ترسيخ مقاربة السيادة والعدل والتعددية

الدبلوماسية الجزائرية تضاغف مكاسبها بالمبادرة والتأثير

الدبلوماسية الجزائرية تضاغف مكاسبها بالمبادرة والتأثير
  • 119
 مليكة.خ مليكة.خ

حققت الدبلوماسية الجزائرية خلال السنة الجارية مكاسب نوعية، عززت تموقعها في الساحة الدولية، تصدرتها التزكيات الواسعة التي حظيت بها الجزائر داخل المنظمات الدولية، فضلا عن الحركية اللافتة التي شهدتها الساحة الوطنية في ضوء الزيارات المتعددة  التي قامت بها وفود أجنبية عالية المستوى إلى الجزائر، والتي توجت بإبرام صفقات هامة في عدة قطاعات حيوية.   

نجحت الجزائر في تكريس حضورها المتزايد على مختلف المستويات الإقليمية والدولية، الأمر الذي أعاد لها دورها التقليدي كفاعل مؤثر في القضايا الإقليمية والدولية، حيث توجت هذه الديناميكية بتزكية ممثل الجزائر الدائم بمنظمة الامم المتحدة عمار بن جامع بالإجماع لرئاسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، ما يعكس الثقة الدولية المتزايدة في الكفاءات الدبلوماسية الجزائرية وقدرتها على الإسهام في معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية العالمية.

حضور قوي في دوائر صنع القرار الدولي

في ظل تصاعد التحديات الإقليمية والدولية، باتت الجزائر أكثر حضورا في دوائر صنع القرار الدولية، وأكثر قدرة على إيصال صوتها والدفاع عن مواقفها، ما يعكس ثمرة الجهود الدبلوماسية التي بذلت خلال السنوات الأخيرة، والتي تؤكد أن استعادة المكانة الدولية ليست شعارا سياسيا فحسب، بل مسارا مشرفا تترجمه النتائج والإنجازات على أرض الواقع.

وتزامن هذا الإنجاز مع النجاحات المتوالية للجزائر على مستوى باقي  الهيئات الدولية، حيث تمكنت من الظفر بمنصب داخل المكتب التنفيذي لاتحاد هيئات مكافحة الفساد الإفريقية خلال الاجتماعات التي احتضنتها العاصمة الكينية نيروبي، وهو مكسب جديد يعزز حضور الجزائر داخل المؤسسات الإفريقية ويؤكد المكانة التي باتت تحظى بها في القارة السمراء، فضلا عن انتخابها للمرة السادسة على التوالي عضوا في اللجنة الأفريقية للطاقة النووية "أفكون" وذلك في إطار أشغال المؤتمر السابع للدول الأطراف في معاهدة بليندابا المنعقد يومي 25 و26 جوان بأديس أبابا. 

دور محوري في الدفاع عن مصالح الدول النامية والإفريقية

تولي الجزائر مناصب ومسؤوليات قيادية جديدة داخل أروقة الاتحاد الإفريقي، يعكس دورها المحوري في الدفاع عن مصالح الدول النامية والأفريقية، على غرار  شغلها منصب نائب مفوضية الاتحاد الافريقي، رئاسة لجنة الممثلين الدائمين المعنية بحقوق الإنسان والديمقراطية والحوكمة، شغل عضوية مجلس السلم والأمن للاتحاد خلال الفترة التي  تمتد من 2025 إلى 2028، وذلك تقديرا لدورها في الوقاية من النزاعات وتعزيز السلم في القارة. كما ظفرت الجزائر بعضويات اللجان المتخصصة، على غرار اللجنة الوزارية للترشيحات في المنظومة الدولية، اللجنة الوزارية لأجندة الاتحاد الإفريقي 2063، لجنة الممثلين الدائمين المعنية بالشؤون البيئية، اللجنة الفنية المتخصصة للثقافة والشباب والرياضة واللجنة الفنية المتخصصة للاتصالات والمواصلات.

وتعكس العودة القوية للجزائر إلى الفضاء الإفريقي مساهمتها في المبادرات المتعلقة بالتنمية والأمن والتكامل الاقتصادي داخل القارة،  إذ يكفي أن نستدل في هذا الصدد بعهدتها على رأس منتدى رؤساء دول وحكومات الآلية الإفريقية للتقييم من قبل النظراء والتي شكلت نقطة تحول جديدة في تاريخ الدبلوماسية الجزائرية التي تعاطت بفعالية مع القضايا الإفريقية وتوجت بنتائج هامة، أبرزها  تعزيز دور الآلية في الوقاية من النزاعات.

