الروائي ياسمينة خضرا لـ" المساء ":
روايتي صرخةٌ ضد الظلم.. وفخور بشجاعة الدبلوماسية الجزائرية
- 173
لطيفة داريب
في حوار يتقاطر صدقاً، فتح الروائي الجزائري ياسمينة خضرا، قلبه لـ "المساء" على هامش مشاركته في صالون الجزائر الدولي للكتاب، ليتحدّث عن عمله الروائي الأخير "راهب بيت لحم"، مؤكّداً أنّ دافعه الأساسي للكتابة كان الانتصار للإنسان، ومواجهة الظلم والتطرّف، وأنّ روايته التي مزج فيها بين الواقع والسريالية وبين القسوة والشاعرية، هي عنوان لمساندته الفلسطينيين في المأساة التي يعيشونها. كما أعرب عن اعتزازه بالمواقف الدبلوماسية الجزائرية، وما تتّسم به من شجاعة، وأناقة ورقيّ على الساحة الدولية.
❊ في روايتك الأخيرة "راهب بيت لحم" غُصتَ من جديد، في قلب واقع إنساني وجيو-سياسي ساخن للغاية. ما العنصر المحفّز الذي دفعك إلى كتابة هذا الكتاب؟
❊ ظلّت رواية “ راهب بيت لحم “ هوساً بالنسبة لي. فكلّما رأيتُ عبر التلفزيون أو قرأتُ في الصحافة ما يعانيه الفلسطينيون، يتبادر إلى ذهني شعور بأنّ شخصاً ما يحاول تخريب حياتي.
أنا لا أتحمّل هذا الظلم، ولا أتحمّل هيمنة هذه الإيديولوجيا الضارة التي تعقّد كل شيء، وتحُول دون حلول السلام في أي مكان، بما في ذلك في الأذهان، والقلوب؛ ولذلك ومنذ البداية كنتُ أودّ كتابة هذا الكتاب لأمضي أبعد قليلاً مما كتبته في رواية "الهجوم"، التي حاولتُ فيها استدعاء العقل. أما في روايتي الأخيرة فقد حدث استدعاء للّاعقل، والغباء؛ ولذا في كل مرة كنت أقترح فيها هذا المشروع على دُور النشر، كانوا يخافون؛ ليس من النص، بل عليَّ أنا.
لقد رأوا كيف جرى التعامل معي في ما يخص رواية "الهجوم". وقالوا لي: "ستدقّ المسمار في النعش مرة أخرى، وهذه المرة لن تسلَم". لكنّني كنت مصرّاً تماماً على هذه الرواية، ولهذا كتبتها؛ بل أكثر من ذلك، نظراً لما حدث بعد السابع من أكتوبر وكل هذا الهراء الضار والمدمِّر وما شابه، كان لزاماً عليَّ أن يخرج هذا الكتاب إلى النور. وقد حظيتُ بفرصة لقاء امرأة، وهي ناشرة شجاعة، علماً أنّ النساء هنّ الوحيدات الشجاعات في هذا العالم، ووافقتْ أن تخاطر معي.
أشعر بأنني مُستعمَر تماماً كأي فلسطيني!. وروايتي الأخيرة صرخةٌ ضد الظلم والتطرف
❊ الرواية هي في المقام الأوّل خيال. هل لهذا السبب اخترتَ أن تمزج بين وقائع حقيقية وعناصر سريالية في "راهب بيت لحم "؟
❊ نعم، لأنّ تاريخ فلسطين برمّته أو لنقل تاريخ اليهودية، هو تاريخ المعجزات؛ إذ هناك بحر انفتح أمام موسى. ومنذ ذلك الحين انغمس الجميع في هذا الحدث. وقد أردتُ أن أستحضر في الوقت نفسه المعجزة، وواقع العالم، وأن أتساءل: هل المعجزة وحدها هي التي يمكن أن تنقذ الفلسطينيين؟
أنا لا أؤمن بذلك كثيراً، بل ينبغي ـ وهذا ما قلته في الإذاعة السويسرية ـ أن يحذو اليهود حذو المسلمين، وعليهم هم أن يحاربوا الصهيونية، وليس نحن؛ لأنّها تطرّفٌ مطلق. وعندما نكون في قلب التطرف، فإننا نكفّ عن أن نكون بشراً، ولن نصبح سوى أداة لهذا التطرف نفسه.
