طقوس وعادات متأصلة في عمق المجتمع العنابي

ارتباط روحي يتجاوز البعد الاحتفالي

ارتباط روحي يتجاوز البعد الاحتفالي
  • 94
سميرة عوام سميرة عوام

تستقبل ولاية عنابة، ذكرى المولد النبوي الشريف، بأجواء استثنائية ونكهة خاصة، تجعلها تتفرد عن باقي ولايات الوطن، حيث تظهر في هذه المناسبة الدينية، أبهى صور التكافل والترابط الاجتماعي بين أفراد العائلة العنابية، وحتى بين الجيران الذين يجمعهم حب النبي الكريم، والمحافظة على موروث الأجداد، حيث تتحول أحياء المدينة وشوارعها العريقة، إلى لوحة حية تنبض بالدفء والبهجة، إذ لا تقتصر الاحتفالات على الجانب الديني والروحي فحسب، بل تمتد لتشمل تقاليد ضاربة في عمق التاريخ العنابي الأصيل، تعكس تعلق العنانبة بهذه الذكرى المجيدة، وحرصهم على إحيائها بطرق مميزة، تجمع بين الفرح الدنيوي والتقرب الروحي.

تبدأ ملامح هذا العيد الديني، قبل حلوله بأسبوع كامل، حيث تتزين شوارع مدينة عنابة بالفوانيس الملونة، التي تضفي سحرا خاصا على أزقة المدينة. ويستغل التجار هذه الحركية الاستثنائية لعرض مختلف أنواع الشموع، بداية من الشموع العادية، وصولا إلى تلك التي تطلق الروائح العطرية الزكية، التي تفوح في الأرجاء، بالإضافة إلى تصاميم مبتكرة تليق باحتفالية مولد النبي صلى الله عليه وسلم. 

ولا تكتمل ديكورات الأسواق العنابية، دون عرض تشكيلات واسعة ومتنوعة من الألعاب النارية، التي تزين كل بيت عنابي، حيث تحرص المحلات على توفيرها بأسعار، تكون في متناول الجميع، لإدخال البهجة على قلوب الأطفال. وفي زاوية أخرى من هذا المشهد الميداني النشط، تستغل العائلات ذات الدخل الضعيف، هذه الفرصة، لعرض ما تنتجه أناملها من معجنات تقليدية، كـ"الشخشوخة"، "الثريدة" و"القريتلية"، إذ يعرض الكيلوغرام الواحد بسعر يصل إلى 450 دينار، في صور تجمع بين التكافل الاجتماعي وتوفير أطباق الليلة المباركة.

ومع حلول ليلة المولد، تحرص ربات البيوت العنابيات، على إعداد ألذ وأعرق الأطباق التقليدية التي تشتهر بها المنطقة، وتتنوع الموائد العنابية بين "شخشوخة الظفر" الطرية، و"المقرطفة" الذكية، و"التليتلي" المحمر، حيث يتم تحضير الدجاج المحمر في الفرن، خصيصا لتزيين هذه الأطباق التقليدية، وإضفاء لمسة شهية وفخمة على مائدة الليلة. وتجتمع العائلات العنابية في لمة دافئة، يملؤها الحب والود، وتبادل الأطباق بين الجيران، كعادة أساسية تعزز أواصر الأخوة والجوار في هذه المناسبة المباركة.

وعلى الصعيد الروحي، تعمر مساجد عنابة العريقة بالمصلين وحفظة القرآن، الذين يتوافدون بكثرة لإحياء هذه الليلة المميزة. وتشهد بيوت الله، وفي مقدمتها جامع "أبو مروان الشريف"، الواقع بقلب المدينة القديمة وجامع "صالح باي"، إقامة حلقات الذكر والتلاوات القرآنية الخاشعة، إلى جانب أداء صلاة العشاء جماعة، والاستماع إلى الدروس الدينية التي تتناول سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأخلاقه العطرة. كما تتألق الفرق الإنشادية داخل صحون المساجد، بتقديم أبهى المدائح النبوية والقصائد الصوفية الخالدة، في أجواء إيمانية تهدأ الروح لها وتملأ القلوب بالسكينة والطمأنينة، حيث يكرم حفظة القرآن، وتوزع الجوائز على الأطفال المشتركين في المسابقات الدينية.

أما سهرة المولد في البيوت العنابية، فلها طابع سحري خاص؛ حيث تحضر العائلات طاولة سهرة مميزة، تزين بالشموع المضيئة والبخور الفواح، الذي يملأ زوايا البيت بطيب الرائحة. وتتوسط الطاولة سينية الحناء المرصعة بـ"الدراجي" والحلويات الرقيقة، حيث تجتمع الفتيات والعازبات في أجواء مليئة بالزغاريد والأهازيج، ليوضع جزء من الحناء في أيديهن، وسط أمنيات بالحظ الجميل والتوفيق في الحياة. وتستمر السهرة في تبادل الأحاديث و"البوقالات"، للاستمتاع بهذه القعدة العنابية الأصيلة، التي تجمع بين عرق الأصالة والتقاليد.

ولا تتوقف هذه التظاهرة الاجتماعية عند حدود الليل، بل تمتد إلى صباح المولد النبوي الشريف، حيث تستيقظ البيوت على رائحة "الزريرة" العنابية، أو ما يُعرف في عدة ولايات أخرى بـ "التقنتة"، وهي حلوى تقليدية فاخرة، مصنوعة من القمح أو المكسرات وبعض الحبوب المطحونة، وتُعد بدقة باستخدام "زبدة العرب" والعسل. 

ونتيجة للإقبال الكبير على هذا الطبق الصباحي، تعرف محلات بيع "الروينة" الخاصة بـ«الزريرة"، طوابير غير منتهية من المواطنين الذين يتوافدون بكثرة، لاقتناء أفضل أنواع المكونات. وإلى جانب "الزريرة"، تحرص الأسر العنابية على تحضير "الطارطا"، وبعض الحلويات الحديثة والتقليدية التي تزيد من جمال القعدة العنابية، وتكمل فرحة الصباح.

إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في ولاية عنابة، يمثل تجسيدا حيا للتلاحم الأسري، والتمسك بالهوية الوطنية والتراث الشعبي والروحي. تبقى عنابة بعاداتها الفريدة، من التحضيرات المسبقة في الأسواق، إلى أجواء المساجد العامرة ولمة العائلة والجيران حول أطباق "الشخشوخة" وطاولة الحناء و«الزريرة" الصباحية، نموذجا راقيا لكيفية امتزاج الفرح الديني بالأصالة العنابية، ليظل هذا اليوم منهاج يضيء القلوب بالبهجة والمحبة كل عام.