منبع "عين القطارة" بعنابة
موقع للسياحة واستحضار الطقوس الشعبية
- 98
سميرة عوام
تختزل "عين القطارة" الممتدة على شريط البحر المحاذي لشاطئ "الفيدرو" بعنابة، واحدا من أقدم المنابع الطبيعية التي نسجت حولها الذاكرة الشعبية أساطير حية، تتوارثها الأجيال في أزقة المدينة العتيقة.
وتصنع هذه العين المائية الفريدة مشهدا سياحيا وتاريخيا يستقطب الزوار والمصطافين الاستكشافيين، الراغبين في دمج متعة السباحة باكتشاف الموروث الشفهي لأهالي "بونة"، حيث تنبع المياه العذبة من قلب الصخور البحرية الصلبة لتصب مباشرة في مياه البحر، متحدية عوامل الطبيعة، ومسجلة حضورها كمَعلم سياحي مميز راسخ في التراث العنابي، ومحج سنوي يتوافد عليه المغتربون والسياح؛ للوقوف على أسراره القديمة. وتنقسم الحكايات المتوارثة حول نشأة هذا المنبع المائي، إلى روايتين تشكلان مادة ثرية للسياحة الثقافية والاستكشافية بالمنطقة.
وتنسب الذاكرة الشعبية ظهور العين، إلى امرأة صالحة وزاهدة تدعى "لالة قطارة"، استقرت بتلك المنطقة الصخرية في زمن غابر، شهدت فيه عنابة جفافا وقحطا شديدين. وأمام حاجة الأهالي للمياه رفعت تلك المرأة الصالحة يديها بالدعاء، فانفجرت المياه العذبة من بين الصخور الصماء، لتسقي السكان، وتنقذ المنطقة من الهلاك، ليتحول المكان منذ ذلك الحين، إلى رمز للعطاء، والبركة. كما ترتبط القصص الخرافية بخيال الجدات حول حورية بحر تدعى "قطارة" . وتصنَّف كإحدى الجنيات الساحرات إلى جانب أخواتها (عين السلطان، وعين عشير ولالة رحيلة)، بالقرب من مزار "رأس الحمراء". وتذكر الأسطورة أن الحورية تخرج مع غروب الشمس لتقف على الصخور المتاخمة للمنبع، مجسدة الطبيعة الغامضة للبحر حتى طلوع الفجر، لتعود إلى الأعماق.
وتتعدى "عين القطارة" كونها مجرد نقطة تدفق مائي، لتتحول إلى محطة سياحية متكاملة، تجمع بين الجغرافيا الاستثنائية والطقوس العقائدية المتوارَثة. كما يمتد هذا المزار المائي ليشمل المغتربين العائدين إلى أرض الوطن، والسياح القادمين من مختلف الولايات، حيث يحرص بعضهم على ممارسة طقوس قديمة تُعرف محليا بـ "جلب الفال للعازية"، عبر إشعال الشموع فوق الصخور المحيطة بالعين، وذبح الديوك؛ كتقليد يرتبط بالمعتقد الشعبي حول طلب البركة، أو الشفاء، أو إبطال السحر، أو رد العين. وتمنح هذه الطقوس حكاية للموقع، يجذب هواة الاكتشاف الباحثين عن فهم الأبعاد الثقافية الشفهية التي صمدت عقودا طوالا أمام التغييرات الحديثة.
ويجد زائر الموقع فرصة فريدة لمعايشة تمازج الطبيعة الصخرية القاسية مع انسيابية المياه العذبة التي تنبع على بعد خطوات من الموج المالح، وهو ما يقدم تجربة حسية وتصويرية استثنائية لعشاق السياحة البيئية. كما يوفر الامتداد الساحلي للعين، بيئة مثالية لممارسة السباحة والاستجمام في موقع يجمع بين هدوء الطبيعة الصخرية وعمق التاريخ الشفهي، فضلا عن كونه محطة استراحة واستجمام تنعش الروح.
كما شكّل هذا الموقع السياحي فرصة لإحياء "سياحة الحكايات" في عنابة، حيث تستعيد العائلات والوفود السياحية حلاوة السهرات وحكايات الجدات التي لم تكن مجرد خرافات للترفيه، بل كانت وسيلة تربوية لتمرير الدروس والحكم للأجيال المتلاحقة. ويمثل التواجد بالقرب من "عين القطارة"، فرصة للربط بين المعالم السياحية المجاورة في منطقة "رأس الحمراء" ؛ ما يجعلها جزءا أساسيا من مسار سياحي وثقافي ممتد، يبرز التنوع الجغرافي والروحي الذي تتمتع به ولاية عنابة. وتفرض هذه العين المائية حضورها اليوم، كشاهد على غنى الموروث اللامادي للمدينة، حيث يسعى الفاعلون في القطاع السياحي والجمعوي بعنابة، إلى تثمين هذه المواقع، وتجهيزها بمسارات ولوحات تعريفية، تشرح البعد التاريخي والأسطوري للمنبع.
كما يرى المتابعون للشأن السياحي المحلي بعنابة، أن الاهتمام بعين القطارة يساهم في تنويع العرض السياحي الصيفي، والانتقال من السياحة الشاطئية التقليدية إلى سياحة واستكشاف المعالم الطبيعية والتاريخية والأنثروبولوجية التي يزخر بها الشريط الساحلي البوني. وثبت عن "عين القطارة" أن المقومات السياحية لمدينة عنابة لا تقتصر على المنشآت الشاطئية والمرافق الحديثة، بل تنبع من أصالة الأرض، وعمق الأساطير التي تعطي لكل صخرة وكل منبع مائي، قصة تستحق أن تُروى، وتُكتشف من جديد، لتظل حكاية حية تجذب الآلاف من الزوار والسياح والعائلات كل صيف.