من الراديو إلى الشاشات الذكية

الإدمان الرقمي يطرق أبواب كبار السن

الإدمان الرقمي يطرق أبواب كبار السن
  • 144
 نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

إن تغير ملامح الحياة اليومية، مع تسارع التكنولوجيا، لم يعد يقتصر على فئة دون أخرى، فقد أصبحت الهواتف الذكية والأنترنت جزءا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، ولم يعد استخدامهما حكرا على الشباب، كما كان في السابق، بل امتد ليشمل فئات عمرية كانت، إلى وقت قريب، بعيدة نسبيًا عن هذا العالم الرقمي. ومع هذا التحول، برزت ظواهر جديدة تستحق التوقف عندها، من بينها إدمان كبار السن على الهواتف الذكية، وهو سلوك يتنامى بهدوء داخل البيوت والفضاءات العامة، دون أن يثير الانتباه الكافي، رغم ما يحمله من انعكاسات اجتماعية ونفسية عميقة.

في الوقت الذي ارتبط مصطلح الإدمان الرقمي، لسنوات، بالأطفال والمراهقين، بسبب تعلقهم بالألعاب والتطبيقات، يظهر اليوم واقع مختلف، إذ أصبح من المألوف مشاهدة كبار السن في وسائل النقل، أو في قاعات الانتظار، أو حتى داخل المنازل، منشغلين بهواتفهم، يتصفحون مواقع التواصل الاجتماعي أو يشاهدون مقاطع الفيديو لساعات طويلة، في مشهد يعكس تحولًا واضحًا في نمط العيش، ويدفع إلى طرح تساؤلات حول أسباب هذا التعلق المتزايد، وتحوله إلى إدمان.

ويبدو أن هذا التحول لا يمكن فصله عن التغيرات التي عرفها المجتمع، حيث يشير مختصون إلى أن التكنولوجيا منحت كبار السن، فرصة لكسر العزلة والتواصل مع العالم، خاصة في ظل تراجع الزيارات العائلية وانشغال الأبناء. غير أن هذا الاستخدام تحول لدى البعض إلى ارتباط مفرط، بل أصبح الهاتف رفيقا دائما، يملأ الفراغ ويعوض العلاقات الاجتماعية المباشرة، كما أدى إلى تراجع بعض الأدوار داخل الأسرة، ما يجعل الخط الفاصل بين الاستفادة والإدمان رقيقا جدا.

وفي حديث لـ«المساء”، أكد فوزي عساس، خبير في علم الاجتماع، أن ما نعيشه اليوم، هو انتقال تدريجي من ثقافة سمعية تقليدية، كان فيها الراديو والتلفاز الوسيلتين الأساسيتين للترفيه، إلى ثقافة رقمية تفاعلية، جعلت الفرد جزءًا من المحتوى. وأضاف أن كبار السن لم يكونوا بمنأى عن هذا التحول، بل انجذبوا إليه لعدة أسباب، من بينها الرغبة في مواكبة العصر، والشعور بالحاجة إلى البقاء على اتصال مع الأبناء والأقارب، إلى جانب الفراغ الذي يعيشه البعض بعد التقاعد.

كما أن سهولة اقتناء وسائل التكنولوجيا، اليوم، من هواتف ولوحات إلكترونية، وتراجع أسعارها، جعلاها في متناول الجميع، بل كادت الهواتف البسيطة، التي كانت تستعمل للمكالمات الهاتفية فقط، تختفي، لتحل محلها الهواتف الذكية متعددة الاستعمالات، التي تتميز بسهولة الاستخدام، وهو ما ساعد حتى كبار السن، الذين لم تكن لهم علاقة سابقة بالتكنولوجيا، على استعمالها دون صعوبة.

وأشار المختص، إلى أن دراسات حديثة أظهرت ارتفاع نسبة استخدام الأنترنت بين كبار السن، بشكل ملحوظ، خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد فترات الحجر الصحي، التي فرضت عليهم العزلة، حيث أصبح الهاتف حينها، وسيلة أساسية للتواصل والترفيه. غير أن هذا الاستخدام المكثف، تحول مع الوقت، إلى نوع من الإدمان، فعندما يفقد الشخص القدرة على التحكم في وقته، ويقضي ساعات طويلة أمام الشاشة على حساب أنشطته اليومية، فإنه يفقد تدريجيًا السيطرة على رغبته في تصفح الأنترنت، ويعتاد الجلوس لفترات طويلة.

ويضيف المختص، أن الإدمان الرقمي لدى كبار السن، يختلف عن الفئات الأخرى، فهو غالبًا لا يرتبط بالألعاب، بل بمحتويات مثل الفيديوهات القصيرة، أو الأخبار، أو تطبيقات التواصل الاجتماعي، حيث يجد فيها المسن نوعًا من الرفقة، لكنه في المقابل، قد يبتعد تدريجيًا عن محيطه الحقيقي، ما يعمق الشعور بالعزلة، بدلًا من أن يخففها. في هذا الصدد، حذر المختص من الانعكاسات الصحية لهذا السلوك، حيث أن الجلوس الطويل أمام الهاتف قد يؤدي إلى مشاكل في النظر وآلام الرقبة، إضافة إلى اضطرابات النوم، خاصة مع الاستخدام المفرط خلال الليل. كما يمكن أن يساهم التعرض المستمر للأخبار السلبية، في زيادة القلق والتوتر لدى هذه الفئة، التي تكون في الغالب، أكثر حساسية لهذه المؤثرات.

من الناحية الاجتماعية، يلاحظ أن هذا التعلق بالهاتف، قد يؤثر في طبيعة العلاقات داخل الأسرة، يقول الخبير، حيث تقل الحوارات المباشرة، ويصبح كل فرد منشغلًا بجهازه، حتى كبار السن الذين كانوا في السابق يمثلون مركز التواصل داخل العائلة، وكانوا ينهون عن الاستعمال المفرط للهواتف، باتوا هم الآخرون مدمنين عليها، وهو ما يعكس تحولًا عميقًا في القيم والعلاقات.

ويرى عساس، أن الحل لا يكمن في منع استخدام التكنولوجيا، بل في ترشيدها، من خلال توعية كبار السن بكيفية استعمالها بشكل متوازن، وتشجيعهم على ممارسة أنشطة بديلة، مثل الخروج والمشاركة في النشاطات الاجتماعية، والحفاظ على التواصل العائلي المباشر. كما دعا الأسر إلى لعب دور أكبر في مرافقة هذه الفئة، وعدم تركها فريسة للفراغ الذي يدفعها نحو الشاشات، التي قد لا تقل خطورة في آثارها عن تلك التي تؤثر في الأطفال والمراهقين.