رغم اقتحام التكنولوجيا المجال الفلاحي
معاصر زيت الزيتون التقليدية بتيبازة صامدة رغم الزمن
- 190
كمال لحياني
رغم إدخال التقنيات الحديثة والعصرية على طريقة استخراج زيت الزيتون بالجزائر، إلاّ أن الكثير من الجزائريين لايزالون يفضلون المعاصر التقليدية التي تحظى بمكانة خاصة في بعض المناطق من البلاد. كما لاتزال الطرق التقليدية المتبعة في استخلاص زيت الزيتون، تقاوم الاندثار، وصامدة في وجه التغيرات الكبيرة التي عرفتها شعبة إنتاج هذه الشعبة الفلاحية.
لم تتمكن التقنيات الحديثة التي أُدخلت على طرق إنتاج زيت الزيتون، من إلغاء التعلق بالمعاصر التقليدية أو التوجه إليها، حيث لايزال كثير من سكان تيبازة يقصدون المعاصر التقليدية القديمة لطحن الزيتون، أو اقتناء الزيت، نظرا لجودته، وطعمه الخاص. كما يرى كثيرون تحدّثت معهم "المساء"، هذه المعاصرَ إرثاً، يجب التشبث به قدر الإمكان، رباعتباره جزءا من الهوية والتاريخ الذي عاشه الجزائريون لفترات من الزمن، وميراثاً تناقلته الأجيال. فالباحثون عن الجودة و"رائحة زمان" يفضلون الحصول على زيت ذي جودة عالية رغم أن العملية في المعصرة التقليدية تستغرق وقتا أطول من المعصرة الحديثة.
مفخرة الماضي وتراث الأجداد
بأعالي منطقة "بوجبرون" في بلدية مراد بولاية تيبازة الواقعة غرب الجزائر العاصمة وداخل بنيان قديم يعود لعشرينيات القرن الماضي، لاتزال المعصرة التقليدية تستقطب الكثير من سكان الولاية والمناطق المجاورة لها. فببساطة التقنيات المستعملة وصغر ورشتها لم تفقد زبائنها رغم توالي السنين. والمعصرة يعود إنشاؤها، حسبما كشف لـ "المساء" أحد قدماء العمال بالمعصرة عمي "بوزيد زردون"، إلى سنة 1920، والتي لم تتوقف عن النشاط رغم مرور أكثر من قرن على إنشائها.
وكانت هذه المعصرة في زمن الاستعمار تستقبل الزيتون الذي يتم جنيه من المنطقة والمناطق المجاورة، وتجميعه في مخزن جانبي، ليتم فيما بعد طحنه بواسطة الدواب التي تتكفل بتدوير الآلة الحجرية لطحن الزيتون. ويتم نقل العجينة الى سلات، ووضعها بطريقة عمودية، في آلة ضاغطة لاستخراج الزيت الذي تفضله كثير من العائلات عن الزيت المستخرج في المعاصر العصرية التي أنشئت مؤخرا. وفي كل سنة يتم ترك كميات من الزيت جانبا، كطلبية لبعض العائلات من البليدة والعاصمة وحتى بعض الإطارات، الذين يفضلون تناول زيت هذه المعصرة التقليدية؛ لما له من رمزية تاريخية، وصحية.
استحضار أجواء التويزة والتضامن
كانت عملية جمع الزيتون تتم في تضامن اجتماعي كبير أو ما يُعرف بـ " التويزة"، حيث كان يتعاون كل أفراد العائلة والجيران في جني الزيتون. وهو المشهد الذي كانت تعيشه معظم الأرياف والقرى الجبلية في الجزائر. والمناطق الجبلية في ولاية تيبازة هي الأخرى كانت تعيش نفس الأجواء، حسب ما روى لـ "المساء"، حميش بوعلام، وهو شيخ مسن وجدناه في مدخل المعصرة، استذكر تاريخ ومشاهد كثيرة عرفتها مواسم جني الزيتون لسنوات طويلة، قال إن العملية كانت تبدأ بإسقاط وجمع الزيتون في الحقول، ثم وضعه في فناء البيت، ومن ثم نقله إلى المعصرة، التي تتشكل من تلك الحجرة الدائرية الكبيرة التي تتوسط صحنا إسمنتيا كبيرا مرتفعا عن الأرض بحوالي متر، مضيفا: "من كان يرغب في الاستفادة من خدمات " الرحى " ينقل أكياس الزيتون مباشرة بعد عملية الجني، على ظهر الدواب من منزله إلى المعصرة، ويبيت هناك إلى أن يتم الانتهاء من عملية الطحن. ووسط هذا الصحن الكبير كانت توضع كمية من الزيتون. وينطلق الحجر الكبير في الدوران باستخدام دابة لجرّه؛ إذ كانت تلعب دور المحرك قبل أن يتم استحداث محركات عصرية داخل المعصرات.
