حرب العقول الصامتة...
الذكاء الاصطناعي وخوارزميات المنصات في مواجهة وعي الأطفال
- 300
أحلام محي الدين
❊ التسلسل الخوارزمي المخادع وراء استغلال النقاط العمياء في ذكاء الآلة
❊ إلغاء خاصية البحث التلقائي والاعتماد على بيئات مغلقة ضرورة
❊ تفكيك المشاهد الصادمة واجب لحماية نفسية الطفل وجهازه العصبي
❊ تطبيق قاعدة الشاشة المشتركة أساسي
أكد أستاذ أدب الطفل وثقافته بجامعة بومرداس، الدكتور علي سعيد بهون، لـ"المساء"، أنه في العصر الرقمي الحديث، لم تعد الشاشات مجرد أدوات للتسلية، بل تحولت إلى مساحات تنشئة بديلة، تنافس الأسرة والمدرسة في تشكيل وعي الطفل.
وأوضح أن ما نشهده اليوم على منصات، مثل "فيسبوك" و"يوتيوب"، ليس مجرد مقاطع عشوائية، بل محتوى تقوده خوارزميات الذكاء الاصطناعي التوليدي ومنطق تعظيم الأرباح، ما ينتج عنه محتوى استلابي موجه، يستهدف البنية النفسية والأخلاقية والعقائدية للجيل الناشئ. وأضاف الدكتور، أن أبرز المخاطر التي تهدد الأطفال، تتمثل في بعض المضامين غير الملائمة، والسلوكات السلبية، والمحتويات التي قد تؤثر في منظومتهم القيمية وهويتهم، مؤكدا ضرورة اعتماد آليات تربوية ورقابية لحماية النشء من هذه الأخطار.
❊ أمام المحتوى الجنسي والمثلي المموه بالذكاء الاصطناعي، كيف يتصرف الآباء حيال هذه السموم؟
❊ تصنف هذه الظاهرة في دراسات الأمان الرقمي، تحت مسمى "التسلسل الخوارزمي المخادع"، إذ يعتمد صناع هذا المحتوى على استغلال النقاط العمياء في أنظمة الذكاء الاصطناعي، من خلال تغليف المحتوى المرفوض برمزيات بصرية تبدو آمنة، مثل صور القطط والدببة، بهدف تجاوز فلاتر المنصات تلقائيًا، ثم إدراج سلوكات أو مشاهد غير مناسبة في مضمونها.
وعندما يشاهد الطفل كائنًا بريئًا يمارس سلوكًا غير ملائم، فقد يصاب بما يسمى "التنافر المعرفي الحاد"، لأن دماغ الطفل في مرحلة النمو، قد يجد صعوبة في معالجة هذه الصدمة البصرية، ما قد يؤدي إلى اضطراب في فهمه للمعايير والسلوكات، وتحويل المشاهد المرفوضة تدريجيًا، إلى محتوى مألوف، بسبب التكرار والتعرض المستمر.
ومن أبرز الحلول العملية الفعالة، الانتقال من الدفاع، إلى التحكم الاستباقي، لأن الخوارزميات لا يمكن الوثوق بها بشكل كامل. لذلك يجب على الآباء إلغاء خاصية البحث التلقائي، والاعتماد على بيئات مغلقة، مثل تفعيل خيار "المحتوى المعتمد فقط" في تطبيقات الأطفال، حيث لا يرى الطفل إلا القنوات التي يختارها الأولياء مسبقًا. كما يجب تفعيل الرقابة البيئية، من خلال منع استخدام الشاشات خلف الأبواب المغلقة، وتطبيق قاعدة "الشاشة المشتركة" في صالة المنزل، لضمان التدخل السريع عند ظهور أي محتوى غير مناسب.
❊ هناك أيضا، رسوم تحمل رسائل ثقافية ودينية مغايرة... كيف نحمي الهوية؟
❊ يتمثل التفسير العلمي لهذه الظاهرة، في اعتماد بعض المضامين على ما يسمى بـ«نظرية الغرس الثقافي الموجه"، وهي تقوم على التأثير التدريجي في وعي الطفل، بعيدا عن المواجهة المباشرة التي قد تثير رفضه، من خلال تقديم شخصيات ورموز في صورة أبطال أو نماذج مثالية.
