رمضان في وهران
أصالة وحفاظ على الموروث
- 45
رضوان. ق
يتجدد الموعد بولاية وهران بحلول شهر رمضان مع الأصالة والتقاليد داخل البيوت في لقاء يجمع عبق التوابل، بتحضير أكلات محلية ضاربة في عمق الأصالة، توارثتها العائلات جيلا بعد جيل، وحافظت من خلالها على جزء من الهوية والذاكرة الجماعية وإن كانت تسبقها تحضيرات وطقوس، يتقاسم مهامها أفراد الأسرة قبل الالتفاف حول مائدة الصائمين.
يُعد شهر رمضان الكريم من المواسم الدينية الاحتفالية التي لاتزال العائلات الوهرانية تحافظ عليها، وتحضّر لها مسبقا وبأسابيع قبل أول يوم من حلول الشهر الفضيل. ومن عادات سكان الولاية التحضيرات لرمضان التي تنطلق دائما بطلاء المساكن والشقق بالكامل، مع الاعتماد على اللون الأبيض في الغالب. ويؤكد عدد من المواطنين أن الشهر الكريم يتطلب استقبالا خاصا يليق بمكانته كشهر الصيام، والعبادة. وتوضح السيدة حفيظة أن شهر رمضان يسمى لدى معظم العائلات بـ "الضيف" أو "شهر الخير"، إذ يأتي مرة في السنة. ومن عادات وتقاليد سكان المنطقة إكرام الضيف؛ لذلك يتم التحضير جيدا لاستقبال الشهر من خلال طلاء البيوت، ورد الاعتبار لها.
شراء الأواني الجديدة "فأل خير بشهر الخير"
كما كشفت السيدة حفيظة أن ما يميز التحضير لرمضان عادة، شراء واقتناء الأواني المنزلية الزجاجية والبلاستيكية الجديدة؛ كإضافة أخرى لإكرام "الضيف" ، واستقباله أحسن استقبال؛ حيث يتم شراء اللوازم المنزلية الجديدة، والتخلص من القديمة، مؤكدة أن هذه العادة تعرف رواجا كبيرا عكس ظاهرة دهن المنازل؛ إذ تحولت إلى ظاهرة عامة لدى جميع النساء، اللواتي يعتبرن ذلك "فأل خير" بدخول رمضان واستقباله بالأواني الجديدة، وتقديم الأكلات والمشروبات في أوان جديدة، تعكس أهمية الشهر.
وأضافت أنه رغم أهمية الحفاظ على التقاليد تبقى بعض مظاهر التبذير والبذخ واضحة في شراء اللوازم المنزلية، خاصة مع الظروف الاجتماعية، وغلاء هذه الأخيرة. وأبرزت المتحدثة أن العائلات كانت في السابق تقوم، على الأقل، بشراء الصحون ومائدة النحاس الجديدة، والتي كانت أسعارها في المتناول بعيدا عن التفاخر. كما كانت العائلات تقوم بشراء بعض الأواني، وإهدائها للأقارب كعربون محبة وتأخير بين العائلات المتماسكة وقتها.
التوابل على رأس القائمة
كما تركز العائلات الوهرانية في التحضير لشهر رمضان، على الإعداد الجيد لاستقبال الشهر من خلال اقتناء التوابل بمختلف أنواعها. وكشفت السيدة حفيظة أن التوابل خلال السنوات الماضية، كان يتم اقتناؤها من منطقة مغنية بولاية تلمسان، غير أنه بمرور الوقت أصبحت هذه التوابل متوفرة وبقوة بالمحلات. غير أن عملية البحث عن أحسنها تبقى متواصلة.
وأوضحت المتحدثة أن اقتناء التوابل يتم غالبا قبل حلول رمضان؛ للتأكد من جودة منتجات التوابل المختلفة، خاصة رأس الحانوت، والحرور، والكمون، والسكنجبير والزعفران، إلى جانب مادة التشيسية الخاصة بتحضير أكلة الحريرة الشهيرة بمنطقة الغرب الوهراني. وتوضح المتحدثة أن معظم العائلات كانت تقوم، كذلك، باقتناء بعض المواد الغذائية الأساسية، خاصة البصل والثوم والجزر؛ بسبب استعماله المكثف خلال كامل أيام رمضان، إذ لا يمكن إعداد أي طبق تقليدي دون وجود هذه المنتجات الفلاحية. كما تشهد خلال أيام رمضان ارتفاعا في أثمانها.
لا بديل عن سوق "لاباستي" والمدينة الجديدة
تبقى الأسواق الشعبية الوجهة الأولى والأساسية يوميا، للعائلات؛ لاقتناء حاجياتها من الخضر والفواكه. ويبقى سوقا المدينة الجديدة والأوراسي؛ لاباستي سابقا بقلب مدينة وهران، أهم سوقين يتم اقتناء الخضر منهما رغم تعدد الأسواق، وفتح عدد منها عبر أحياء المدينة. وتقول السيدة فاطمة (56 سنة) من سكان حي سيدي الهواري، إن سوق لاباستي وسوق المدينة الجديدة يبقيان رمزين لأسواق مدينة وهران؛ لما يوفرانه من خضر وفواكه ولحوم وسمك بأسعار تنافسية.
وتوضح أن العائلات الوهرانية كانت ولاتزال تتنقل من عدة مناطق وبلديات بعيدة لاقتناء الخضر والفواكه من سوق لاباستي بالرغم من توفر أسواق ببلدياتهم؛ حيث توضح أن هذه الظاهرة معروفة في رمضان. وربطت المتحدثة ذلك بعشق سكان وهران لكل ما هو أصيل وفريد، إلى جانب الأجواء الخاصة الموجودة بسوق لاباستي، الذي يتزين، هو الآخر، بالأضواء والإنارة وروائح البخور لاستقبال رمضان، وذلك إلى جانب توفير الخبز بأنواعه، والمحلات التي تقدم بعض الوجبات والأكلات الخاصة برمضان؛ ما يعطي لرمضان نكهة خاصة.
رمضان حفاظ على عادات متجذرة
وتوضح السيدة فاطمة قائلة: "رمضان عندنا صيام، وحفاظ على عاداتنا "، مضيفة أن المحافظة على هذه العادات والتقاليد قبل رمضان وخلاله، لا تعني رفض التجديد. غير أن العائلة تحرص على إعداد المائدة التقليدية كاملة؛ لأنها جزء من الهوية. كما تكشف المتحدثة أن رمضان لا يكتمل أيضا بشراء الخبز بجميع أنواعه، خاصة خبز المطلوع الذي يتم تحضيره بالمنازل. وأكدت المتحدثة: " خلال سنوات مضت، كان كل ربات البيوت يقمن بتحضير المطلوع وخبز السانوج بالمنازل، وتوزيعه على الجيران، وتبادله، إلى جانب بعض الأكلات مع الجيران كرمزية للمحبة والتآخي. كما كان رمضان فرصة لإصلاح ذات البين، والتصالح بين المتخاصمين".