فرئاسة الجزائر لهذا المنتدى يبرز دورها  التاريخي على المستوى القاري وعلى مستوى الاتحاد الإفريقي سواء من ناحية الشراكة البينية بين هذه الهيئة القارية والجزائر التي لطالما دعمت الاتحاد على كافة الأصعدة كتسوية النزاعات في إفريقيا، أو في مواجهة التحديات الدولية من قبيل سياسات التمويل حيث ساهمت بلادنا  في تمويل الكثير من المشاريع التنموية وتوحيد الموقف الإفريقي المشترك إزاء العديد من القضايا الإقليمية والدولية.

وفي ضوء هذه المبادرات، أضحت الجزائر فاعلا استراتيجيا وركيزة أساسية في القارة السمراء عبر إسهاماتها المادية، إذ سبق لها وأن قدمت مليون دولار من أجل التضامن والمساهمة في دفع التنمية بالقارة السمراء ، فضلا عن تمويل مشاريع بمنطقة الساحل تجسيدا لمبدأ حسن الجوار.

استعادة التوازن في العلاقات الدولية

يأتي ذلك موازاة مع اعتماد الجزائر مقاربة دبلوماسية قائمة على استعادة التوازن في العلاقات الدولية، والتمسك بمبادئ عدم الانحياز واحترام سيادة الدول، إلى جانب الدفاع عن القضايا العادلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وقضايا تصفية الاستعمار، حيث ساهم هذا التوجه في تعزيز صورة الجزائر كشريك موثوق وصوت يحظى بالاحترام داخل مختلف المحافل الدولية.

ولعبت الجزائر دورا مهما في العديد من الملفات الإقليمية،  من خلال دعم السلم والاستقرار ومكافحة الإرهاب وتعزيز الحلول السياسية للأزمات بعيدا عن التدخلات الأجنبية، فضلا عن تعزيز علاقاتها الثنائية مع عدد كبير من الدول الإفريقية والعربية والآسيوية، مستفيدة  في هذا الصدد من رصيدها التاريخي ومكانتها الجيوسياسية.

وحرصت الجزائر على الارتقاء بالدبلوماسية الاقتصادية من أجل استقطاب الاستثمارات الأجنبية وفتح آفاق جديدة للتعاون والشراكة، مستفيدة من التحولات التي يشهدها الاقتصاد الوطني ومن المشاريع الكبرى التي أطلقتها الدولة، حيث اولت في هذا الصدد اهتمامها بالسوق الافريقية كخيار استراتيجي لتنويع مصادر الدخل خارج قطاع المحروقات والاندماج القاري. 

وترتكز هذه السياسة على تفعيل التبادل التجاري عبر اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية وتسهيل التواجد المباشر للمؤسسات الجزائرية وإنجاز مشاريع كبرى للبنية التحتية لربط شمال القارة بعمقها الإفريقي،   معتمدة على مسارات متعددة لتعزيز حضورها الاقتصادي الفعلي في القارة، فضلا عن دعم مشاريع حيوية لتعزيز الربط اللوجستي، أبرزها الطريق العابر للصحراء، مشروع الألياف البصرية الى جانب التواجد المؤسسي والمصرفي من خلال فتح فروع للبنوك الجزائرية الكبرى (مثل البنك الخارجي الجزائري والبنك الوطني الجزائري) في دول إفريقية لتسهيل المعاملات المالية.

وتشمل الاجراءات التحفيزية أيضا إقامة معارض دائمة للمنتجات الجزائرية في بعض العواصم وتقليص التبعية للعوائد النفطية من خلال تحويل إفريقيا إلى الوجهة الأولى للصادرات خارج المحروقات، موازاة  مع تعميق الشراكة جنوب-جنوب والانتقال إلى شراكات متكافئة تخدم المصالح المشتركة التي تسهم في التنمية المستدامة.