وكانت العملية تتم في أجواء من الفرحة، تزيَّن بأطباق تقليدية تقدمها النسوة للرجال القائمين على العملية". وقال "الحاج فرلي" ـ وهو صاحب معصرة في بلدية بورقيقىة " ـ إن عملية عصر الزيتون كانت بطيئة، وتكلف الكثير من الوقت، والجهد، نظرا لاستعمال تقنيات تقليدية، فمدة عصر القنطار الواحد الذي ينتج من 10 لترات إلى 16 لتر زيت حسب نوعية الزيتون، يكون حسب سرعة وقوة الدواب المستعملة، فيتم، في البداية، وضع حبوب الزيتون بالموازاة مع دوران الحجرة الدائرية. ولا تتوقف الحجرة عن الدوران إلا بعد التأكد من تحوّل هاته الحبات إلى عجينة، يتم وضعها في سلال مصنوعة من ألياف الأشجار.
وتوضع هذه السلال واحدة فوق أخرى، يتوسطها لولب حديدي، يتم إحكامه من قبل عامل في المطحنة، حتى تحتكّ "المساور" بعضها ببعض، فيبدأ زيت الزيتون في التقطير. وينتقل الزيت المستخرج إلى صهريج خاص يُترك لمدة في درجة حرارة معيّنة بعد أن توقَد نارها بالحطب الخالص، ليتم تفريغ الزيت في دلاء وقارورات زجاجية وبلاستيكية، فيما تستقر بقايا الزيتون في هذه المساور. ويتم إفراغها خارجا كسماد موجه للأراضي الفلاحية.
بين التقليد والعصرنة.. صراع من أجل البقاء
مع دخول الاستثمار الفلاحي في مجال الزيتون؛ نظرا للطلب الكبير على زيت الزيتون، والخسائر الكبيرة التي تكبدتها العائلات القاطنة بجبال تيبازة بسبب الحرائق التي تطولها كل سنة، خاصة ما شهدته منطقة قوراية العام الماضي، وما تسببت فيه من إتلاف آلاف أشجار الزيتون المعمرة أو المغروسة حديثا، في إطار العودة لخدمة الأرض، وتشجيع الفلاحة الجبلية، ودخول التقنيات والآلات الجديدة في مجال جني الزيتون، أضحى التوجه نحو المعاصر الحديثة أمرا حتميا؛ نظرا لسرعة الطحن، وتوفرها على خصائص غير موجودة في المطاحن التقليدية، وقدرات تفوق ضعف ما هو موجود في هذه الأخيرة.
وقال إسحاق خرار ـ مستثمر في مجال الزيتون وصاحب معصرة حديثة ـ لـ "المساء"، إن المعاصر الحديثة تغسل الزيتون، وتفصل الأوراق بطريقة نظيفة، وصحية، تمنح زيتا صافيا ونقيا. كما تقوم بكل شيء. والجهد البشري يكون بنسبة قليلة في سير العملية، إضافة إلى أنها تمنح كمية زيت أكبر بلترين إلى ثلاث لترات في القنطار الواحد، مما تعطيه المطحنة التقليدية. وهناك من يرى أن نوعية الزيت تختلف بدرجة كبيرة بين المعصرة التقليدية والحديثة، فالمعصرة التقليدية يعاب عليها طحن الزيتون دون فصل أوراقه، وبوجود الأتربة المتراكمة على الزيتون.
وعلى عكس ذلك، يرى "محمد عواد " ـ وهو من عائلة تمتلك حقولا للزيتون ببلدية مراد ـ أنّ هناك فرقا شاسعا بين المعصرة التقليدية والعصرية؛ فمن يريد الجودة والمذاق الأصلي للزيت لا مناص له من التوجه للمعصرة التقليدية، التي تعتمد على استعمال ماء دافئ لا تتجاوز درجة حرارته 30 درجة، ما يحافظ على جودة الزيت، ولا يتسبب في احتراق حبات الزيتون، على عكس المعصرة الحديثة ". وتبقى المعاصر التقليدية في الجزائر بكل ما شهدته من تغيرات وأحداث تاريخية، صامدة رغم الزمن؛ إذ لاتزال تمثل تراثا ماديا، وشواهد تاريخية عن مراحل تاريخية، وثقافة شعبية. لاتزال قائمة في بعض المناطق، واندثرت في مناطق أخرى؛ لأسباب متعددة.
