"شباب إحسان أحمر العين" نموذج في التطوع

صورة راقية في العطاء رسمتها أياد بيضاء

صورة راقية في العطاء رسمتها أياد بيضاء
  • 284
كمال لحياني كمال لحياني

في قلب مدينة أحمر العين، وعلى بعد أمتار قليلة من صخب الطريق الوطني رقم 42، يتحول المكان، كل مساء، إلى قبلة للمارة وعابري السبيل.. هنا، يقع "مطعم الرحمة"، الذي تجرد من اللافتات التجارية البراقة، وقوائم الطعام الفاخرة.. المطعم محطة سنوية يتجسد فيها معنى العطاء، وتتشكل فيها لوحة إنسانية نابضة بالحياة، رسمتها أيادي المتطوعين وأنارت نوايا المحسنين.

قبل أن تطأ قدماك عتبة "مطعم الرحمة"، تستشعر دفء المكان، إنه ليس مجرد مطعم عادي، بل هو مشروع خيري متكامل، يجد جذوره في مبادرة إنسانية نبيلة، وقصة هذا المطعم تبدأ من لفتة نادرة، فالمحل الذي يقصده الصائمون ليس مستأجرا، بل هو مملوك للمحسن رضا النوار، الذي قرر أن يكون له نصيب في موائد الرحمة بطريقة مختلفة. منذ سنوات، وبحلول شهر رمضان، يترك النوار محله التجاري بكل ما فيه من تجهيزات وأدوات ومعدات، وقفا خالصا لوجه الله، لصالح جمعية "شباب أحمر العين" الخيرية، ليتحول تلقائيا إلى مطعم يقدم وجبات الإفطار والسحور. مبادرة فريدة تعكس روح التكافل التي تميز هذه المدينة، وتضع اللبنة الأولى في صرح هذا العمل الخيري المتكامل.

الرئيس الحاج لطفي قينو.. قائد سفينة الخير

في زحمة التحضيرات، يقف رئيس الجمعية الحاج لطفي قينو، ليشرف بنفسه على سير العمل، حريصاً على أن يخرج الإفطار في أبهى صورة، حيث يقول الحاج لطفي، بعينين تلمعان بسماحة الروح: "شهر رمضان هو موسم الخيرات والتآخي، نحن في جمعية شباب إحسان أحمر العين، نسعى لأن نكون عائلة واحدة، نتعاون على البر والتقوى". مردفا بالقول: "مطعم الرحمة ليس مجرد مكان لتقديم الطعام، بل هو منصة لترسيخ قيم التضامن والتطوع، التي نشأ عليها شباب منطقتنا." ويضيف: "نحن فخورون بكل يد تمتد بالخير، سواء كانت للمحسنين أو المتطوعين… هذا العمل الجماعي هو سر نجاحنا."

الشاف وسام القلب النابض للمطبخ

إذا كان الرجال يتولون التنظيم، فإن روح المكان تنبض في المطبخ... هناك، وبين قدور الطعام وأبخرة الشوربة والطواجن، تقف ست نساء، تطوعن لخدمة الصائمين طوال الشهر الفضيل. هن سيدات من المنطقة، تاركات بيوتهن وعائلاتهن لساعات طويلة، يقدمن وجبات الإفطار بحب وإتقان. فعلى بعد خطوات من قدور الطعام التي تفوح برائحة شهية، تلمع أيادٍ ناعمة، لكنها صلبة في العطاء.. ست نساء متطوعات، هن عماد المطبخ، يتنقلن بين المواقد وأواني الطهي بكل حب وإتقان.. تقود هذه الكوكبة النسائية الشاف وسام، التي تتابع تفاصيل التحضير بدقة، الأم الحريصة، إذ تشرف على تحضير الطعام وضبط الجودة، بروحها الأمومية وحكمتها في إدارة المطبخ الذي يعد مئات الوجبات يوميا، التي تصل إلى 450 وجبة يوميا. تقول الشاف وسام بابتسامة عريضة، تخفي وراءها ساعات من التعب: "هذا البيت بيتنا الثاني في رمضان، الخدمة هنا عبادة وفرحة، نعد الطعام وكأننا نعده لأهلنا، بل وأكثر، لأننا نعلم أن في وجوه الآتين إلينا، تعب الصوم وبركة القبول."

