جعل من الدبلوماسية امتداداً للثورة

محمد الصديق بن يحيى.. رجل دولة حتى في لحظات الألم

محمد الصديق بن يحيى.. رجل دولة حتى في لحظات الألم
المجاهد الشهيد محمد الصديق بن يحيى
  • 4
بقلم:  المجاهد صالح قوجيل بقلم: المجاهد صالح قوجيل

وكان المجاهد الشهيد محمد الصديق بن يحيى، وفياً لقيم الجزائر حتى وهو يصارع آثار الحادث، ولهذا لم يكن غريباً أن يكون أيضاً رجل التوافق بامتياز (un homme de synthése)

ولعل ما يؤكد المكانة التي كان يحظى بها محمد الصديق بن يحيى، في الساحة الدولية تلك الحادثة التي قلّ ما يتوقف عندها النّاس رغم دلالتها العميقة.

فخلال فترة علاجه في باريس بعد حادث الطائرة الذي تعرض له في مالي، أوفد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، مبعوثاً خاصاً برتبة سفير متجوّل كان يحمل رتبة جنرال، للاطمئنان على حالته الصحية... وقد استوقفني هذا الأمر كثيراً في حينه، لأنه لم يكن مجرد تصرف بروتوكولي عابر، بل كان تعبيراً عن الاحترام والتقدير اللذين اكتسبهما الرجل لدى أعلى دوائر القرار الدولي... فالدول قد تختلف في المصالح والمواقف لكنها لا تختلف في تقدير الرجال الكبار.

لقد كان محمد الصديق بن يحيى، واحداً من أولئك الرجال الذين نجحوا في أن يفرضوا احترامهم على الجميع بفضل نزاهتهم ومصداقيتهم ووفائهم لكلمتهم، وقد أدركت يومها أن ما حققه لم يكن نجاحاً دبلوماسياً عابراً، بل كان رصيداً من الثّقة الدولية بنته الجزائر عبر سنوات طويلة، وكان هو أحد أبرز صنّاع ذلك الرصيد وأحد أكثر من جسّدوه في سلوكهم وممارستهم اليومية.

وليس من قبيل المصادفة أن يبعث رئيس أكبر قوة في العالم من يطمئن على صحته، بينما كان هو ـ كما عرفته دائماً ـ يفكر في الجزائر أكثر مما يفكر في نفسه، وينشغل بمصالح وطنه وعلاقات بلاده أكثر مما ينشغل بآلامه الشخصية. 

وتلك في تقديري إحدى السمات التي صنعت فرادة محمد الصديق بن يحيى، وجعلت منه رجل دولة بالمعنى النّبيل للكلمة.

لقد عملت معه في الحكومة وشهدت شخصياً العديد من النّقاشات المتعلقة بقضايا وطنية ودولية معقّدة.

وكان أمراً لافتاً أن الرجل كلما ازدادت الملفات تعقيداً ازداد هدوءاً.

وكلما تباعدت الآراء استطاع أن يجد الطريق الذي يجمع بينها.

لم يكن يبحث عن الانتصار لرأي شخصي وإنما كان يبحث عن الانتصار للمصلحة الوطنية.

كان يمتلك تلك الموهبة النّادرة التي تجعل من الخلاف مدخلاً إلى الحل، لا سبباً للانقسام، وعندما انتقل إلى مهمته الأخيرة للوساطة بين العراق وإيران، كان يحمل الرسالة نفسها التي حملها طوال حياته: رسالة السلام.

ذهب باسم الجزائر، وباسم مبادئها وباسم تاريخها في نصرة الحوار وتقريب وجهات النّظر.

كان يعلم أن المهمة صعبة لكنه كان يؤمن بأن الجزائر التي ولدت من رحم الكفاح لا يمكن أن تكون إلا في صف السلم والعدل والتقريب بين الشعوب. 

وأجد نفسي، كلما استحضرت تلك المهمة الأخيرة، أعود بذاكرتي إلى الأيام التي أعقبت استشهاده واستشهاد أعضاء الوفد المرافق له في الثالث من ماي 1982.

فقد كلّفت آنذاك برئاسة لجنة التحقيق التي أوكلت إليها مهمة متابعة ظروف وملابسات سقوط الطائرة الجزائرية التي كانت تقل وزير الشؤون الخارجية محمد الصديق بن يحيى، ورفاقه وهم يؤدون واجباً وطنياً ودبلوماسياً بالغ الحساسية في إطار الوساطة الجزائرية الرامية إلى وضع حد للحرب العراقية ـ الإيرانية.