بفضل الدعم وتوسيع المساحة المزروعة
توقُّع إنتاج 193 ألف قنطار من "الفراولة" بتيبازة
تتوقع مديرية الفلاحة لولاية تيبازة إنتاج ما يفوق 193 ألف قنطار من فاكهة الفراولة. كما تستشرف أن تصل المساحة المزروعة بهذه الفاكهة، الى 780 هكتار خلال الموسم الفلاحي الجاري.
وكشفت المكلفة بشعبة إنتاج الفراولة بمديرية الفلاحة، لامية سلام، أن المستثمرين في هذه الشعبة قاموا بالاستثمار في مساحة تقدر بـ 780 هكتار، وهو ما يؤشر إلى تحقيق إنتاج يفوق، لأول مرة، 193 ألف قنطار. وهي الأرقام التي تؤكد توسع المساحة المستغلة في هذه الشعبة خلال السنوات الأخيرة، بفضل الدعم المقدم من قبل الوزارة الوصية في شكل "القرض الفلاحي الموسمي"، دون فائدة.
وأضافت المتحدثة أنه تم خلال الموسم 2024- 2025، غرس ما يقارب 699.5 هكتار، سمحت بإنتاج حوالي 174 ألف و875 قنطار من "الفراولة" سواء تحت الأنفاق، أو تحت البيوت البلاستيكية. أما بالنسبة للموسم الفلاحي الحالي 2025- 2026، فإن المساحة المتوقع غرسها من قبل الفلاحين المنتجين لهذه الفاكهة، تصل إلى غاية 780 هكتار، وهي مساحة لا بأس بها، حسب تقديرات مديرية المصالح الفلاحية لولاية تيبازة.
وتضيف لامية سلام أن هذه المساحة من شأنها إنتاج ما يقارب أو يفوق 193 ألف قنطار من "الفراولة"، لأن المساحة المغروسة حاليا تقدر بـ 550 هكتار على مستوى كامل تراب الولاية. ومن خلال هذه المساحة تشير المعطيات والتوقعات إلى إمكانية إنتاج ما يقارب 137 ألف و265 قنطار. والإنتاج يرتفع كلما زادت المساحة المغروسة بطبيعة الحال، وحسب أنواع فاكهة "الفراولة" ، وتكون ذروة الإنتاج خلال شهر أفريل من كل عام.
وتُعد القروض الفلاحية الموسمية المقدمة من قبل البنوك لفائدة الفلاحين منتجي فاكهة "الفراولة"، من آليات الدعم، التي تمكن من الاستفادة منها، وهو ما ساهم في رفع الكميات المنتجة في ولاية تيبازة. وأوضحت المتحدثة أن القرض الذي كان يطلق عليه "قرض الرفيق"، أعيدت صياغته وأصبح يسمى "القرض الفلاحي الموسمي"، حيث يُقدَّم للفلاحين مهما كانت الشعب التي يمارسون فيها نشاطهم، سواء كانت خضرا، أو فواكه، ويكون دون فائدة. وهذه الفوائد تكون على عاتق وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري، التي تتكفل بها.
وبإمكان الفلاحين التوجه نحو المؤسسات البنكية العمومية على غرار البنك الوطني الجزائري، وبنك الفلاحة والتنمية الريفية، والقرض الشعبي الجزائري، وبنك الجزائر الخارجي، وصندوق التوفير والاحتياط؛ من أجل الاستفادة من الخدمات التي تقدمها هذه البنوك للفلاحين، من خلال اقتناء عتاد وتجهيزات تتعلق بالبيوت البلاستيكية، وأنظمة السقي بالتقطير، والأسمدة والأدوية المعالِجة، والشتلات. ويكون على شكل قرض مالي يُمنح للفلاحين. كما تكون هذه القروض متجددة كل عام في حال قام الفلاح بتسديد القيمة المالية التي استفاد منها من أي بنك عمومي.