من باندونغ إلى "الهلال الأزرق"

أنيس ماتا يستحضر ذاكرة التقارب الجزائري الإندونيسي وآفاقه

أنيس ماتا يستحضر ذاكرة التقارب الجزائري الإندونيسي وآفاقه
  • 120
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

بين الجزائر وإندونيسيا مسافة جغرافية طويلة، تفصل شمال إفريقيا عن أرخبيل، يمتد في قلب جنوب شرق آسيا، غير أن المسافة لم تمنع البلدين من بناء مساحة مشتركة من الذاكرة والتقارب، صنعتها مراحل تاريخية، التقت فيها تطلعات شعبين عرفا معنى التحرر، ثم واصلا بعد الاستقلال، البحث عن مجالات جديدة للتعاون والتقارب، ومن هذه الذاكرة، التي بدأت في زمن مختلف، إلى العلاقات التي تتجه اليوم نحو الاقتصاد والاستثمار والتجارة والسياحة والتعليم والثقافة، تبدو العلاقة الجزائرية الإندونيسية أمام مرحلة تحمل الكثير من التطلعات.

في جاكرتا، كانت "المساء" أمام فرصة الوقوف على هذه الرؤية من داخل وزارة الخارجية الإندونيسية، خلال لقاء خاص مع نائب وزير خارجية جمهورية إندونيسيا، محمد أنيس ماتا، قائد الدبلوماسية الإندونيسية وتطوير العلاقات مع العالم الإسلامي، الذي تحدث عن موقع الجزائر في التصور الإندونيسي، في سياق العلاقات مع العالم الإسلامي، وعن الرغبة في توسيع الشراكة الثنائية لتتجاوز بُعدها السياسي والتاريخي، نحو مجالات اقتصادية وإنسانية أوسع.

الجزائر في قلب رؤية إندونيسية جديدة

منذ بداية الحوار الذي خص به جريدة "المساء"، وضع محمد أنيس ماتا العلاقة مع الجزائر، ضمن تصور أوسع لدى جاكرتا، لتعزيز صلاتها بالعالم الإسلامي، موضحا أن المسؤولية المرتبطة بملفات العالم الإسلامي، تعكس اهتمام إندونيسيا بتطوير علاقاتها مع الدول التي ترى فيها شركاء مهمين، وفي مقدمتها الجزائر، بالنظر إلى موقعها السياسي والاقتصادي ودورها في محيطها الإقليمي.

في هذا الإطار، تحدث عن رؤية إندونيسية، أطلق عليها اسم "الهلال الأزرق"، تقوم على بناء خريطة تجارية واقتصادية أوسع، تربط إندونيسيا بالعالم الإسلامي عبر المحيط الهندي، انطلاقا من الموقع الجغرافي لإندونيسيا، في أقصى شرق العالم الإسلامي، وما يتيحه ذلك من إمكانات للتواصل مع الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا الغربية والجنوبية. وأشار محدث "المساء"، إلى أن تسمية "الهلال الأزرق" ترتبط بشكل الطريق التجاري، الذي يتخذ منحنى يشبه الهلال عبر المحيط الهندي، مؤكدا أن هذا التصور يجعل عددا من الممرات البحرية ذات أهمية بالغة بالنسبة لإندونيسيا، وفي مقدمتها .مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس والبحر المتوسط 

ويرى ماتا، أن الممرات البحرية الكبرى، تمثل مسارات ذات أهمية في حركة التجارة بين إندونيسيا والعالم الإسلامي، مشيرا إلى أن حجم التجارة بين إندونيسيا والدول الإسلامية، يقدر بنحو 65 مليار دولار سنويا، ويبلغ حجم التجارة مع الجزائر نحو مليار دولار، وهو رقم يراه قابلا للنمو، بالنظر إلى الإمكانات التي تتوفر عليها البلدان. وتتجاوز الرؤية، بحسب حديثه، الجانب التجاري المباشر، إذ تنظر جاكرتا إلى الجزائر، باعتبار أنها شريك يمكن أن تتوسع معه مجالات الاستثمار، خاصة في الطاقة والأسمدة، إلى جانب قطاعات أخرى يمكن أن تفتح مستقبلا أمام المؤسسات والشركات من البلدين.

وأشار نائب وزير الخارجية الإندونيسي، إلى أن الاستثمارات الإندونيسية في الجزائر بلغت، وفق المعطيات التي عرضها خلال اللقاء، نحو مليار دولار، مع وجود رغبة في توسيعها، لتشمل مجالات جديدة، موضحا أن التعاون في الطاقة يرتبط أيضا بالعلاقات القائمة بين شركة "سوناطراك" الجزائرية، وشركة "برتامينا" الإندونيسية، في حين تظل مجالات الطاقات الجديدة والطاقة المتجددة والهيدروجين، وغيرها من المجالات المستقبلية، مفتوحة أمام التعاون.

