سجلت إقبالا قياسيا من العائلات والسياح
شواطئ تيبازة الغربية تحتضن آخر أنفاس الصيف
- 229
كمال لحياني
تشهد الشواطئ الواقعة في الجهة الغربية لولاية تيبازة الممتدة من شرشال شرقاً إلى بلدية الداموس غربا، تدفقا كبيرا للمصطافين هذا الموسم، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، واقتراب نهاية العطلة الصيفية.
تحت شمس أوت الحارقة ووسط أمواج البحر الأبيض المتوسط التي تتلألأ كالمرايا الفضية، تمتد على طول الساحل الغربي لولاية تيبازة، لوحة فنية بديعة تجمع بين زرقة البحر وخضرة الغابات وجمال الشواطئ البكر؛ إنها شواطئ الجهة الغربية، تلك الوجهة التي أصبحت قِبلة المصطافين من مختلف ولايات الوطن، خاصة مع اقتراب نهاية العطلة الصيفية، وبدء العد التنازلي لعودة التلاميذ إلى مقاعد الدراسة.
مشاهد من قلب الازدحام الصيفي
مع بزوغ فجر اليوم كانت الطرقات المؤدية إلى شواطئ الحمدانية وقوراية وسيدي براهيم ومسلمون والأرهاط، امتلأت بطوابير طويلة من السيارات القادمة من كل حدب وصوب. وهو ما تؤكده لوحات الترقيم التي شملت الجزائر العاصمة، والبليدة، وعين الدفلى، والشلف، وحتى من الجنوب العميق؛ وكأن البحر ينادي الجميع بندائه الأخير قبل وداع الصيف. ووسط هذا الزخم البشري تقف العائلات منتظمة الصفوف، وقد حملت معها كل مستلزمات النزهة ككراسي قابلة للطي، ومظلات شمسية، وصناديق الثلج المليئة بالمشروبات الباردة، وأطفال يجرون فرحين نحو مياه البحر الزرقاء.
وعلى شاطئ قوراية الذي يسمى بالأمازيغية "يوراين"، حدّثنا السيد رابح ـ وهو موظف بسيط قدِم من البليدة برفقة زوجته وثلاثة أطفال ـ قائلا: "هذه زيارتنا الثالثة هذا الصيف، ولن تكون الأخيرة. الأجواء هنا تختلف عن أي مكان آخر؛ الطبيعة ساحرة، والمياه صافية كالبلور. أطفالي يصرون على المجيء إلى هنا؛ فهم يعشقون السباحة بين الصخور، التي تشكل مسابح طبيعية رائعة".
طبيعة خلابة تنافس أجمل شواطئ المتوسط
ما يميز الشواطئ الغربية لتيبازة هو تنوعها الجغرافي الفريد؛ فهي ليست مجرد رمال ناعمة تمتد على طول الشاطئ، بل مزيج ساحر من الخلجان الصخرية، والمنحدرات المكسوة بأشجار الصنوبر والبلوط، والكهوف الطبيعية التي تشكلت بفعل عوامل التعرية على مر العصور، والينابيع العذبة التي تتدفق وسط المياه المالحة. ومن أشهر هذه الشواطئ نجد شاطئ الحمدانية، وشاطئ سيدي الجيلالي، وشاطئ سيدي إبراهيم، بقوراية، وشاطئ قونيني بحجرة النص، وشاطئ وادي السبت؛ إذ تُعرف بمياهها الجميلة، ونقائها، ومناظرها الخلابة. ويصف لنا أحمد ـ وهو أستاذ جغرافيا متقاعد من تيبازة ـ هذه المنطقة قائلا: "هذا الساحل هو جوهرة البحر الأبيض المتوسط المنسية. الطبيعة هنا لم تمسسها يد التلوث بعد؛ المياه نقية، والغطاء النباتي كثيف، ويمكنك أن تجد زوايا منعزلة تماماً لا يعرفها إلا السكان المحليون".
تحسينات في الخدمات استعدادا للموسم
لم تغفل السلطات المحلية أهمية هذا الموسم الصيفي، فخصصت غلافا ماليا معتبرا لتجهيز الشواطئ السبعة الواقعة على الساحل الغربي. وقد شملت هذه التجهيزات نقاط إسعاف مجهزة بطواقم شبه طبية للتدخل السريع في حالات الطوارئ، ونقاط مياه موزعة على طول الشواطئ، ومرافق صحية (دورات مياه واستحمام) تمت صيانتها وتجهيزها، وحاجزا أمنيا من أعوان الحماية المدنية والشرطة؛ لضمان سلامة المصطافين.
كما ساهم مشروع تحويل طريق شرشال الجديد الذي تم تدشينه مؤخرا، في تقليص زمن الرحلة من العاصمة إلى هذه الشواطئ بما يقارب النصف؛ ما شجع المزيد من العائلات على اختيار هذه الوجهة. ويقول الحاج محمد ـ وهو تاجر متقاعد من العاصمة ـ " الطريق الجديد وفّر علينا الكثير من الوقت والجهد؛ كنا نستغرق ساعتين ونصف ساعة للوصول. أما الآن فالأمر لا يتجاوز الساعة، وهذا ما دفعني إلى زيارة الشاطئ أربع مرات هذا الصيف بدلاً من مرتين في السنوات الماضية".
