تيبازة
أصالة المذاق المتوسطي ودفء اللمة العائلية
- 57
كمال لحياني
رمضان في تيبازة لا يشبهه أي شهر آخر. فهو مزيج فريد من العادات الأصيلة والنكهات الخاصة التي تميز المنطقة الساحلية. وتستعد العائلات لاستقباله قبل أيام من بزوغ هلاله. وفي أيام رمضان تتعالى الأصوات عبر المآذن؛ إيذانا بالإفطار، ليجتمع الكبار والصغار على مائدة تميزها أطباق تقليدية عريقة. ثم تمتد السهرات العائلية وما تحمله من دفء وتراحم وتضامن مع المحتاجين. "المساء" وقفت على تفاصيل يوميات سكان تيبازة في رمضان، وكيف يقضون هذا الشهر الفضيل.
تبدأ قصة رمضان في تيبازة قبل حلوله بأيام، حيث يغمر النشاط الأسواق المحلية، فتشهد الولاية حركة غير عادية لاقتناء مستلزمات الشهر الكريم، مع إقبال خاص على شراء الأواني الجديدة، وأنواع التوابل المميزة التي ترافق موائد الإفطار طوال الشهر ناهيك عن الجانب المادي، إذ تهتم ربات البيوت بتجهيز المنزل لاستقبال الشهر الفضيل، فتنطلق حملات التنظيف والدهن لتجديد المنازل، وإضفاء بهجة رمضان عليها.
وفي ليلة رؤية الهلال تبدأ تحضيرات مميزة للسحور، حيث تعكف النساء على تحضير عجائن تقليدية مثل "المعارك" و"الرفيس"، استعدادا لأول أيام الصيام. أما خلال النهار فتسيطر على الحياة اليومية وتيرة هادئة، حيث يخلد البعض للقيلولة استعدادا لسهرة طويلة، بينما يحرص الكثيرون على أداء الصلوات في المساجد التي تم تنظيفها وتطييبها لاستقبال المصلين. هَمُّ ربات البيوت الأكبر يظل المطبخ، حيث يبدأن مع نهاية العصر في تجهيز مائدة الإفطار، التي تتطلب ساعات من العمل الدؤوب لإخراجها بأبهى صورة.
وخلال الظهيرة تخف الحركة أكثر. تغلق معظم المحلات التجارية أبوابها، لتعاود فتحها قبل الإفطار. أما في الأسواق فيزدحم المواطنون لشراء الخضر والفواكه ومستلزمات المائدة الرمضانية في سوق القليعة. وتعلو أصوات الباعة ورواد السوق وهم يتبادلون التهاني، ويتساءلون عن تحضيرات كل عائلة.
مائدة الإفطار نكهات تيبازة الأصيلة تُعد مائدة الإفطار في تيبازة لوحة فنية، تعكس تراث المنطقة، وارتباطها بالبحر والجبل، فتتفنن النساء في إعداد أطباق متنوعة تبدأ بالتمر والحليب، ثم تتوالى الأطباق الرئيسية، في مشهد عائلي حميمي. وكغيرها من الولايات يبدأ الإفطار في تيبازة، كما في باقي أرجاء الوطن، بالتمر والحليب. وهي سنّة نبوية تمد الصائم بالطاقة اللازمة. بعدها يتجه الكثيرون لأداء صلاة المغرب جماعة في المسجد أو في البيت، ليعودوا لإكمال وجبتهم.
ومع أذان المغرب تعم الفرحة بيوت التيبازيين. وتبدأ الموائد بالتمر والحليب والزيتون. ثم تتوالى الأطباق التقليدية التي تميز المنطقة. السيدة سليمة 45 سنة من مدينة شرشال، تحدثت بحماس قائلة: "لا يمكن تصوُّر إفطارا في تيبازة دون " الدويدة " أو " البوراك "؛ هذه الأطباق علمتنا إياها جداتنا، ومازلنا نحافظ عليها".
"صبيعات العروسة" واللحم الحلو أسياد المائدة
بالرغم من تعدد الأطباق خاصة في ظل اجتياح قنوات الطبخ في السنوات الأخيرة، مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أن الكثير من النسوة يحاولن التركيز على الأطباق المعتادة. فمثلا تتصدر "الدويدة" بقوة قائمة الأطباق الرمضانية في تيبازة. هذه الأكلة التقليدية التي تشبه "الفداوش" ويطلق عليها سكان العاصمة اسم "شوربة المقطفة"، تُحضَّر منزلياً. وتتميز بنكهتها الخاصة التي لا تقاوَم. وغالباً ما تقدَّم مع "البوراك" أو الخبيزات المقرمشة.
