"الكور" العنابي
قلب بونة النابض ومتحف مفتوح على التاريخ والجمال
- 123
سميرة عوام
تشكل ساحة الثورة، أو ما يُعرف محليا بـ"الكور" لدى سكان عنابة، المرفق السياحي والحيوي الأبرز، الذي ينبض بالحياة والنشاط في قلب بونة العريقة؛ حيث تُعد هذه الساحة المركزية، نقطة الانطلاق الأولى ووجهة رئيسية لكل من يزور المدينة، بفضل موقعها الاستراتيجي المتميز وهندستها المعمارية العريقة، التي تجمع بين سحر الشرق والجمال الأوروبي الكلاسيكي، ما يجعلها بحق القلب النابض للولاية بأكملها، ومحجًّا يقصده الزوار والسياح طوال أيام السنة.
تتميز الساحة بطابعها السياحي الفريد، الذي يجذب آلاف الزوار يوميا من مختلف ولايات الوطن ومن خارجه؛ إذ تمتد على مساحة واسعة، تزينها ممرات عريضة ومبلطة بأسلوب جميل، تحفها أشجار التوت المعمرة وارفة الظلال، التي تضفي على المكان رونقا طبيعيا مميزا، يبعث على الراحة والسكينة في نفوس مرتاديه. وتُعد الساحة الملاذ المفضل للعائلات والأسر والعابرين للتنزه والترويح عن النفس، لاسيما خلال الأمسيات الصيفية والرمضانية، وحتى لقاءات نهاية الأسبوع، حيث يتحول "الكور" إلى فضاء مفتوح يعج بالحركة والنشاط والأجواء العائلية الدافئة والمبهجة، التي لا تُنسى في ذاكرة الزائرين.
وتضم ساحة "الثورة" سلسلة من المقاهي التاريخية العريقة، منها مقهى "بالرابح" الذي يقدم المثلجات بمختلف ألوانها وأشكالها، إلى جانب "الكريبوني" والشاي العربي الأصيل، بالإضافة إلى المطاعم الشهيرة التي تحيط بها من كل جانب، حيث يستمتع الزوار بالجلسات الهادئة في الهواء الطلق، وتذوق المأكولات التقليدية والعصرية، وعلى رأسها المثلجات العنابية الشهيرة، التي ارتبط اسمها وتاريخها بهذا المكان تحديدا، ولا تكتمل زيارة المدينة دون اقتناء بعض التحف الفنية للذكرى.
كما تعد الساحة، محط استقطاب رئيسي لعشاق التصوير الفوتوغرافي وصناع المحتوى والباحثين عن الجمال، بفضل واجهات المباني القديمة المزدانة بالأقواس والشرفات المزخرفة، التي تمنح المكان طابعا جماليا مميزا، يزاوج بين السحر التاريخي والنشاط السياحي العصري، وتوفر خلفية رائعة لالتقاط أجمل الصور التذكارية المؤرخة لزيارة عنابة.
وإلى جانب جاذبيتها السياحية اليومية، تُعد ساحة الثورة مركزا للإشعاع الثقافي والفني في ولاية عنابة، إذ تحتضن بانتظام المعارض الفنية المفتوحة، والأنشطة الفلكلورية، والفعاليات الثقافية والترفيهية التي تستقطب مختلف الفئات العمرية. هذا التنوع في البرامج، يجعل من "الكور" فضاء مفتوحا للتفاعل والتبادل الثقافي، ويعكس حيوية المدينة وديناميكيتها الداعمة للسياحة المحلية والوطنية، كما يشكل ملتقى للإبداع، يجمع الشعراء والفنانين والمسرحيين، في أجواء تسودها المحبة والبهجة.
يعود أصل تشكيل هذه الساحة إلى مرحلة الاحتلال الفرنسي سنة 1832، حيث كانت مجرد أرض قاحلة تقع خارج أسوار المدينة القديمة، يحدها البحر جنوبا والوادي شرقا، مشكلة خندقا مائيا طبيعيا. وفي عام 1860، بدأ الجيش الفرنسي هدم أسوار المدينة التاريخية وبناء عمران حديث، وكان أول مبنى يُشيد خارج الأسوار كنيسة "القديسة مونيك" سنة 1868. وبعدها تقرر إنشاء ساحة عامة كبيرة لتكون مركزا للمدينة الحديثة، وخضعت لتسميات متعددة مثل "الكور ناشيونال" و"كور نابليون"، ثم "كور برتانية"، نسبة لرئيس بلدية عنابة سنة 1903، إلى أن استقر اسمها بعد الاستقلال على "ساحة الثورة"، مع احتفاظ السكان بالتسمية الشعبية "الكور".
وتظل ساحة الثورة بعنابة أكثر من مجرد ميدان رئيسي، بل هي شريان سياحي وثقافي متكامل، يختزل تاريخ المدينة، ويوفر تجربة استثنائية تجمع بين متعة الاستجمام وعراقة التاريخ وأصالة الضيافة العنابية.