وتحرص الجزائر، في ظل  التحولات  الجيو استراتيجية  العالمية و الاقليمية  المعقدة التي يشهدها العالم، على رسم دورها الدبلوماسي في عالم متحول من دبلوماسية المواقف التاريخية إلى المبادرة والتأثير، من خلال تبني شراكة استراتيجية لصناعة القرار القاري وترسيخ مقاربة دبلوماسية ترتكز على السيادة والعدل والتعددية.

ووفق رؤية الجزائر فإن إفريقيا التي تزخر بموارد وقدرات وتحولات ديمغرافية، لم تعد تقبل موقعا هامشيا في معادلة العلاقات الدولية، وينبغي بها أن  تلعب أدوار مركزية في الاقتصاد والسياسة العالميين. وهو ما تجلى في  استضافة الجزائر للمعرض التجاري الإفريقي العام الماضي و الذي يعد بحد ذاته بمثابة اعلان عملي عن دخول الجزائر مرحلة جديدة من الحضور الإفريقي الطموح، القائم على الشراكة والتكامل والدفع نحو استقلال القرار الإفريقي داخل المنظمات الدولية وتحويل الشعارات القارية إلى مشاريع ذات أثر ملموس، تعزز التكامل الإفريقي وتبني مسارات تفاوضية مشتركة داخل مجلس الأمن والهيئات الدولية.

فاعل محوري في تشكيل مسارات جديدة في مجال الطاقة

كما أولت الجزائر أهمية للبعد الاقتصادي، ولا سيما الطاقوي، انطلاقا من أن الحديث عن أمن الطاقة لم يعد محصورا في منطق التزويد والطلب، بل أصبح جزءا من هندسة العلاقات الدولية الجديدة. فالجزائر بما تمتلكه من موارد وقدرات تفاوضية، باتت فاعلا محوريا في تشكيل مسارات جديدة في مجال الطاقة، ما يسمح لها بتعزيز مكانتها كشريك استراتيجي وليس مجرد دولة مصدرة، إذ يتجلى ذلك في علاقاتها مع دول الاتحاد الاوروبي وتعاونها الاستراتيجي مع دول الجوار على غرار النيجر و التشاد  من خلال مشاريع حيوية في مجال الكهرباء والنفط .

 وفي سياق دفاعها عن توازن المصالح الدولية، ترى الجزائر أن التعددية، هي الإطار الذي يحفظ سيادة الدول وحقوق الشعوب، مستندة في هذا الصدد إلى المبادئ التي طالما شكلت عمق  عقيدتها الدبلوماسية والتي تنص على احترام القانون الدولي، رفض التدخلات الخارجية والدفاع عن الحلول التفاوضية متعددة الأطراف. وباتت الجزائر تعي حجم التغيرات الدولية الراهنة، ما جعلها تتبنى بنظرة براغماتية  تضمن لها دور في هندسة النظام الجديد من موقع فاعل يمتلك رؤية واضحة، ويملك كذلك أدوات تحويل هذه الرؤية إلى واقع دبلوماسي واقتصادي ملموس.

مواقف ثابتة في نصرة القضايا العادلة

ورغم هذه  التعقيدات، إلا أن الجزائر ظلت متمسكة بمبادئها الراسخة، خاصة فيما يتعلق بنصرة القضايا العادلة على غرار دعم الشعب الفلسطيني وحقوقه غير القابلة للتصرف، من منطلق ان موقفها ليس ظرفيا ولا مرتبطا بتقلبات المشهد الدولي، بل هو موقف جذري يرتبط برؤية الجزائر للعدالة والتحرر وتقرير المصير. 

والأمر ذاته بالنسبة للقضية الصحراوية، باعتبار أن احترام حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره يشكل حجر أساس في مقاربة الجزائر للعلاقات المغاربية والإفريقية، مهما كانت التعقيدات السياسية التي تحيط بهذا الملف، في حين تحرص على عدم  العبث بأمن جوارها الإفريقي والمغاربي. 

فالدور الذي تلعبه الجزائر في مالي والنيجر وليبيا وفي التنسيق مع الاتحاد الإفريقي، ليس خيارا بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة التهديدات المتصاعدة في المنطقة، مؤكدة في  العديد من المناسبات عدم سعيها  للعب دور المهيمِن، بل دور الضامن للاستقرار القائم على الحوار والوساطة واحترام سيادة الدول الأخرى.