الازدحام وروح التحدي
لا تخلو الأجواء الصيفية من التحديات؛ فالازدحام المروري يظل العقبة الأكبر، خاصة أيام الجمعة والسبت، حيث تمتلئ الطرقات المؤدية إلى الشواطئ بطوابير طويلة من السيارات. ويضطر المصطافون أحيانا لانتظار ساعات قبل العثور على موقف لسياراتهم. ويضيف صالح ـ وهو رب عائلة من عين الدفلى ـ "نُصحنا بالوصول قبل التاسعة صباحا لتجنب الزحام، وهو ما فعلناه اليوم. لكن في عطلة نهاية الأسبوع الماضي وصلنا في العاشرة، فوجدنا كل شيء مكتظاً، واضطررنا لانتظار أكثر من ساعة؛ لإيجاد مكان". ويبرز، أيضا، تحدي نقص بعض الخدمات في الشواطئ الأقل تطورا، حيث يضطر بعض المصطافين للاعتماد على أنفسهم في توفير احتياجاتهم الأساسية. لكن هذا لا يمنعهم من العودة مراراً؛ فسحر الطبيعة عندهم يغلب كل الصعوبات.
سكان المنطقة بين الترحيب والقلق
لا يخلو المشهد من صوت السكان المحليين؛ فرغم ترحيبهم بالزوار وتحقيقهم مداخيل مالية مهمة من خلال تأجير المظلات وبيع المشروبات والمأكولات الخفيفة، إلا أنهم يبدون قلقا من التأثيرات البيئية لهذا التدفق الكبير. قال لنا حكيم ـ وهو من سكان منطقة مسلمون ـ "نحن نحب الزوار ونرحب بهم؛ فهم يحيون المنطقة طيلة الصيف. لكننا نخشى على بيئتنا من النفايات والتلوث. لاحظنا هذا العام تحسنا في وعي المصطافين، لكن بعضهم لايزال يترك مخلفاته على الرمال! ". ومن جهته، قال الشاب نسيم ـ وهو يعمل في تأجير المظلات ـ "الموسم هذا العام جيد جدا؛ الإقبال كثيف، ونحن نعمل من الصباح الباكر حتى غروب الشمس. لكن أتمنى أن تزيد السلطات من عدد حاويات النفايات، وتكثف حملات النظافة؛ فالأمر أصبح ضرورياً مع هذا العدد الهائل من الزوار".
لقاءات وتفاصيل إنسانية
وسط هذا الكم البشري تتنوع القصص وتتعدد الحكايات. وقابلنا على شاطئ سيدي براهيم، عائلة جاءت من ورقلة من جنوب الجزائر، لم تذق البحر منذ سنوات. قال رب العائلة، الطاهر ـ وهو موظف في شركة نفطية ـ "هذه أول مرة أزور فيها تيبازة. الصحراء جميلة، لكن البحر له سحر خاص. أردت أن يرى أطفالي البحر قبل أن تكبر أعمارهم. وقد اختاروا هذا المكان بناءً على توصية من أصدقائهم". أما زهرة ـ وهي أرملة في الستين من عمرها ـ فكانت جالسة بمفردها على صخرة تطل على البحر تتأمل الأمواج بصمت. تحدثنا معها فقالت: "جئت من البليدة وحدي. اِبني يعمل في الخارج، وبناتي متزوجات. البحر هنا يذكرني بطفولتي في هذه المنطقة؛ كنت آتي مع والديَّ كل صيف. الأمواج تغني لي أغاني الماضي".
الحماية المدنية في جاهزية تامة
لم تغفل مصالح الحماية المدنية عن دورها في هذا الموسم، حيث تم نشر وحدات إسعاف وإنقاذ على طول الشواطئ الغربية، مزودة بقوارب مطاطية سريعة، وأجهزة غوص، وأطقم إسعاف متكاملة. قال لنا الملازم أول محمد ميشاليخ المكلف بالإعلام بمديرية الحماية المدنية بتيبازة: "هذا الصيف سجلنا حالات أقل من السنوات الماضية بفضل الوعي المتزايد لدى المصطافين. لكننا نبقى في حالة تأهب قصوى، خاصة مع كثافة الزوار، حيث ننصح الجميع بتجنب السباحة في المناطق غير الآمنة، ومراقبة أطفالهم باستمرار". وخلال جولتنا شاهدنا فرق الإنقاذ وهي تتدرب على عمليات إسعاف تمثيلية لمواجهة حالات الغرق؛ في مشهد يعكس الجدية، والاستعداد لمواجهة أي طارئ.
حنين ووعد بالعودة
مع اقتراب غروب الشمس تبدأ العائلات في تجميع أمتعتها استعدادا للعودة، تاركة وراءها أثرا في الرمال، ومشاعرَ في القلوب. ويبدو على الجميع إرهاق النهار الطويل، لكنه إرهاق ممزوج بالسعادة، والرضا؛ فليست شواطئ الجهة الغربية لتيبازة، مجرد رمال ومياه فقط، وإنما ذاكرة جماعية، وملتقى للعائلات، ونافذة على جمال لا يضاهَى. ورغم التحديات تظل هذه الوجهة الصيفية الأكثر جذبا في وسط الجزائر. وتتضاعف الجهود سنة بعد سنة لتحسين الخدمات، والحفاظ على الطبيعة، في انتظار موسم صيفي آخر، وموعد جديد مع البحر، ومع أحلام المصطافين الذين يعِدون بالعودة مهما كانت المسافات، والصعاب.