بسكرة

حين تستيقظ الواحة على إيقاع البركة

حين تستيقظ الواحة على إيقاع البركة
  • 78
نور الدين العابد نور الدين العابد

لا يُقاس رمضان بالوقت فقط، بل بنبض الناس، وبالذاكرة التي تعود كل عام لتسكن الأزقة القديمة. ومع اقتراب الشهر الفضيل تبدأ ملامح جديدة في التشكل؛ الأسواق الشعبية تعيش على وقع حركة استثنائية، حيث تسارع ربات البيوت إلى مطالبة رب الأسرة باقتناء ما يستلزم لمائدة رمضان لاستقبال ضيف عزيز؛ شهر البركة والغفران.

قبل حلول الشهر بأيام تبدأ ملامح رمضان في التشكل؛ الأسواق الشعبية تعيش على وقع حركة استثنائية بسوق مصطفى بن رمضان بعاصمة الولاية، والأسواق الشعبية بطولقة وسيدي عقبة. تتراص أكياس التوابل الملونة. وتفوح رائحة القرفة والفلفل الأسود، بينما تتكدس أنواع التمور، في مشهد يلخّص هوية المنطقة؛ حيث النساء يتنقلن بين المحلات بقوائم طويلة.

والباعة يرفعون أصواتهم مرحبين بالزبائن؛ في طقس سنوي، يشبه الاحتفال غير المعلَن بقدوم الضيف العزيز. وداخل البيوت يتحول التحضير إلى طقس عائلي، وتنظيف شامل، وترتيب الأفرشة، وتجديد أواني المطبخ. تقول إحدى السيدات إن استقبال رمضان “لا يكون إلا ببيت نظيف، وقلب أصفى”، عبارة تختصر فلسفة أهل بسكرة في التعامل مع الشهر؛ طهارة المكان انعكاس لطهارة الروح.

وعلى مائدة الإفطار تتكرر التفاصيل التي توارثتها الأجيال؛ الشوربة الحمراء بلحم الخروف تتصدر المشهد. يليها البوراك الذهبي المقرمش، وخبز الدار الساخن الخارج للتو من الفرن. والدوبارة البسكرية "الحارة". والتمر واللبن يحتلان مكانة متميزة، يتناولهما الصائم كإفطار. وفي كثير من البيوت لا تكتمل المائدة دون أطباق مشتقة من التمر، في علاقة خاصة بين الإنسان ومنتوج أرضه. ومع أذان العشاء تمتلئ المساجد بالمصلين. كما تستعيد المساجد العتيقة دورها كفضاءات روحانية واجتماعية في آن واحد بعد التراويح. تتشكل حلقات صغيرة لتلاوة القرآن. ويجلس الشيوخ لتبادل الأحاديث، بينما يركض الأطفال في الساحات القريبة، في صورة تختلط فيها العبادة بالحياة اليومية.

الليل الرمضاني ببسكرة طويل ودافئ، حيث العائلات تجتمع حول الشاي والقهوة. وتُقدَّم الحلويات المنزلية، مع سرد الحكايات القديمة التي تجد طريقها إلى السهرات. ويستعيد الكبار ذكريات رمضانات مضت، حين كانت الأزقة أكثر هدوءاً، والبيوت أكثر تقاربًا. وفي الأحياء الشعبية يبرز وجه آخر لرمضان؛ التضامن، موائد إفطار جماعية، قفف غذائية، ومبادرات شبابية لا تنقطع. كثير من العائلات تحرص على إرسال أطباق لجيرانها، تقليد بسيط لكنه يحمل معنى عميقًا" أن رمضان لا يُعاش فرديًا، بل جماعيًا".

وبعد التراويح تستيقظ بعض الشوارع من جديد. الأسواق الليلية تفتح أبوابها. وتتلألأ واجهات محلات الحلويات والعصائر. الناس يتجولون ببطء، بلا استعجال؛ كأن الليل خُلق في رمضان ليُعاش على مهل. هكذا يبدو رمضان ببسكرة، ليس مجرد صيام وامتناع عن الطعام، بل عودة سنوية إلى جوهر العلاقات الإنسانية. شهر تتقدم فيه المشاركة على الفردية. وتستعيد المنطقة إيقاعها الهادئ، حيث تكفي مائدة بسيطة وبيت مفتوح وقلوب متقاربة لصناعة الفرح.