وكان ذلك التحقيق من أصعب الملفات التي تعاملت معها في حياتي السياسية، ليس فقط بسبب هول الفاجعة التي أصابت الجزائر، وإنما أيضاً بسبب طبيعة الظروف الإقليمية والدولية المعقّدة التي أحاطت بالحادث.

وفي إطار هذه المهمة تنقلت إلى عدد من العواصم والتقيت مسؤولين معنيين بالملف، وكان من بين تلك اللقاءات لقائي بالرئيس العراقي صدام حسين، حيث طرحت مختلف الأسئلة المرتبطة بالحادث واستمعت إلى ما قدم من معطيات وتفسيرات بشأنه.. الرئيس العراقي آنذاك لم يجد ما يقوله بخصوص إسقاط طائرة الفقد محمد الصديق بن يحيى، التي ثبت أن الصاروخ الذي أسقطهان تم إطلاقه من الأراضي العراقية..لقد قال لي صراحة : "في هذا الموضوع أنا أدعوكم إلى أن تعيروا اهتماما بالغا للعلاقات التاريخية بين الشعبين العراقي والجزائري"، كما ان هذا اللقاء كان سانحة للرئيس العراقي للحديث عن مشاركته في دعم الثورة الجزائرية حين كان طالبا زمنها في القاهرة...

غير أن ما ترسخ لدي مع مرور الزمن هو أن هذه القضية لم تكن حادثاً عادياً في سجل الطيران أو مجرد واقعة عابرة من وقائع الصراعات الإقليمية، بل كانت قضية تمس الجزائر نفسها، وتمس دورها ومكانتها ومساعيها لإحلال السلم في منطقة كانت تعيش واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخها المعاصر.

ولذلك فإنني ما زلت أعتقد أن هذا الملف يحتفظ ببعض نقاط الظل التي لم تكشف كل أسرارها بعد. 

وقد تكون الوثائق المتاحة اليوم غير كافية للإجابة عن جميع التساؤلات التي طرحت آنذاك، لكن المؤكد بالنسبة إلي أن محمد الصديق بن يحيى لم يفقد حياته في مهمة دبلوماسية عادية، بل استشهد وهو يحمل رسالة الجزائر إلى طرفي نزاع أنهك المنطقة وأرهق شعوبها.

ومن هذا المنطلق، فإن استشهاده واستشهاد رفاقه لا يمثلان مجرد خسارة مؤلمة لأسرهم أو لرفاقهم، بل يشكلان صفحة من صفحات الذاكرة الوطنية الجزائرية المرتبطة بالدفاع عن السلم وعن استقلال القرار الوطني وعن الدور الذي اختارته الجزائر لنفسها في محيطها الإقليمي والدولي.لقد كان محمد الصديق بن يحيى يومها في مهمة سلام، وكان يحمل أملاً في تقريب وجهات النظر وإخماد نيران الحرب، ولذلك فإنني أنظر إلى استشهاده باعتباره استشهاد رجل دولة ظل وفياً لرسالته حتى اللحظة الأخيرة من حياته، واستشهاد أحد أبناء الجزائر الذين جعلوا من خدمة الوطن قضية عمر كاملة لا تنتهي إلا بانتهاء العمر نفسه، لقد سقطت الطائرة في سماء المنطقة، لكن القضية بقيت معلقة في ضمير الأمة، لأن ما استهدف يومها لم يكن مجرد وفد دبلوماسي، بل كان أيضاً صوت الجزائر وهي تسعى إلى إيقاف الحرب وإعلاء منطق السلام

وكم يبدو القدر معبراً عندما نستحضر أن الرجل الذي نجا من حادث مالي، وعاد يومها إلى وطنه محمولاً على محبة الجزائريين، سيعود بعد سنوات قليلة شهيداً وهو يؤدي مهمة سلام جديدة. ولازلت إلى اليوم عندما سافرت إلى طهران لمرافقة جثمانه وجثامين رفاقه في رحلتهم الأخيرة الى الجزائر، أتذكر ذلك المشهد الجنائزي المهيب الذي أقامته السلطات الإيرانية للفقيد قبالة مبنى مجلس الشورى الإسلامي الإيراني.

لقد نجا من الموت وهو يعمل من أجل تعزيز العلاقات بين الأشقاء، واستشهد وهو يسعى إلى إطفاء نار حرب بين شعبين مسلمين...وكأن حياته كلها كانت تجسيداً لرسالة الجزائر نفسها: بناء الجسور حيث ترتفع الجدران، وإعلاء صوت الحوار حيث ترتفع أصوات المدافع...لقد كان استشهاد محمد الصديق بن يحيى خسارة كبيرة للجزائر، لكنه كان أيضاً شهادة جديدة على المكانة التي بلغها هذا الرجل في العالم...فقد نعته دول وقادة وشعوب باعتباره رجل سلام ورجل دولة ورجل حوار. 

