أطلــــقت مشــاريع ضخـــمة وسجــلت ارتفاعـــا في إنتاج المحـــروقات
الجزائر تعزز تموقعها الاستراتيجي في السوق الدولية للطاقة
- 126
حنان. ح
رسخت الجزائر مكانتها في سوق الطاقة العالمية خلال السنة الجارية، مؤكدة دورها كفاعل رئيسي في هذا المجال على المستوى الإقليمي، في ظل ظروف عالمية تميزت بتوترات غير مسبوقة بمنطقة الشرق الأوسط، أثرت بشكل ملحوظ على الإمدادات الطاقوية والأسعار. وبرز خلال الأشهر الاولى من العام الجاري توجه الجزائر نحو تعزيز تواجدها في إفريقيا وعلى الأخص في منطقة الساحل، حيث أنجزت مشاريع طاقوية هامة، تزامنت والإطلاق الرسمي لمشروع أنبوب الغاز الرابط بين نيجيريا وأوروبا عبر الجزائر كأحد أهم البنى التحتية في مجال الطاقة بالمنطقة.
عاش قطاع الطاقة في الجزائر خلال الأشهر الأولى من السنة الجارية تطورات هامة، ظهرت خصوصا في ارتفاع إنتاج البلاد من الغاز والنفط، وإطلاق مناقصة دولية جديدة للاستكشاف والتنقيب عن المحروقات، بالموازاة مع عودة شركات عالمية عملاقة للاستثمار في الحقول الجزائرية، ودخول شركات جديدة، ما يؤكد عودة الجاذبية إلى هذا القطاع الذي يواصل سعيه للتكيف مع المستجدات والتغيرات والتحولات التي باتت تميزه بل وترهن مستقبله، في إطار التوجهات العالمية الرامية إلى تقليص الانبعاثات وحماية البيئة.
وأظهرت آخر الأرقام ارتفاع إنتاج الغاز الجزائري إلى 8,447 مليار متر مكعب يوميا في أفريل، مقابل 7,885 مليار متر مكعب في نفس الفترة من السنة الماضية، وفي إجمالي الأشهر الـ4 الأولى من 2026، ارتفع الإنتاج بنسبة 5 بالمائة، مسجلا 37,499 مليار متر مكعب، مقابل بـ35,747 مليار متر مكعب في المدة نفسها من العام الماضي.
وعززت الجزائر حضورها في السوق الأوروبية للغاز خلال الخمس أشهر الأولى من 2026، بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز، حيث ارتفعت صادرات الجزائر من الغاز عبر الأنابيب إلى إسبانيا بنسبة 11 بالمائة وإلى إيطاليا بنسبة 5 بالمائة. وتوفر الجزائر نحو 17,4 بالمائة من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز المنقول عبر الأنابيب، عبر خطي "ميدغاز" إلى إسبانيا و«ترانسميد" إلى إيطاليا، إلى جانب مساهمتها في تعزيز واردات الغاز المسال الأوروبية، التي ارتفعت هي الأخرى خلال نفس الفترة، مسجلة 1,03 مليون طن في ماي وهي أعلى نسبة في مدة 7 اشهر.
وارتفع إنتاج الجزائر من النفط الخام كذلك إلى أعلى مستوى في أكثر من 3 سنوات، بعد قرارات أوبك+ الأخيرة لضخ كميات إضافية في السوق، حيث بلغت حصة الجزائر 982 ألف برميل يوميا في ماي الماضي، ويتوقع أن تصل الى 994 ألف برميل يوميا في جويلية الجاري.وبالموازاة مع تسجيلها لهذه التطورات الإيجابية، تسارع الجزائر الخطى للاحتفاظ بريادتها الطاقوية، وهو ما كشفت عنه الشركة الوطنية للمحروقات "سوناطراك" التي أعلنت عن أضخم برنامج تنقيب يخص النفط والغاز، في تاريخ البلاد، لتعزيز الاستكشاف وتجديد الاحتياطات الوطنية، يشمل حفر نحو 500 بئر استكشافية وإطلاق مسوحات زلزالية ثلاثية وثنائية الأبعاد وإجراء دراسات معالجة وإعادة معالجة البيانات الجيولوجية والجيوفيزيائية.
وتمثل هذه الاستثمارات 75 بالمائة من ميزانية التطوير المقررة للمرحلة 2026-2030، مع تخصيص 26 بالمائة منها لمجال الشراكة، حيث تراهن الجزائر على شركائها من أجل تعزيز قوتها في قطاع الطاقة، لاسيما بعد العودة المتتالية لكبرى الشركات النفطية العالمية الى الاستثمار بالجزائر، التي بدأت وتيرتها تتصاعد منذ العام الماضي، واستمرت بنفس المنحى خلال الأشهر الأولى من 2026.
في هذا السياق، شهدت المرحلة عودة الشركة العملاقة "بي بي" بعد غياب لسنوات، حيث تحصلت على ترخيص من الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات "ألنفط" للاستكشاف في حوض الشرق، من خلال تنفيذ أعمال استكشافية أولية تشمل المسوحات الجيولوجية والدراسات الفنية، بهدف تقييم الإمكانات في مجال المحروقات.
في نفس الاتجاه، أطلقت رسميا جولة العطاءات الجزائرية 2026، في أفريل الماضي، تشمل طرح 7 مناطق استكشاف، ضمن إستراتيجية تهدف إلى رفع الاحتياطيات وتعزيز الإنتاج وجذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز الشراكات مع الشركات العالمية، إضافة إلى دعم الإنتاج وتحقيق الاستدامة في الإمدادات، وهي بمثابة رسالة واضحة للمستثمرين الدوليين، تؤكد عزم الجزائر على الانفتاح نحو آفاق جديدة للتعاون وتوفير بيئة استثمارية مستقرة.