وتحافظ العائلات التيبازية على أطباق التراث؛ إذ لا تخلو مائدة التيبازي من الطواجن التقليدية التي توارثتها الأجيال. ومن أشهرها طبق "صباع العروسة" . وهو طاجين مميز، معروف، بشكل خاص، في منطقة القليعة. كما تبرز أطباق "الشطيطحة" بأنواعها، والكسكسي المحضَّر بطرق مبتكرة مثل "كسكسي الحلحال" الذي يُطهى بنبتة الخزامى البرية، ويكتسب نكهة مرّة ولذيذة في آن واحد. ويُعد وجبةَ سحور مثالية وخفيفة. ونظرا للطابع الساحلي للولاية، تزدهر، أيضا، أطباق السمك المتنوعة إلى جانب اللحم الحلو. وتفضل العائلات التيبازية الخبز المنزلي على الخبز الجاهز؛ حيث تتفنن النساء في عجن وخبز أنواع متعددة من خبز القمح والشعير، ليكتمل بذلك رونق المائدة.
السهرات الرمضانية دفء العائلة وبهجة التواصل
بعد أن تهدأ المعدة وتمتلئ تبدأ طقوس السهرة الرمضانية التي تميز تيبازة. ويتجه الكثيرون إلى المساجد لأداء صلاتي العشاء والتراويح؛ حيث تعم الأجواء الروحانية، ويمتلئ المسجد بالمصلين. وبعد العودة من المسجد تبدأ السهرات العائلية التي تجمع الأقارب والجيران والأحباب.
الشاب علي 35 سنة يقول في هذا الشأن: "نحن في تيبازة نفضل السهرات العائلية على المقاهي. نجتمع كل يوم في بيت أحد الأقارب، نتبادل أطراف الحديث، ونلعب الورق. وفي منتصف الليل تقدَّم لنا " القطايف " و " الزلابية " مع الشاي". وتتحول البيوت في تيبازة إلى صالونات مفتوحة للتواصل، وتبادل الأحاديث الودية. ولا تكتمل هذه السهرات دون الحلويات التقليدية التي تُعد خصيصا لهذه المناسبات؛ مثل "السيقار" و"البقلاوة" و"القريوش" و"القطايف"، التي تقدَّم مع الشاي.
ومن الطقوس الجميلة التي تحرص عليها بعض الفتيات في تيبازة، عقد "البوقالات" . وهي لعبة شعبية قديمة، كانت وسيلة للسمر، وجلب الفأل الحسن، تعكس البساطة والبهجة التي كانت تطبع الليالي الرمضانية. كما تشهد الولاية خاصة في المراكز الثقافية كالمركّب الثقافي عبد الوهاب سليم، تنظيم سهرات فنية من حين لآخر، وأيضا ميناء تيبازة، وساحة شرشال العتيقة، التي تستضيف كوكبة من الفنانين الجزائريين؛ لإحياء ليالي رمضان.
التراحم والتضامن روح الشهر الفضيل
يتجلى المعنى الحقيقي لشهر رمضان في تيبازة من خلال قيم التراحم والتضامن التي تسود المجتمع؛ حيث تتجسد هذه الروح في عدة مبادرات فردية وجمعوية، أبرزها مطاعم الرحمة التي تنتشر في مختلف بلديات الولاية. جمعية "إحسان" ببلدية أحمر العين وجمعية الرحمة بعاصمة الولاية، نموذجان حيان لهذا العمل الخيري المنظم؛ إذ تستعد الجمعيتان سنويا لاستقبال شهر رمضان، وتوفير وجبات إفطار ساخنة للمحتاجين. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يمتد ليشمل عمال الموسم في الحقول الفلاحية التي تشتهر بها تيبازة، وعمال ورشات البناء والأشغال العمومية. وتقديم ما بين 200 إلى 300 وجبة يوميا، إضافة الى توصيل الأطباق الجاهزة الى منازل الفقراء والمساكين.
ويمكن القول إن رمضان في تيبازة هو لوحة متكاملة، تجمع بين عبقرية المطبخ التقليدي ودفء العلاقات الإنسانية، وروح العطاء التي تزيد هذا الشهر الفضيل جمالاً وبهجة، ولوحة فنية متكاملة الألوان، تجمع بين العبادة والعادات الأصيلة، وبين الأطباق التقليدية التي توارثتها الأجيال، وبين السهرات العائلية الحميمية. وأجمل ما فيها قيم التراحم والتضامن، التي تزداد تألقاً في هذا الشهر الفضيل.