأثر بالتجارب المتكررة، وعندما يقضي الطفل ساعات في محاكاة القتال والقتل، فإن ذلك قد يؤدي إلى ما يسمى بالتبلد العاطفي، حيث يفقد تدريجيًا حساسية التمييز بين العنف المقبول والمرفوض، ويختلط لديه مفهوم الدفاع عن النفس والتعدي على الآخر، دون سبب. ويصبح مشهد القتل عاديًا بالنسبة له، بل وقد يتحول إلى سلوك يقلده في الواقع، خاصة لدى الشخصيات الهشة أو التي تعاني من اضطرابات سابقة.

وأضاف المتحدث، أن بعض الأطفال يحاولون تقليد ما يرونه داخل اللعبة بشكل مباشر، وهنا تكمن المشكلة الكبرى وخطورة هذه الألعاب، التي قلما يراقبها الأولياء. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ يؤكد أن هذه الألعاب تعتمد على نظام مكافآت، مالية أحيانًا أو افتراضية، لاقتناء أسلحة جديدة أو معدات متطورة داخل اللعبة، ما يجعل اللاعب يشعر بالانتصار، كلما قتل خصما أو تقدم في المستوى. وهو ما يعزز لديه فكرة أن العنف وسيلة للنجاح، كما أن خاصية التواصل الصوتي تفتح الباب أمام تبادل الشتائم والعنصرية وخطاب الكراهية، وهو ما ينعكس تدريجيًا على طريقة تفكير اللاعب، وتعامله مع الآخرين في الواقع، خاصة في غياب رقابة أسرية حقيقية.

العزلة الاجتماعية واضطرابات النوم

تشير تقارير حديثة، يضيف الخبير، إلى أن إدمان هذه الألعاب، قد يؤدي إلى العزلة الاجتماعية، وضعف التركيز، واضطرابات النوم، بل وحتى تغيرات في السلوك اليومي للطفل، حيث يصبح أكثر عصبية وعدوانية، ويقل اهتمامه بالدراسة والأنشطة الواقعية. كما قد يعاني من التوتر عند منعه من اللعب، وعليه تجد هذه الفئة من مدمني الألعاب نفسها، تعيش في جو من العزلة الاجتماعية، وتصاب بعدد من الاضطرابات النفسية مع مرور السنوات.

ويرى المختص النفساني، أن الحديث عن وجود رسائل خفية في هذه الألعاب، ليس مجرد نظرية مؤامرة، حتى وإن كانت مصممة لجذب الشباب والتأثير عليهم، إلى درجة شدهم واستنزاف وقتهم وبلوغ مرحلة الإدمان. ويتعلق الأمر أيضًا بطريقة تصميمها، فهي تقوم على إثارة التوتر، وخلق الصراع، وتحفيز الرغبة في الفوز بأي ثمن، إلى جانب غرس منطق الكراهية والعنف والعنصرية بين المجتمعات، وهي قيم قد تتحول، إذا لم يتم توجيهها، إلى سلوكيات سلبية في الواقع، خاصة عند غياب دور الأسرة والمدرسة في التوعية والمرافقة.

وأكد المختص، في ختام حديثه، أن الحقيقة الصادمة، هي أن الخطر لا يكمن في اللعبة وحدها، بل في الطريقة التي يتم استهلاكها بها، فهناك فرق بين طفل يلعب تحت رقابة واعية، وآخر يعيش داخل عالم افتراضي بلا حدود، وسط ما يعرف بـ"الدارك ويب" أو العالم الافتراضي السفلي أو العالم الافتراضي المظلم. لكن المؤكد، يشدد الخبير، أن تجاهل هذا الملف لم يعد ممكنًا، فالعالم الرقمي لم يعد مجرد لعبة، بل أصبح واقعًا موازيًا، قد يصنع جيلًا كاملًا أكثر وعيًا أو أكثر عنفًا. وعليه، دعا إلى ضرورة حجب هذا النوع من الألعاب ومنع ممارستها، قبل تحولها إلى مشكلة تهدد السلامة المجتمعية.