يجمع بين سحر الطبيعة وعبق التاريخ البحري

"رأس العسة" حارس عنابة من عَل

"رأس العسة" حارس عنابة من عَل
  • 110
سميرة عوام سميرة عوام

​تستقبل مدينة "شطايبي" زوارها وعشاق السياحة الاستكشافية بأجمل إطلالة بانورامية عند الصعود إلى أعالي منطقة "رأس تكوش" التاريخية، حيث تلتقي زرقة المتوسط الخلابة بجمال جبال "الإيدوغ" العذراء، ليتوَّج هذا المشهد الطبيعي الخرافي بمعلم أثري شامخ يختزل قرونا من الأمجاد، وهو فنار "رأس العسة" أو "المنارة"، كما يسميها الأجداد في قواميسهم الشعبية. 

هذا الموقع الفريد لا يمنح القادم إليه مجرد لوحة جمالية تكشف المدينة وخليجها الساحر بالكامل من الأعلى فحسب، بل يفتح أمامه واجهة سياحية وثقافية فريدة، تروي فصولا مجيدة من تاريخ الملاحة، والدفاع البحري العريق في الشرق الجزائري، ما يجعله وجهة مثالية لعشاق التصوير الفوتوغرافي، والباحثين عن الاسترخاء بين أحضان الطبيعة البكر، والتاريخ الحي.

​ويعود التاريخ المعماري الهيكلي لهذا الصرح الاستراتيجي، إلى عهد الازدهار البحري للدولة العثمانية، حيث بنيت المنارة أول الأمر عام 1776 للميلاد في شكل دائري هندسي متقن، يتناسب تماماً مع الوظائف الدفاعية والعسكرية الحساسة لتلك الحقبة التاريخية من تاريخ المتوسط. 

ومع حلول الفترة الاستعمارية الفرنسية خضع المعلم الأثري لتعديل ملموس في مخططه المعماري العام، حيث أُضيف إليه الملحق الهيكلي المستطيل، الظاهر بوضوح على يمين المبنى الحالي، ليمتزج في جدرانه الصلبة طرازان معماريان مختلفان، يوثقان لحقبتين زمنيتين مفصليتين من تاريخ المنطقة، ويمنحان المبنى تميزاً هندسياً يثير فضول المعماريين والمؤرخين، الذين يزورون الولاية لاستكشاف آثارها البحرية.

​ولم يكن اختيار هذا الموقع الجغرافي من قبل المهندسين قديما، مجرد صدفة أو بقعة جمالية عابرة لمراقبة الأفق، بل شكل "الفنار" في تلك الأزمنة الغابرة، حلقة أساسية وحيوية لا غنى عنها، ضمن منظومة مراقبة ساحلية متكاملة وشديدة التنظيم، تنسجم وتتكامل بشكل مباشر مع فنار "رأس الحمراء" الشهير بعنابة، وفنار "كاب الفجوج" التابع لولاية قالمة؛ بهدف تأمين وتوفير حماية قصوى لسواحل جبال "الإيدوغ" الحصينة، وتأمين كافة المنافذ البحرية للشرق الجزائري؛ ضد أي هجمات أو اختراقات بحرية أجنبية محتملة عبر البحر.

​وتذكر المصادر التاريخية المحلية أن هذه المنارة العتيقة كانت تشتغل في بداياتها الأولى بطرق بدائية وتقليدية جدا، تعتمد أساسا على الملاحظة البصرية المباشرة؛ إذ كان القائمون على الحراسة يضعون كميات من الزيت أو المواد الحارقة سريعة الاشتعال، مع قطعة قماش سميكة في قمع حديدي ضخم يعلو سطح المنارة. ويتم إشعال النار فيه يدويا، ليمتد لهيبها ليلا كشعاع ضوئي مرشد، يساعد في توجيه السفن التجارية والعسكرية، ويسهّل حركة الملاحة البحرية، ويحذّر البحارة من الاقتراب من الصخور والمنحدرات البحرية الخطيرة، المحيطة بـ"خليج شطايبي". ​ورغم كل ما لحق بهذا المعلم الأثري الهام عبر العقود الماضية من إهمال نسبي وتأثيرات مباشرة وعنيفة للعوامل الطبيعية والمناخية القاسية كالملوحة والرطوبة، إلا أنه حافظ على هيبته التاريخية كإرث ثقافي، وتراثي، وسياحي بارز، يستحق كل الرعاية، والتثمين. 

وفي خطوة رسمية بالغة الأهمية نحو رد الاعتبار لهذا الإرث الوطني، حظيت منارة الميناء بالموافقة الرسمية على تسجيلها وإدراجها ضمن قائمة الجرد الإضافي للممتلكات الثقافية، والمرافق المحمية لولاية عنابة في نوفمبر 2024، من قبل مديرية الثقافة والفنون. وهي التفاتة قانونية هامة، تفتح الباب واسعا أمام مشاريع الصيانة، والحماية، والترميم العلمي الدقيق لتفاصيل المبنى.

​ويتطلع الفاعلون والمهتمون بالتراث المحلي والنشطاء السياحيون والجمعيات المحلية اليوم، إلى استغلال هذا المكسب القانوني الثمين عبر إدراج "الفنار" مستقبلا وبصفة رسمية ودائمة، ضمن المسارات التراثية والسياحية الكبرى لولاية عنابة، ليتحول هذا الفنار الشامخ من مجرد أثر صامت يقاوم النسيان، إلى قطب سياحي جاذب لعشاق السياحة الاستكشافية والبيئية، ويربط جيل اليوم بأمجاد ماضيهم البحري العريق، ويساهم في تنمية المنطقة اقتصاديا.