قوى خارقة أم مجرد حواس طورتها البيئة الصحراوية ؟
نظرة ثاقبة وخفة في الحركة ميزة الرجل الترقي
- 5696
نور الهدى بوطيبة
رجل الصحراء، الرجل الأزرق، الرجل الملثم، أو التماشق، ايموهاك وغيرها من تسميات أطلقت على الرجال الطوارق، التي أخذت بدورها من تاركة، نسبة لوادي بفزان منطقة متواجدة في ليبيا، هؤلاء الرجال الذين تطورت لديهم حواس تدهش الغريب عن تلك الثقافة، بحكم الطبيعة التي يعيشون فيها، نشأت لديهم مواهب إذ صح وصفها كذلك، مكنتهم من التأقلم مع طبيعتهم التي تمزج بين القساوة والشجاعة والخلو في مكان شاسع وسط الصحراء الكبرى.
ظل الطوارق منذ القدم خبراء هذه الصحراء الكبرى العارفين بمسالكها المؤمنين لحركة القوافل بها، وقد أعانهم على ذلك صبرهم وشجاعتهم ومعرفتهم بأماكن الماء وإتقانهم الاهتداء بالنجوم، اختصوا في منطقة الهقار بتوليهم مناصب في السياحة، حيث اختص بعضهم كمرشدين سياحيين لمعرفتهم الواسعة بأسرار تلك الصحراء الواسعة.
أدهشتنا خلال رحلتنا إلى منطقة تمنراست، وبالتحديد منطقة الطاسيلي الأهقار، قوة "حواس" هؤلاء الذين يتميزون بالهدوء المتناغم مع تلك الطبيعة، يبدو للجالس رفقتهم أنهم رجال "خفاء" لا تدرك تواجدهم معك نظرا لخفة أصواتهم وبساطة تصرفاتهم اللطيفة، بحركات سلسة وسريعة في آن واحد، لا يرجعون إلى التكنولوجيا إلا قليلا، وكيف لهم ذلك وهم يعيشون في منطقة لا شبكة تواصل فيها، يهتدون بالنجوم لإيجاد مسالكهم وسط صحراء شاسعة يتشابه "ديكورها"، لا ترحم الغريب عنها فهنا يبرز دور ذلك الرجل الأزرق الذي يعود إليه السائح لإيجاد طريقه بكل سهولة.
قادنا عدد من هؤلاء الطوارق في رحلة إلى قلب الصحراء، استعان هؤلاء بالنجوم للوصول إلى وجهتهم المحددة، أثارنا حينها الفضول للتعمق في أسرار هؤلاء الرجال الذين رغم قلة حديثهم إلا أنهم يتميزون بشجاعة وحماس كبيرين، اقتربنا من أحدهم الملقب بـ"لخضر"، تخصص في قيادة السيارات رباعية الدفع التابعة للوكالات السياحية بتلك المنطقة، الذي يعمل كمرشد سياحي يقود جولاته السياحية بين مختلف المعالم السياحية لتلك المنطقة.
حدثنا لخضر عن عمله قائلا: "لقد ورثت هذه المهنة عن أبي الذي علمني أساليب "القيادة السياحية" والتي لها قوانين دقيقة تحكمها، متمثلة في تعلم كيفية ضمان الراحة التامة للسائح.
وعن أهم تلك القوانين، يقول لخضر للقيادة السياحة ثلاث قواعد رئيسية، وهي عدم السير خلف سيارة أخرى في الصحراء التي تتميز بطبيعة رملية، حيث سيؤدي ذلك إلى تناثر الرمال وحجب الرؤية وسيزعج السياح الراكبين في السيارة الخلفية، فلابد من كل سائق أن يتخذ مسلكا مغايرا يكون بالموازاة مع مختلف السيارات، ومن الشروط الأخرى، يقول لخضر بضرورة عدم تجاوز القائد الرئيسي الذي يكون سائق أول سيارة ولابد من تتبعه والتركيز على اتباع نفس سرعته حتى لا يضل أي واحد وتبقى السيارات متتالية، تخرج عادة على شكل وفد على نفس المستوى..
وعن الشرط الثالث، يقول لخضر؛ لابد من معرفة طبيعة الصحراء وتعلم السياقة فيها، مشيرا إلى أنه حتى وإن كانت السياقة فيها تبدو سهلة لشساعة المكان، إلا أنها في حقيقة الأمر تخفي حواجز غير مرئية لا يعرفها إلا صاحب الخبرة ، فبطبيعتها قد يقع السائق في نوع من "العروق" التي تسمى "المقطع" تكون حادة كالسيف، يمكن أن تؤدي إلى انقلاب السيارة إذا لم يخفف السائق السرعة عند المرور عليها، وهي مسالك الوديان الجافة تشبه نوعا ما المطبات الخطيرة.