الأسلوب الشعري وسيلتي لامتصاص وحشية الواقع وقسوة المأساة
❊ كيف بنيتَ شخصياتك لتُظهر الجانب الإنساني فيها في مواجهة الفوضى؟
❊ الأمر بسيط للغاية. لقد وضعتُ نفسي مكانهم. ورغم أنّني لم أعاصر الاستعمار الفرنسي في الجزائر؛ فقد كنتُ طفلاً آنذاك، إلا أنّني أدركه من خلال كلّ الجزائريين الذين عانوا منه؛ لهذا كان بناء الشخصيات أمراً سهلاً للغاية بالنسبة لي؛ لأنني أشعر بأنني مُستعمَر تماماً كأي فلسطيني.
❊ هل تُعدّ هذه الرواية بالنسبة لك أيضاً، وسيلة للدفاع عن المقهورين، والتعبير عن التزامك عندما لا تعود الكلمات تكفي رغم المقاطعة التي تتعرّض لها في فرنسا مثلاً؟
❊ المقاطعة؟ قلّة الاعتراف؟ أشعر بهذا حتى في بلدي. ولا أتحدّث عن القرّاء؛ فكلّ ما قدّمته للأدب الجزائري لم أسمع عنه كلمة شكر من المسؤولين الجزائريين؛ إذن المقاطعة جزء من طبيعتي؛ أنا هكذا. أنا ضمير في عالم لا يريد الضمائر، في عالم شديد التمنّع عن العدالة والسكينة، إنه عالم منحطّ، عالم انحدر إلى مستنقع الانحطاط؛ ولذا لا مكان فيه للأشخاص الأصحاء!.
بالنسبة لي، ليس هذا ما يحزنني، بل ما يحزنني هو أنّ الضمير لم يعد يستجيب للضمير!.
عندما أرى كتاباً مثل “ راهب بيت لحم “ تُرجم فقط في خمسة بلدان من بين 62 بلداً أُترجَم فيها؛ فهذا يعني أنّ الشر في كل مكان، وأنه قد انتشر كالسرطان في العالم أجمع!.
أنا في معسكر الأدب الملتزم بالسلام. وغايتي تقديم الأمل والطمأنينة للقرّاء
❊ الملاحَظ أنه حتى عندما تتطرق لمواضيع صعبة ومأساوية في رواياتك، يظلّ أسلوبك الكتابي شاعرياً. لماذا تختار هذه الطريقة في الكتابة؟
❊ هذا ليس خياراً، بل هو طبيعتي، أنا هكذا؛ أنا ابن الصحراء. وقد ورثتُ ذلك عن أجدادي. نحن أناس حكماء، نستلهم الأمور الصغيرة لنرى بفضلها الأمور الكبيرة. وبإمكاننا أن نلمس الضآلة في العظمة؛ لذا فإنّ هذا التواضع هو ما يسمح لنا بأن نكون بشراً حقاً. وهذه الإنسانية تتجلى من خلال استعمال الأسلوب الشعري. وفي الوقت نفسه، أعرف أنّ ما أتناوله في أعمالي قاسٍ للغاية، إلى درجة أنّ السبيل الوحيدة لتخفيف وقعه، هو تقديم لغة قادرة على امتصاص جزء يسير من وحشية ما أرويه.
❊ هل تعتقد أنّ الأدب يمكن أن يساعدنا على فهم المآسي التي تغمر هذا العالم بشكل أفضل، ورؤية الأمور بطريقة مغايرة لما تُظهره وسائل الإعلام؟
❊ كلا، ولكنّ بعض وسائل الإعلام مجرّد قذارة، وهذا ما أسمّيه أنا “ الوساخة الإعلامية “. إنها واضحة إلى درجة أنها تفقأ العيون، حتى بالنسبة لأولئك الذين يرفضون مواجهتها. أما الأدب فهو شيء آخر؛ فهناك نوعان من الأدب: الأدب الترفيهي، والأدب الملتزم. وهناك نوعان من الأدب الملتزم: أدب ملتزم بالسلام، ومن أجل السلام، ومن أجل طمأنينة الشعوب. وآخر ملتزم بالارتباك، والفتنة. محظوظ أنا بتواجدي في معسكر الأمل، وبالأخص في معسكر التهدئة.