وقد يؤدي تكرار هذه المشاهد إلى ما يسمى "الاستلاب الهوياتي"، حيث يبدأ الطفل، بشكل واع أو غير واع، في مقارنة ثقافته وثوابته بالنماذج التي تعرضها له الشاشة، وهو ما يستوجب بناء حصانة معرفية مبكرة. ولحماية الطفل، يتعين اعتماد ما يسمى "التمنيع المعرفي المسبق"، لأن عقل الطفل لا يبقى فارغًا؛ فإذا لم يُملأ بالمعارف والقيم الصحيحة، فقد تملؤه مضامين أخرى. لذلك ينبغي ربط الطفل بهويته التاريخية والثقافية والدينية بأسلوب قصصي وتفاعلي، ينافس جاذبية المحتوى الخارجي. كما ينبغي التوجه نحو المنصات الرقمية الأكثر أمانًا، والاعتماد على المحتويات التي تخضع لمراجعة تربوية ونفسية، قبل عرضها للأطفال.
❊ ماذا عن رسوم العشق المبكر والمغامرات، بعيدا عن مراقبة الأهل؟
❊ تستهدف بعض هذه المسلسلات، التأثير في علاقة الطفل بمحيطه الأسري، من خلال تقديم الأهل أحيانًا في صورة أشخاص متسلطين، أو عائق أمام رغبات الطفل، مقابل تصوير العلاقات السرية والمغامرات الفردية، باعتبارها دليلًا على النضج والبطولة. ولا يخفى ما لذلك من آثار نفسية وسلوكية، لأن تطبيع السرية والكذب، قد يضعف المنظومة الأخلاقية للطفل، كما قد يجعله أكثر عرضة لما يسمى "الاستدراج الرقمي"، إذ إن الطفل الذي يقتنع بأن إخفاء الأسرار عن أهله سلوك طبيعي، قد يجد صعوبة في طلب المساعدة عند تعرضه للخطر.
ولتفادي ذلك، يجب بناء وعي إعلامي ناقد لدى الطفل، عند مصادفة مثل هذه المشاهد، بعيدا عن الصراخ أو العقاب العنيف، من خلال الحوار وطرح أسئلة تفكيكية، مثل "لو وقعت هذه الشخصية في مأزق، من سينقذها، في ظل غياب أهلها؟ هل ترى أن الكذب شجاعة أم خوف؟"، فهذا الحوار يحول الطفل من مستهلك سلبي إلى متلقٍّ ناقد. كما ينبغي توفير ملاذ عاطفي للطفل داخل الأسرة، من خلال الإنصات الجاد إلى اهتماماته وتفاصيل يومه، بما يقلل من حاجته إلى البحث عن نماذج عاطفية وهمية، أو مغامرات خارجية لسد الفراغ.
❊ هناك أفلام تعطي دروسًا في السرقة والاحتيال... كيف نحمي عقول صغارنا منها؟
❊ تعتمد هذه المشاهد على آلية نفسية تسمى "التعلم بالملاحظة والمحاكاة"، المرتبطة بأبحاث عالم النفس ألبرت باندورا، إذ عندما يُقدَّم المحتال أو اللص في صورة شخصية ذكية ومرحة تنجح دائمًا، فقد يتأثر الطفل بهذه الصورة، ويحدث لديه خلط بين الذكاء والسلوك الإجرامي، وبين الفطنة والخداع.
وقد يؤدي ذلك، إلى تراجع حساسيته تجاه بعض السلوكات الخاطئة، ومحاولة تقليدها، مثل الغش أو السرقة البسيطة أو الخداع في محيطه المدرسي أو الأسري، باعتبارها وسائل لإثبات الذات. لهذا يتعين على الأولياء ربط هذه السلوكات بعواقبها الواقعية، من خلال تفكيك المشاهد فورًا، والتأكيد على آثارها المدمرة في حياة الإنسان، مقابل تعزيز قيمة الأمانة، باعتبارها معيارًا حقيقيًا للقوة والذكاء. كما ينبغي الحد من استخدام المنصات العشوائية، خصوصًا لدى الأطفال الأصغر سنًا، لأن خوارزميات بعض المنصات العامة مصممة لزيادة مدة المشاهدة عبر عرض محتويات مثيرة أو صادمة، دون مراعاة كافية لخصوصية المرحلة العمرية أو حاجات الطفل النفسية والتربوية.