ويضيف الرجل الترقي أن قيادة السيارات رباعية الدفع من أكثر الأشياء التي تثير الرجل في تلك المنطقة، وحسن قيادتها دلالة على قوة وحكمة الرجل، ويعد من العار بالنسبة للرجل الأزرق أن تنغرس سيارته في الرمال، ويتم ذلك عادة عندما تشتد الحرارة، مما يجعل الرمال تتميز في تلك الفترة بالمرونة وتصبح لزجة ما يسهل وقوع السيارات وسطها، ولابد أن يعرف السائق المسالك التي يجتازها حتى يتفادى الوقوع فيها، وإذا وقع أحدهم فيها سيصبح موضوع البقية الذين يسخرون منه ولا يفتخرون به.
يقول التماشق بأن السير في الصحراء يتطلب تركيزا قويا، هذا يدفعنا إلى التأمل فيما حولنا خلال السياقة لحفظ مسالكنا وكل تفصيل فيها، يدفعنا الأمر أحيانا إلى وضع علامات عبر الطرق والمسالك، بوضع حجارة فوق بعضها لتشكيل "معلم" يوضح الطريق ويسمح للسائق بمعرفة مسلكه الذي لا يغيب عن المتجول في الصحراء ملاحظة من فينة إلى أخرى سلسلة من الحجارة والصخور الموضوعة واحدة فوق الأخرى كتعاليم تلك النقطة، ولكل سائق معالمه الخاصة، كما أنه يستعين أيضا بمعالم غيره لإيجاد طريقه، أما في الليل فيستعين الرجل الأزرق بالنجوم التي تجده يفقه مواقعها لمعرفة الشمال من الجنوب وشرقه من غربه حتى لا يضل عن مسلكه، كل هذا ينمي لدى رجل الصحراء النظر حتى خلال الليل، مما يجعله يتميز بالنظر "الثاقب" يمكنه رؤية نقطة محددة على بعد أمتار عديدة بكل وضوح، دون الاستعانة بضوء اصطناعي وإنما يكتفي بضوء القمر، يقول لخضر في هذا الخصوص، إن تلك الحواس التي يصفها البعض بالمواهب يكتسبها الرجل الترغي خلال احتكاكه لفترة طويلة بظروف تلك الطبيعة.
وأكد محدثنا أن الصحراء يسهل الضياع فيها، هذا ما يدفع الرجل الذي يخرج وحده إلى الصحراء إلى تحديد موقعه قبل الانطلاقة ويحدد الهدف الذي يريد الوصول إليه، ويوصي عددا من الرجال إلى الخروج للبحث عنه، إذا لم يظهر بعد أيام محددة، مثلا ثلاثة أيام أو أسبوع حسب الحاجة التي تدفعه إلى الخروج في تلك الرحلة.
المرشد السياحي في ولاية تمنراست ...مهنة يتوارثها الأبناء عن الآباء
يعتبر عمل المرشد السياحي في ولاية تمنراست مهنة يتوارثها الأبناء عن الآباء، تكاد تكون مفروضة على الشاب الذي يبلغ سن 15 أو 16 سنة، فهي المرحلة التي ينطلق فيها ذلك المراهق رفقة أبيه أو أعمامه لتعلم أسرار المرشد السياحي، ذلك العمل يمثل بالنسبة للطوارق مصدر رزق من جهة، وكذا أمانة متمثلة في نقل تاريخ الوطن والكشف عن مزاياه بطريقة سليمة من جهة أخرى.
كما يشير إليه مصطلح "مرشد" سياحي، فدور هذا الأخير يتمثل في إرشاد السائح، وهو المصطلح الذي يستعمل دائما في الأماكن ذات المعالم السياحية حول العالم، لتجد هذه المهنة "الحرة" أهمية بارزة بالنسبة للسائح الذي يريد اكتشاف تفاصيل المنطقة التي يزورها.
إن نجاح الرحلة السياحية لا يتم إلا بفضل عمل هذا المرشد، فله دور كبير في إعطائها طابعا ثقافيا يرتكز على معرفة معلومات وحقائق تغني ذاكرة السائح وثقافته العامة، لتشكل بذلك صورة كاملة تجمع بين مشاهد حية ومعلومات موثقة وصحيحة تساعد على ترسيخها في المخيلة، بتقديم وصف مفصل للوجهة المقصودة ومنح السائح إمكانية عيش تجربة كاملة دقيقة.