أياد بيضاء لا تعرف الكلل

لا يكتمل المشهد دون طاقة الشباب المتدفقة. ففي بهو المطعم، نرى وليد عميروش، الشاب النشيط، يتنقل بين الطاولات لتنظيمها وترتيب الأواني، بمساعدة رفيقيه منير بويزول وعاشور فرلي، أما بجانبهم، يتحرك كل من رضوان حلوي وسيد على قوادري، كخلية نحل لتوزيع الطعام على الصائمين بسرعة وحرفية، وضمان وصول الوجبة ساخنة للجميع.

أما خلف الكواليس، في زاوية المطبخ المخصصة للغسيل، يقف بن شامة سليم، كالعمود الفقري لهذه المنظومة، فيتكفل سليم بغسل جبال الأواني وتحضيرها قبل المغرب وبعد صلاة التراويح، دون كلل أو ملل. يقول سليم وهو يمسح العرق عن جبينه: "رؤية الصائمين وهم يفطرون في نظافة وراحة، هو أفضل جزاء لي، فغسل الأواني هنا ليس عملا، بل خدمة مباشرة لهؤلاء الصائمين."

في الخفاء.. فريق آخر ينسج خيوط الخير

لا يقتصر العمل التطوعي على ما هو مرئي داخل المطعم فقط. فهناك فريق آخر يعمل بصمت، لضمان استمرارية هذا العطاء... يزيد بوطران، زكريا بوحدة، رحيم موسى، حليم الدومي، بالإضافة إلى الطبيبة نجايمي، وآخرون، يتولون مهمة جمع التبرعات والتواصل مع المحسنين. الطبيبة نجايمي، التي تشارك بوقتها وجهدها إلى جانب مهنتها، تؤكد: "نحن نحاول أن نكون حلقة الوصل بين أهل الخير والمحتاج، فكلنا شركاء في هذا الأجر، سواء من تبرع بماله أو بوقته أو بجهد صحته". والعمل لا يقتصر على الإفطار فقط، بل هناك فريق آخر يعمل بصمت في الكواليس، لضمان استمرارية التمويل والتبرعات، ويشكلون خلية اتصال وتواصل مع المحسنين، يجولون ويجمعون الأموال والمواد الغذائية، ليمونوا المخزون، ويكفلون استمرار المطعم في تقديم خدماته.

إفطار وسحور .. كرم لا ينقطع

خدمات مطعم الرحمة لا تتوقف عند أذان المغرب، ولا يقتصر دوره على وجبة الإفطار فقط، فمع حلول الليل، يتحول المكان لاستقبال الصائمين الراغبين في السحور، ويبدأ الشباب في تجهيز وجبات السحور، وتقدم للراغبين في تناوله داخل قاعته، كما يتم توزيع ما يجود به المحسنون من صحون كبيرة، تحوي الأكلة الشعبية المفضلة لدى الجزائريين، وهي طبق الكسكسي، لتكون جزءا من مائدة السحور الجماعي، مضيفين بذلك، نكهة العائلة والتقاليد الجزائرية الأصيلة، إلى الأجواء الرمضانية.

فرحة لا تكتمل إلا بالختان والتكريم

مع اقتراب نهاية الشهر الفضيل، تتحول أنشطة الجمعية، من إطعام الطعام، إلى إدخال السرور على قلوب الأسر المحتاجة والأطفال، فينظم "شباب أحمر العين" حفل ختان جماعي، يكتسي بأبهى حلة، بمشاركة عائلات الأطفال، في جو من الفرح والبهجة. وتتكفل الجمعية ليس فقط بإجراء الختان، بل أيضا بتوفير لباس العيد للأطفال "المطهرين"، وتكريمهم بجوائز رمزية. ولا تنسى الجمعية أيضا الالتفاف حول من سهروا على خدمة الصائمين طوال الشهر، حيث يتم تكريم المشرفات على المطعم، تقديرا لتضحيتهن وعطائهن المتواصل. كما تتكفل الجمعية بجمع زكاة الفطر العينية وتوزيعها على مستحقيها، لتكون خاتمة مسك لعمل الخير في الشهر الكريم.