❊ بِمَ تودّ أن يحتفظ القارئ من روايتك الأخيرة التي صدرت في الجزائر عن دار “ القصبة “ ، بمجرد قلب الصفحة الأخيرة؟
❊ لا أعلم. لكن عموماً، هم يحتفظون بما أحاول قوله لهم. وهم يتمتّعون بما يكفي من الذكاء؛ للتمييز بين الأمور، وإجراء خلاصة لكلّ ما أقوله.
الكاتب الصادق يملك مصيراً صلباً لا ينكسر. والضمير الحي هو مرجعيته الأولى
❊ يلامس القرّاء في رواياتك صدقَك، هل تؤمن بضرورة أن يكون الكاتب صادقاً في كتاباته؟
❊ لقد كنتُ صادقاً منذ البداية. حسناً، لقد عانيتُ كل أنواع الأمور، سواء في الجزائر أو في فرنسا. وتعرضتُ للهجوم من كل جانب. ومع ذلك مازلت هنا. لماذا؟ لأنّ الصادق مصيره صلب لا ينكسر، ولا يلين.
❊ ذكرتَ في لقاءاتك الصحفية أنّ روايتك "الفضلاء" هي أفضل رواية كتبتَها، أ مازلتَ تحتفظ برأيك؟
❊ نعم، روايتي “ الفضلاء “ هي الأفضل؛ فموضوعها يمسّني شخصياً؛ لأنّه حول تاريخ. ونحن هنا في النصف الأوّل من القرن العشرين؛ حيث بُنيت جزائر اليوم.
أتعلمين أنّ الصعلوك الجزائري أو الشجاع أو المتعصب أو غير ذلك... كل هؤلاء الناس ينحدرون من النصف الأوّل من القرن العشرين؛ حيث تعرّضت الجزائر لكلّ المظالم، وفي الوقت نفسه نالت كلّ الحقائق؛ حقيقتها الخاصة، وحقيقتها الذاتية. ثم على المستوى الأدبي، بالنسبة لي، تتفوق “ الفضلاء “ على كل الروايات الأخرى.
الدبلوماسية الجزائرية تتسم بالأناقة، والرقيّ. وبناءُ الإنسان هو الأهم دائماً
❊ هل تحضّر لرواية جديدة؟
❊ نعم، ستصدر في أوت المقبل. وما يمكن أن أفصح عنه أنني تناولتُ فيها موضوعاً يدور حول الوفاء والاستعباد.
❊ بعيداً عن عالم الرواية، تشهد الجزائر تزايداً في عدد مشاريع البنى التحتية العملاقة، كيف تنظر إلى ذلك؟
❊ هناك جهود تُبذل في الجزائر في المجالات التجارية، لكن في الوقت نفسه هناك أمور لا أفهمها. وبالمقابل أؤكد أنّ المجتمع الحقيقي هو الذي يبني الإنسان؛ لأنّ هذا الرجل أو هذه المرأة هما القادران على حمل جميع مشاريع الأمة؛ لذا يجب بناء الجزائري، وتنظيم حياته؛ لهذا أقول إنه حان الأوان للعودة إلى الأساسي. والأساسي هو الجزائري والجزائرية.
❊ ما رأيك في الدور الدبلوماسي الرائد للجزائر في حل الأزمات الدولية؟
❊ الدبلوماسية الجزائرية رائعة! أنا من المعجبين جداً بما يجري على الصعيد الدبلوماسي؛ هناك شجاعة، وهناك سكينة، وهناك جرأة، وفوق كل ذلك أسلوب يتّسم بالكثير من الأناقة، والرقيّ. لكن ينبغي أن تظلّ الدبلوماسية دائماً قريبة جداً من قناعاتنا الثورية، وهذا أمر جيد.