حول هذا الموضوع، حدثنا السيد محمد زونقة، المدير العام لشركة "أكار أكار للخدمات والسياحة الصحراوية" بولاية تمنراست، وصاحب أكبر فندق ذي خمس نجوم في أقصى جنوب الجزائر، الذي قال لنا بأن وكالة "أكار أكار" التي كانت ملكا لأبيه هي أول وكالة سياحية في القطاع الخاص في الجزائر، حيث أسسها والده المرحوم مختار زنقة سنة 1970، وهي الفترة التي كانت السياحة الصحراوية شبه معدومة في تلك المنطقة، حيث كانت تقتصر على بعض الأجانب الذين كانوا يقصدون المنطقة لتمضية إجازة من بضعة أيام فقط ضمن برنامج عشوائي غير مؤطر.
وأضاف المتحدث أن أباه كانت له فكرة تأسيس وكالة تشبه وساطة بين السائح والمنطقة المقصودة، بعدما تم الكشف عن العديد من المواقع البعيدة في الصحراء بفضل تنقله وسط جبال وكثبان وصخور الصحراء رفقة صديق له، كان قائدا للقوافل التي تسافر إلى بلدان إفريقيا كالنيجر ومالي وغيرها لنقل البضاعة على الجمال، تبادرت لديهم فكرة معرفة المنطقة وتعليمها، تسميتها، ثم إنتاج منتوج لتلك المنطقة والبحث عن وسيلة لتسويق السياحة فيها.
وفي هذا الخصوص، أكد محمد زونقة أن مهنة المرشد السياحي تتناقل من الجد إلى الأب ومن الأب إلى الابن، حتى تبقى مهنة عائلية، ذلك ليس احتكارا للمهنة أو منع الغريب من احترافها وإنما هي فقط وسيلة لتبليغ "الرسالة" في كل مرة، فالصحراء شاسعة ولا يمكن معرفتها جيدا إلا بعد تمضية سنوات طويلة فيها، الأمر الذي يجعل سكانها يعرفونها عن ظهر قلب، فالغريب فيها يمكن له أن يتيه بكل بساطة، فهذا ما يجعل مهنتنا ننقلها بين أفراد الأسرة، أي نعلم أبناءنا وننصحهم بسبل التعامل مع السائح وكيفية الكشف له عن تاريخ تلك المنطقة ونبرز جمالها وتدفعه إلى الرغبة في زيارتها مرة بعد أخرى..
العديد من السياح يرغبون في اكتشاف البلد المقصود أو الوجهة السياحية التي يزورونها دون التقيد بمرشد عادة ما يكون له برنامج خاص لزيارة مناطق محددة، يقول السيد زونقة، إلا أنه في الصحراء وبالتحديد في سلسلة جبال طاسيلي الهقار، أو طاسيلي تيناغرهو، طاسيلي تيميساو، تافدست -سلسلة جبلية خاصة بالمتسلقين-، كلها مناطق تستدعي وجود المرشد حتى يساعد السائح على إيجاد طريقه والعودة إلى المدينة بعد انتهاء الرحلة، فعلى عكس المناطق الأخرى، تعد الصحراء كبيرة وليس فيها شبكة اتصال، فبمجرد الدخول في قلبها ينعزل الفرد كليا عن العالم..
ويقول محمد؛ لا تقتصر مهمة المرشد على مرافقة السياح وإرشادهم إلى الأماكن السياحية المهمة والمعالم الأثرية والتاريخية والمتاحف وإعطائهم معلومات عنها، وإنما يساهم أيضا في إعطاء الصورة الحسنة عن بلاده، خاصة أن السائح قد يمضي أياما في البلد المقصود من دون أن يتعرف أو يتواصل مع أشخاص آخرين بحكم عدم معرفتهم نفس اللغة أو بعد المسافات، مثلما هو الحال في الصحراء.
لقد أمضى جد محمد زونقة شبابه وحياته في قيادة القوافل في الهقار، مما جعله يعرف تلك المنطقة جيدا، نقل أسرارها إلى ابنه الذي يعد والد محمد، ثم انتقلت إلى الأبناء، وأهم شيء يتعلمه المرشد السياحي منذ صغره على أيادي معلميه، يقول محمد زونقة، هي طريقة استقبال السائح فاحترافية العمل تعتمد على هذا الأساس، مضيفا أن 80 بالمائة من اقتصاد المنطقة معتمد على القطاع السياحي وبالتحديد على خدمة الوكالات السياحية والمرشدين، فهذا حسب زونقة سيدفع بالمهنيين في هذا القطاع إلى وضع لوجستيك وإستراتيجية فعالة لتأطير هذا القطاع في المنطقة بتقديم دورات تكوينية لصالح المرافقين وتصنيف الوكالات حسب قدراتهم وبرامجهم لتحسين نوعية خدماتهم.