وإذا كان استحضار محمد الصديق بن يحيى وفاء لذاكرة رجل استثنائي، فإنه يظل أيضاً مناسبة للتأمل في مسار الجزائر التي ناضل من أجلها هو وجيله من المجاهدين والمناضلين...فالرجال الكبار لا تقاس قيمتهم بما أنجزوه في زمانهم فقط، وإنما أيضاً بقدرة الأجيال اللاحقة على صون ما دافعوا عنه وتطويره ومواصلة البناء عليه.

وعندما نستحضر اليوم القيم التي جسدها محمد الصديق بن يحيى؛ من سيادة وطنية، واستقلال في القرار، ووفاء للدولة، وإيمان بقدرة الجزائر على الاضطلاع بدور مؤثر في محيطها الإقليمي والدولي، فإننا نجد أن الجزائر تواصل منذ سنة 2019 مساراً متجدداً لإعادة بناء مقومات الدولة الوطنية وتعزيز حضورها ومكانتها.

فقد شهدت البلاد، تحت قيادة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، ورشات إصلاح عميقة مست مختلف جوانب الحياة الوطنية، انطلاقاً من إعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة وتعزيز شرعيتها الدستورية، مروراً بمراجعة الإطار الدستوري والتشريعي، وتدعيم استقلالية المؤسسات، وتحديث آليات الحوكمة العمومية، وصولاً إلى تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ومواجهة مختلف أشكال الفساد والانحراف في التسيير الإداري والمالي والمؤسساتي، ومعهم إيلاء ملف الذّاكرة العناية التي تليق بالجزائر وشعبها من أجل صونها والارتقاء بها كأحد أهم ضمانات المستقبل الواعد المنشود.

ولم تكن هذه الجهود مجرد إجراءات ظرفية، بل جاءت ضمن رؤية شاملة تهدف إلى توجيه بوصلة الجزائر نحو المستقبل، وترسيخ دولة عصرية تستند إلى الشرعية الشعبية وقوة المؤسسات وسيادة القانون.

وقد شكل تجديد الشعب الجزائري ثقته في رئيس الجمهورية، خلال الاستحقاق الرئاسي لسنة 2024، تأكيداً على مواصلة هذا المسار، وعلى الإرادة الجماعية في استكمال مشروع التحديث الوطني وتعزيز المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية.

فعلى المستوى الخارجي، فقد استعادت الدبلوماسية الجزائرية زخماً وحضوراً يعكسان المكانة التاريخية للجزائر ودورها التقليدي في الدفاع عن السلم والحوار وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

ولعل المتأمل في هذه المسيرة يدرك أن الخيط النّاظم بينها وبين الإرث النوفمبري الخالد ومنه إرث رجال من طراز محمد الصديق بن يحيى، هو خيط واحد يتمثل في الإيمان بالدولة الوطنية القوية، والسيادة المستقلّة والدبلوماسية الفاعلة، والتنمية المرتكزة على خدمة المواطن وصون المصالح العليا للوطن.

لقد تغيرت الظروف وتبدلت التحديات لكن جوهر الرسالة بقي واحداً: بناء جزائر قوية بمؤسساتها، واثقة في قدراتها، مستقلة في قرارها، حاضرة في محيطها، ومتمسكة بالمبادئ التي دفع من أجلها جيل نوفمبر أغلى التضحيات... والجزائر الجديدة المنتصرة بقيادة رئيس الجمهورية، السيّد عبد المجيد تبون، تعكس اليوم ذلك في جميع تجلياتها وحولياتها.

إن استحضار محمد الصديق بن يحيى، اليوم ليس مجرد وفاء لرجل رحل، بل هو وفاء لقيم جسّدها طوال حياته.

قيم السيادة الوطنية.

وقيم استقلال القرار.

وقيم نصرة القضايا العادلة.

وقيم جعل الجزائر دائماً في الجانب الصحيح من التاريخ.

رحم الله الأخ المجاهد محمد الصديق بن يحيى.

ورحم رفاقه الذين استشهدوا معه.

وسيظل اسمه واحداً من الأسماء الخالدة في سجل الجزائر، وواحداً من الرجال الذين جعلوا من الدبلوماسية الجزائرية مدرسة قائمة بذاتها، ومن خدمة الوطن رسالة عمر لا تنتهي.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.

تحيا الجزائر.

(انتهى)