وعلاوة على المجهودات المبذولة لتعزيز مكانتها كمورد أساسي للسوق الأوروبية، برزت الجزائر خلال العام الجاري باقتحامها للأسواق الإفريقية بطريقة عملية تنم عن خطة هجومية محكمة للتموقع في القارة ولاسيما في البلدان المجاورة وبلدان الساحل، التي عززت الجزائر تواجدها بها عن طريق مشاريع طاقوية هي الأولى من نوعها.
وتشمل هذه التحركات عدة دول، من بينها مصر وموريتانيا وتشاد وتونس وموزمبيق والنيجر، إذ تركز الجزائر على نشر خبراتها وإمكاناتها لاسيما في مجالي الكهرباء ومشتقات النفط، بفضل خبرة شركتي سونلغاز ونفطال. وضمن هذا المنظور تم تدشين محطة كهربائية بالنيجر ووضع حجر الاساس لإنجاز محطة أخرى في تشاد، كما تم الاتفاق مع الدولتين على تعزيز التعاون في مجال انتاج وتوزيع البنزين ومشتقاته.
ووقعت الجزائر اتفاقية مع كوت ديفوار في مجالي الطاقة والمناجم، ومع مصر وقعت سوناطراك اتفاقية تشمل بيع منتجات نفطية وكذا تبادل الخبرات والاستثمارات والتعاون في مشاريع الاستكشاف والإنتاج والتكرير، فضلا عن توقيع عقد لتطوير حقل حاسي بئر ركايز باستثمارات تقارب مليار دولار. كما اتفقت سونلغاز وشركة السويدي المصرية على تعزيز تعاونهما بانجاز مشاريع مشتركة في بعض البلدان الإفريقية. وتم من جانب آخر، طرح مقترح لإنشاء أكبر محطة كهرباء في تونس، تعمل بنظام الدورة المركبة، بقدرة إنتاجية ضخمة تبلغ 1400 ميغاواط، في إطار تطوير ربط ثلاثي يجمع الجزائر بتونس وليبيا ضمن شبكة كهربائية مشتركة.
في السياق ذاته، تم توقيع اتفاقية مع الكونغو الديمقراطية لدعم حضور الشركات الجزائرية وخبراتها التقنية في هذا البلد، خاصة في مجالات الاستكشاف والإنتاج وتطوير الحقول النفطية والغازية.
ولعل أبرز ما مميز السنة، الإطلاق الرسمي لبدء إنجاز الشطر الجزائري من المشروع الإستراتيجي المتعلق بأنبوب الغاز الرابط بين نيجيريا والنيجر والجزائر، وبالتالي الانتقال الفعلي من الدراسات والتخطيط إلى التنفيذ الميداني لهذا المشروع الضخم الذي طال انتظاره، والذي اعلن البنك الافريقي للتنمية عن اهتمامه بتمويله، كما تلقى الاشادة من عدة منظمات إفريقية جهوية بالنظر إلى انعكاساته التنموية الإيجابية.
من جهة أخرى، عاشت الجزائر أحداثا هامة في مجال المناجم، جاء على رأسها التدشين الرسمي لمشروع غارا جبيلات وانطلاق أول قطار من المنجم باتجاه مصنع توسيالي للحديد والصلب بوهران، ما أكد أن المشروع بات واقعا. كما تتواصل الاشغال بوتيرة سريعة لإطلاق مشروعي وادي الحدبة للفوسفات ووادي أميزور للزنك والرصاص، مع العلم أنها مشاريع مهيكلة تشمل انجاز كل البنى التحتية اللازمة لتطوير قطاع المعادن الذي يزخر بامكانيات هائلة، تتخطى المعادن التقليدية الى المعادن النادرة ومنها الهيليوم الذي تحتل الجزائر المرتبة الرابعة عالميا من حيث انتاجه، فضلا عن المجهودات المبذولة لإطلاق مشاريع انتاج الليثيوم الموجه لصناعة البطاريات.
وفي مجال الطاقات المتجددة، شهدت الجزائر هذه السنة اطلاق أكبر محطتين كهروضوئيتين جديدتين لحد الآن توجدان بولايتي بسكرة والمغير، ضمن المرحلة الأولى من برنامج 3200 ميغاواط من الطاقة الشمسية، والذي يندرج في إطار البرنامج الوطني للطاقات المتجددة الذي يهدف إلى بلوغ 15 ألف ميغاواط بحلول العام 2035.
وسجلت الجزائر أعلى نسبة نمو في قائمة أكثر الدول العربية استيرادا للألواح الشمسية الصينية، إذ قفزت من 0,35 جيغاواط إلى 2,10 جيغاواط، ما يعكس وجود حركية حقيقية في هذا المجال. في سياق متصل، ترسخت النظرة الى الجزائر خلال السنة الجارية كممون موثوق للهيدروجين الاخضر في أوروبا، وهو ما تؤكده التقارير الأوربية التي تعتبر الجزائر شريكا رئيسا لممر الهيدروجين الجنوبي، نظرا لامتلاكها مزيجا من العوامل الجغرافية والموارد الطبيعية والبنية التحتية تجعلها أكثر موثوقية من العديد من مصادر الهيدروجين الأخرى في شمال إفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى.