جمالٌ جزائريٌّ لم يكتشفه الكثيرون
حمام قرقور.. هنا تجتمع الطبيعة الأخّاذة بحرارة المياه الساخنة
- 106
نورالدين العابد
في قلب الطبيعة الخلابة شرق الجزائر العاصمة وعلى بعد حوالي 50 كيلومترًا شمال ولاية سطيف، يتربع مركّب حمام قرقور كواحد من أبرز الوجهات السياحية العلاجية التي تجمع بين سحر الطبيعة وخصائص المياه المعدنية الشفائية. هذا المكان الذي ظل لسنوات طويلة مقصدًا للباحثين عن الراحة والاستجمام، أصبح، اليوم، رمزًا من رموز السياحة الداخلية في الجزائر، ووجهة مفضلة للعائلات والمرضى والسياح على حد سواء.
يقع حمّام قرقور في منطقة جبلية تحيط بها الغابات الكثيفة، حيث تلتقي زرقة السماء بخضرة الأشجار، في لوحة طبيعية تأسر الزوار منذ اللحظة الأولى، حيث يمنح الطريق المؤدي إلى المركّب إحساسًا تدريجيًا بالابتعاد عن صخب المدن، والدخول في عالم من الهدوء والسكينة. كما إن قربه من وادي بوسلام وخرير مياهه التي لا تنضب طوال السنة، يضفي على المكان لمسة جمالية إضافية؛ حيث تتناغم أصوات المياه مع نسمات الهواء النقي. هذا الموقع الاستراتيجي جعل من حمّام قرقور نقطة جذب سياحي ليس فقط لسكان المنطقة، بل أيضًا للزوار القادمين من مختلف ولايات الوطن، وحتى من الخارج.
تاريخ عريق وجذور قديمة
يرجع تاريخ استغلال المياه المعدنية في حمام قرقور إلى العهد الروماني، حيث كانت المنطقة تُعرف بخصائصها العلاجية منذ آلاف السنين. وقد اكتشف الرومان أهمية هذه المياه في علاج العديد من الأمراض، فقاموا ببناء حمامات تقليدية لاتزال بعض آثارها قائمة إلى اليوم. ومع مرور الزمن تطورت هذه المنشآت، لتتحول إلى مركّب عصري يواكب متطلبات السياحة الحديثة دون أن يفقد طابعه التاريخي الأصيل.
خصائص المياه المعدنية
تُعد المياه المعدنية في حمام قرقور ـ يقول الدكتور محند أعمر صباح، طبيب مختص في العلاج بالمياه الساخنة يشتغل بالمركّب ـ من أهم عوامل الجذب، إذ تتميز بتركيبة كيميائية فريدة وغنية بالمعادن؛ مثل الكبريت والكالسيوم والمغنيسيوم. وتنبع هذه المياه بدرجات حرارة مرتفعة، تصل أحيانًا إلى 40 درجة مئوية، ما يجعلها مثالية للعلاج الطبيعي.
وأضاف في تصريح لـ«المساء" أن لهذه المياه فوائد عديدة، منها علاج الأمراض الجلدية مثل الأكزيما والصدفية، والتخفيف من آلام المفاصل والروماتيزم، وتحسين الدورة الدموية، والمساعدة في الاسترخاء، والتخلص من التوتر؛ ولهذا السبب يقصد المركّب آلاف المرضى سنويًا؛ بحثًا عن الشفاء، أو للتخفيف من معاناتهم.
مرافق عصرية وخدمات متنوعة
شهد مركّب حمام قرقور في السنوات الأخيرة، عمليات تحديث وتوسعة، حيث تم تزويده بمرافق عصرية تلبي احتياجات الزوار. ويضم المركّب عدة أحواض استحمام فردية وجماعية، إضافة إلى قاعات مخصصة للعلاج بالبخار والتدليك. وأكد مدير المركب بلقاسم برحال، أن الوحدة تحتوي على فندق مجهز بمختلف وسائل الراحة، ومطاعم تقدم أطباقًا تقليدية ومحلية، ومساحات خضراء للاسترخاء، ومرافق ترفيهية للعائلات والأطفال، مؤكدا أن هذا التنوع في الخدمات جعل من المركب وجهة متكاملة، تجمع بين العلاج والترفيه في آن واحد.
وكشف في تصريح حصري لـ "المساء"، أن حصيلة نشاط الوحدة شملت استقبال 313417 زبون من مختلف الفئات العمرية خلال سنة 2025، الذين استفادوا من خدمات راقية تستجيب لتطلعاتهم، مؤكدا حرص مصالحه على تقديم الأفضل؛ تنفيذا لتوجهات الوصاية الرامية الى إحداث وثبة نوعية في مجال السياحة والاستجمام.
وأفاد محدث "المساء" بأن عصرنة المركب من أولويات وزارة السياحة والصناعات التقليدية والحرف، مشيرا الى أن الشطر الأول من مشروع توسعة الوحدة، يتضمن إعادة تهيئة 38 بنغالو متضمنة غرف f1 وf2 وf3، وإعادة تأهيل 4 فيلات، مؤكدا أن التوسعة الجديدة تشمل 2 فيلات"V.I.P" مخصصة للشخصيات المميزة، وبناء حمّام جديد "أخام" يتكون من جناحين، الأول مخصص للنساء، والآخر للرجال، معززة بـ 26 حوضا مائيا في غرف فردية، و13 للنساء، والبقية للرجال، ومسبحين، فضلا عن غرفة للاسترخاء، ومرشات. ويتضمن حظيرة شاسعة للسيارات، ومطعما، وكافيتيريا، وكل المتطلبات الضرورية.
وأضاف المحدث أن الفندق الجديد يتضمن 48 غرفة، وحمّامات فردية وجماعية، تقدّم خدمات العلاج الطبيعي "الفيزيو تيرابي "، و"البالنيو تيرابي"، مشيرا إلى أن بعض الفيلات مستغلة منذ 2021. وبعد الانتهاء من تهيئة البنغالو"Bungalow شُرع في توسعة تتعلق ببناء 2 فيلات جديدة"vip"، وتوسعة الحمّام الجديد الذي بلغت نسبة أشغاله حوالي 90 بالمائة. وتبقى -حسبه - 10 بالمائة تتعلق بالربط بمختلف الشبكات، ومياه الحمّام، ومياه الشرب، والكهرباء، وتهيئة الفضاءات المحيطة بتلك المرافق، منها الحظيرة وعمليات التشجير. ولفت إلى أن المشاريع المبرمجة تتضمن إنجاز ملعب لكرة القدم يستجيب للمواصفات الرياضية والتقنية.
وسيكون مغطى بالعشب الطبيعي، وملعبين للتنس، وفضاءات للكرة الحديدة. ومن المنتظر أن يُستغل لفائدة الفرق الرياضية من كل المستويات. وقال إن فئات مختلفة من الزبائن منهم مؤمَّنون اجتماعيا، قادمون لفترة نقاهة تدوم 21 يوما. والتكفل بهم من قبل صندوق الضمان الاجتماعي، والزبائن القادمون عن طريق الخدمات الاجتماعية لمؤسسات "سوناطراك"، و"نفطال"، ومصالح الأمن، مشيرا إلى العديد من الاتفاقيات بين المركب والبنوك والشركات الوطنية العمومية والخاصة. وهناك زبائن أحرار معتمدون على أموالهم الخاصة، فضلا عن زبائن أحرار، من بينهم قاطنون بجوار المركّب، يلجأون لخدمات الوحدة للعلاج بإمكانياتهم الخاصة.
تجربة الزوار
عند التجول داخل المركب يمكن ملاحظة التنوع الكبير في الزوار، من كبار السن الذين يبحثون عن العلاج، إلى الشباب والعائلات الذين يقصدون المكان للاستجمام. وتتنوع اللغات واللهجات التي تُسمع في أرجاء المكان؛ ما يعكس طابعه السياحي المفتوح. ويصف أحد الزوار قدِم من عين الروى، تجربته قائلاً: "عندما تدخل حمّام قرقور تشعر وكأنك في عالم آخر؛ حيث تمنحك المياه الدافئة إحساسًا بالراحة لا يوصف! والطبيعة المحيطة تساعدك على نسيان كل الضغوط ".
وقالت السيدة رجاح حليمة القادمة من مدينة برج بوعريريج والبالغة من العمر 80 سنة، إنها قضت أسبوعا كاملا بالمركب لعلاج أوجاع الفصال العظمى؛ إذ تشكو "الأرطروز" بحوضها، والروماتيزم برقبتها، حيث تعافت بشكل مقبول. وتأمل في تكفل من قبل صندوق الضمان الاجتماعي لمدة 21 يوما، منوهة بحسن الاستقبال بهذا المركب، والفحوصات الطبية الجيدة التي يقوم بها الطبيب بهذا المرفق.
دور اقتصادي وسياحي مهم
لا يقتصر دور مركّب حمام قرقور على الجانب الصحي فقط، بل يساهم، بشكل كبير، في تنشيط الاقتصاد المحلي، إذ يوفر فرص عمل للسكان سواء داخل المركب، أو في الأنشطة المرتبطة به، مثل النقل، والتجارة، والخدمات. كما يساهم في دعم السياحة الداخلية في ظل توجه الدولة إلى تشجيع هذا القطاع، وتنويع مصادر الدخل الوطني.
تحديات وآفاق مستقبلية
رغم كل هذه المميزات يواجه المركب بعض التحديات، من بينها الحاجة إلى مزيد من الترويج السياحي، وتحسين البنية التحتية في الطرق المؤدية إليه، وتطوير الخدمات لتواكب المعايير الدولية. ومع ذلك فإن الآفاق المستقبلية تبقى واعدة، خاصة مع تزايد الاهتمام بالسياحة العلاجية على المستوى العالمي. ويبقى حمام قرقور أكثر من مجرد مركب سياحي، فهو تجربة متكاملة تجمع بين العلاج الطبيعي، والراحة النفسية، وجمال الطبيعة، وهو مكان يعكس ثراء الجزائر الطبيعي والتاريخي، ويؤكد أن السياحة يمكن أن تكون جسرًا بين الماضي والحاضر، وبين الإنسان وبيئته.
التأهيل الوظيفي يوفر علاجات الروماتيزم والحوادث المختلفة
أفاد قطوش توفيق، رئيس مصلحة الحمّامات والعلاج الفيزيائي بالمركب المعدني حمام قرقور في تصريح لـ "المساء"، بأن قاعة التأهيل الوظيفي توفر علاجات الروماتيزم والحوادث المختلفة، مشيرا الى أهمية التأهيل العضلي قبل التأهيل الحركي. وقال إن خصائص مياه المركّب المتميزة بالإشعاع العلاجي تضاف لها الحركات الرياضية، تعطي نتائج طيبة للمرضى من مختلف الفئات العمرية.
وفي ظل الإمكانيات الكبيرة التي يزخر بها هذا الموقع يمكن القول إن حمام قرقور يمتلك كل المقومات، ليصبح وجهة عالمية في مجال السياحة العلاجية إذا ما تم استغلاله وتطويره بالشكل الأمثل. إن زيارةً واحدة إلى هذا المكان كفيلة بأن تترك في النفس أثرًا لا يُنسى، وتجعل الزائر يفكر جديًا في العودة مرة أخرى، ليس فقط للعلاج، بل لاكتشاف جزء من جمال الجزائر، الذي لايزال خافيًا عن الكثيرين.