ولا يتوقف التصور الاقتصادي عند حدود الجزائر، إذ يرى ماتا أن الجزائر، يمكن أن تكون أيضا مساحة تساعد المؤسسات الإندونيسية على الوصول بصورة أوسع إلى الأسواق الإفريقية، وفي المقابل، يمكن لإندونيسيا أن تفتح أمام المؤسسات الجزائرية، نافذة أوسع على أسواق جنوب شرق آسيا. في هذا السياق، توقف عند حجم السوق الإندونيسية، مشيرا إلى أن عدد سكان البلاد يقارب 290 مليون نسمة، وأن جنوب شرق آسيا يضم نحو 700 مليون نسمة، فيما يقدر الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة، بنحو أربعة تريليونات دولار، تستحوذ إندونيسيا، وفق الأرقام التي قدمها، على نحو تريليون ونصف التريليون دولار منها.

كما أشار، إلى أن الاقتصاد الإندونيسي يسجل نموا يقارب 5.5 بالمائة، وأن البلاد لا تزال تملك هامشا واسعا للنمو، مستشهدا بتوقعات عدد من المحللين الاقتصاديين، التي تشير إلى إمكانية دخول إندونيسيا خلال السنوات العشر أو العشرين المقبلة، ضمن أكبر اقتصادات في العالم، وهي المعطيات التي يرى أنها، تفسر حجم الفرص التي يمكن أن تتيحها الشراكات الاقتصادية مع الجزائر.

من الشراكة الاقتصادية إلى التنسيق حول القضايا الدولية

بالنسبة إلى محمد أنيس ماتا، فإن بناء علاقة استراتيجية، لا يمكن أن يقوم على الاقتصاد وحده، إذ تحتاج الشراكة إلى امتداد سياسي وإنساني وثقافي، وهو ما يجعل القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك، جزءا من الحوار الجزائري الإندونيسي. وفي مقدمة هذه القضايا، تأتي القضية الفلسطينية، التي تشكل إحدى نقاط التقاطع الواضحة في مواقف البلدين، إذ أشار ماتا إلى استمرار التنسيق الجزائري الإندونيسي داخل منظمة التعاون الإسلامي، وإلى التعاون بين البلدين، في إطار الأمم المتحدة، مؤكدا أن القضية الفلسطينية تحظى بمكانة بارزة في هذا التنسيق.

وأشار إلى أن القضية الفلسطينية، حظيت خلال الفترة الأخيرة، بدعم أوسع، ليس من الدول الإسلامية فقط، معتبرا أن الحرب الأخيرة في غزة، والإبادة الجماعية، غيرت مواقف عدد من الدول الغربية، خاصة في أوروبا، كما أثرت في مواقف الرأي العام، وقال: "إن القضية الفلسطينية أصبحت حاضرة، في النقاشات والانتخابات العامة في أوروبا والولايات المتحدة"، معتبرا أن ذلك يعكس تحولا في التعامل السياسي معها، وأضاف أن إسرائيل فقدت، جزءا من دعمها الأخلاقي والسياسي في الغرب، مشيرا إلى مواقف صدرت مؤخرا، عن ممثلي أكثر من سبعين دولة، أثبت ذلك، واعتبر أن هذه التطورات تعكس عزلة متزايدة لإسرائيل على المستوى الدولي، وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة الضغط والعمل عبر المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، مشيرا إلى أن التعاون بشأن القضية الفلسطينية لم يعد مقتصرا على دول الجنوب، بل أصبح يشمل أيضا دولا غربية.

وفي السياق نفسه، تحدث نائب وزير الخارجية الإندونيسي، عن رغبة جاكرتا في حضور أكبر في ملفات الشرق الأوسط، موضحا أن توليه مسؤولياته الحالية، يأتي في مرحلة تسعى فيها إندونيسيا إلى المشاركة بصورة أكبر في هذه الملفات، مشيرا إلى مشاركتها في مجلس السلام، وإبداء استعدادها للمشاركة بقوة في هذا المسار.

وتحدث ماتا عن التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط، معتبرا أن الأزمات والحروب تركت آثارا عميقة، لكنها سوف تفتح أيضا المجال أمام إعادة تشكيل بعض المنظومات الاستراتيجية الجديدة، متوقعا أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولات في طبيعة العلاقات بين دول المنطقة، وظهور صيغ جديدة للتعاون والأمن، لم تكن مطروحة بالصورة نفسها في السابق.

من إرث التحرر إلى شراكة استراتيجية

يعود جزء من التقارب بين الجزائر واندونيسيا، حسب ماتا، إلى التاريخ المشترك الذي عاشه الشعبان في مواجهة الاستعمار، وما تركته تلك التجربة من فهم متقارب لقضايا السيادة والاستقلال وتقرير المصير. وأشار إلى وجود روابط تاريخية وفكرية بين شخصيات جزائرية وإندونيسية، كما استعاد حضور شخصيات إندونيسية من أصول عربية، كانت لها علاقات وشبكات تواصل مع شخصيات جزائرية مهمة قبل الاستقلال وبعده، مؤكدا أن هذه الروابط لم تكن سياسية فقط، وإنما امتدت إلى المجالين الفكري والثقافي.

وفي هذا السياق، توقف عند مؤتمر باندونغ سنة 1955، مشيرا إلى حضور القضية الجزائرية من خلال ممثلي جبهة التحرير الوطني، كما استحضر المفكر الجزائري مالك بن نبي، وما سجله عن إندونيسيا في كتابه "وجهة العالم الإسلامي"، معتبرا أن ملاحظاته حول المجتمع والثقافة الإندونيسية كانت من بين أكثر القراءات عمقا، التي كتبها مفكر أجنبي عن إندونيسيا.

ومن جاكرتا، تبدو هذه الذاكرة أكثر وضوحا، حين ينتقل المرء إلى باندونغ، المدينة التي لا تزال تحتفظ بالمكان الذي شهد في أفريل 1955، عقد اجتماع تاريخي جمع 29 دولة آسيوية وإفريقية، انتهى بإقرار مبادئ عرفت لاحقا باسم "داساسيلا باندونغ"، كان لـ«المساء" فرصة زيارتها والوقوف أمام أحد شواهد تلك العلاقة بين الدولتين.

باندونغ... حين وصلت القضية الجزائرية إلى قلب آسيا

من جاكرتا إلى باندونغ، تبدو الرحلة وكأنها انتقال من الحاضر إلى واحدة من أكثر صفحات العلاقة الجزائرية الإندونيسية حضورا في الذاكرة، انتقلت "المساء" إلى ذلك التاريخ من جاكارتا في وقت قياسي، عبر القطار السريع "ووش" لعاصمة المؤتمر باندونغ، فهناك، داخل متحف مؤتمر آسيا وإفريقيا، لا تزال القاعة التي احتضنت المؤتمر، تحفظ بتفاصيل اللحظة التي اجتمعت فيها وفود دول وشعوب من قارتين حول قضايا التحرر والسيادة والتعاون.

وخلال زيارة "المساء" للمتحف، الذي يوجد داخل مبنى مرديكا التاريخي، كانت التفاصيل الصغيرة هي الأكثر قدرة على استعادة روح تلك الأيام، من صور الوفود والأعلام والوثائق، إلى القاعة التي احتضنت الاجتماعات، قدمت لنا حينها المرشدة السياحية بالمتحف، أنغريدا نادية، شروحات عن تاريخ المكان والاستعدادات التي سبقت المؤتمر.

مشيرة إلى أن المبنى كان يحمل قبل المؤتمر اسم "كونكورديا"، قبل أن يطلق عليه الرئيس الإندونيسي سوكارنو اسم "مرديكا"، قبل أيام فقط من افتتاح المؤتمر، في خطوة ارتبطت بالتحضير للحدث، وبالرمزية التي أرادت إندونيسيا أن تمنحها للمكان. لكن بالنسبة إلى الجزائري الذي يدخل المتحف، لا تستوقفه القاعة وحدها، بل تلك المساحة التي تحفظ حضور الجزائر في واحدة من أهم محطات التاريخ الآسيوي والإفريقي الحديث.

فالجزائر لم تكن آنذاك دولة مستقلة، ولم تكن ضمن قائمة الدول المشاركة رسميا في المؤتمر، غير أن قضية الثورة الجزائرية وصلت إلى باندونغ، من خلال وفد جبهة التحرير الوطني، الذي ضم حسين آيت أحمد وامحمد يزيد، حاملين معهما ملف شعب، كان قد أطلق ثورته قبل أشهر قليلة فقط، وباحثا عن إيصال صوته إلى الدول التي اجتمعت في المدينة الإندونيسية. وهنا تكتسب الصورة الجزائرية داخل المتحف معناها الخاص، فالوجود الجزائري في باندونغ لم يكن حضور دولة تملك مقعدا رسميا بين الوفود، وإنما حضور قضية كانت تبحث عن الاعتراف والدعم الدولي، وهو ما جعل مشاركة ممثلي جبهة التحرير الوطني، محطة مبكرة في المسار الدبلوماسي للثورة بصفة مراقب.

تكتسب هذه اللحظة أهميتها أيضا من المبادئ التي خرج بها المؤتمر، والتي كانت مثل قوانين مجملها عشرة، والتي علقت هناك بمختلف لغات الشعوب المشاركة في المؤتمر، وفي مقدمتها احترام حقوق الإنسان، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، والمساواة بين الشعوب والأمم، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورفض العدوان والتهديد بالقوة، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وتعزيز التعاون والمصالح المشتركة.

وهي المبادئ التي حفظها المتحف ضمن ما يعرف بـ"داساسيلا" باندونغ. وبالنسبة إلى الثورة الجزائرية، كانت تلك المبادئ تلتقي مع مطلب أساسي حملته منذ بدايتها، وهو حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره واستعادة استقلاله، لذلك تحولت باندونغ إلى مساحة إضافية، لإسماع صوت القضية الجزائرية في محيط آسيوي وإفريقي، كان يعيش بدوره مرحلة تحولات عميقة.

❊ من جاكارتا: نور الهدى بوطيبة