حومة الجيران بأحمر العين
حين يتحول الحي العتيق إلى لوحة فنية
- 163
كمال لحياني
❊ من الغربة إلى الإبداع.. رحلة العودة إلى الجذور
في مشهد يجسد حب الوطن والتعلق بالجذور، عاد سيد أحمد عباس إلى الجزائر بعد غياب دام سنوات، ليحوّل أزقة حيه الضيق العتيق إلى تحفة فنية نابضة بالحياة. فما كان مجرد حي شعبي في تيبازة أصبح اليوم، حديث منصات التواصل الاجتماعي، وأيقونة للجمال المدني في الجزائر.
سيد أحمد عباس ابن الأربعينيات الذي قضى سنوات عمره الأولى في أزقة حي "بوثلجة" ببلدية أحمر العين بتيبازة، غادر الجزائر عام 2004 إلى فرنسا، لكنه لم ينسَ يوماً رائحة ترابه، وحرارة شمسه. وبعد أن استقرّت أوضاعه في المهجر قرّر أن يردّ الجميل لمسقط رأسه، فكان مشروعه الإنساني الفني الذي جمع بين حبّه للمكان، وثقافته الأوروبية.
يقول سيد أحمد لـ«المساء": "الفكرة بدأت تتشكل حين شرعت في ترميم منزلنا العائلي القديم، فأنشأت فندقاً صغيراً عصرياً إلى جانب بيت الوالدين. لكن الأزقة الخارجية كانت بحاجة إلى عناية، فقررت أن أمتدّ بالمشروع إلى الفضاء العام". ولم يكتفِ سيد أحمد بالتجديد الداخلي، بل تَقدم بطلب إلى البلدية لتنسيق الجهود، وتحمّل بمفرده تكاليف تحديث الشبكات الأرضية للمياه والصرف الصحي، قبل أن يشرع في رصف الأزقة، وتزيين الأرصفة.
تشاور وإبداع.. حين يصبح الجيران عائلة واحدة
ما ميّز مبادرة سيد أحمد أنها لم تكن فردية، بل تحولت إلى عمل جماعي تشاوري ضمّ كل سكان "الحومة" ، ذلك المصطلح العاطفي الذي يعبّر عن التماسك الاجتماعي في الثقافة الجزائرية، فاجتمع الجيران، وتبادلوا الأفكار، واتفقوا على رؤية فنية موحدة للزقاق. واستشار سيد أحمد مختصين في السيراميك والطلاء الفني. واستلهم أفكاراً من تجارب أوروبية، ومن أزقة نموذجية في منطقة القبائل. كما وظّف مهارات حرفيين محليين في الحدادة والبناء، لتتلاقح الرؤى، وتولد لوحة فنية متكاملة.
تفاصيل ساحرة.. من الجدران إلى بيوت القطط
تستقبلك عند مدخل الحي لوحة كبيرة مزخرفة تحمل اسم "حومة الجيران" ؛ وكأنها بوابة لعالم من "باب الحارة" بروح عصرية. وما إن تتوغل في الزقاق حتى تخطف الأنظار جدران مزدانة بألوان متناسقة، وأرصفة مطلية بدقة، وسقوف حديدية دائرية، تعكس أضواء الليل بسحر أخّاذ.
الجار عبد الحق كلارقات أضاف لمسة خاصة بجدار من الحجر الفني والسيراميك الممزوج بالخشب، بينما تكفّل علي قينو بوضع صناديق إسمنتية على الأرصفة تزينها الأزهار والورود، لتمنح المكان حياة نابضة. ولم تنسَ المبادرة حتى القطط، حيث خُصّصت بيوت صغيرة لحمايتها من الحرّ والمطر. وإلى جوارها طاولات وكراسي خشبية صُنعت يدوياً لسهرات الدومينو في ليالي رمضان. ويضيف سيد أحمد: "لم أتوقع أن نصل إلى هذه النتيجة المبهرة في شهرين فقط! لكن الهمّة كانت كبيرة. والروح الجماعية صنعت المعجزات" .
من حي إلى ظاهرة.. روح المبادرة تنتشر
لم تقتصر أصداء هذه المبادرة على حدود الحي، بل تجاوزتها إلى صفحات التواصل الاجتماعي، وأصبحت نموذجاً يُحتذى به، وسرعان ما بادرت جمعيات المجتمع المدني وعلى رأسها جمعية "إحسان" و"الجيل الرائد"، بتحسيس المواطنين بأهمية هذه المبادرات، معتبرة أنها تعبير حقيقي عن المواطنة الإيجابية. يقول لطفي قين: "هذه المبادرات تخلق حلولاً ملموسة. وتجنبنا الانتقادات السلبية. وتقدّم صورة مشرقة عن وعي المواطن الجزائري ".
تكريم رسميٌّ وجائزة سنوية
لم تتأخر السلطات المحلية في احتضان الفكرة، حيث كرّم رئيس بلدية أحمر العين، صاحبَ المبادرة. وأعلن عن جائزة سنوية لأفضل حي، وأكثر مبادرة إيجابية؛ تشجيعاً لتوسيع التجربة. كما إن والي تيبازة أطلق بالتنسيق مع مديرية الشباب والرياضة، جائزة أجمل وأحسن حي، فاحتلت "حومة الجيران" المرتبة الثانية في المسابقة هذا العام.
وفي تصريح لـ"المساء" قال رئيس البلدية: "حومة الجيران مثال حي على تطور الوعي المدني. ونحن ندعم مثل هذه المبادرات بالتسهيلات، والمرافقة؛ لأن الجزائر بحاجة إلى كل إبداع يعيد الحياة إلى فضاءاتها ". مردفا: "حومة الجيران ليست مجرد حي جميل، بل رسالة بأن الجمال يولد من رحم الانتماء، وأن التحول الإيجابي يبدأ بفكرة، ثم بإرادة، ثم بيد تمتد لترسم مستقبلاً أجمل للوطن".
يصفه سكان الجهة الغربية لتيبازة بـ"طريق الموت"
استكمال الطريق الوطني السريع رقم 11 مطلب ملحٌّ
تعيش بلديات الجهة الغربية لولاية تيبازة، وعلى رأسها الداموس، وقوراية والأرهاط، على وقع مطالب متصاعدة باستكمال شطر الطريق السريع الرابط بين "حجرة النص والداموس" . وهو المشروع الذي طال انتظاره. وتحولت معه آمال السكان في فك العزلة عن منطقتهم، إلى نداءٍ متكرر إلى السلطات المعنية.
ففي الوقت الذي تشهد الطرقات الوطنية خاصة الطريق الوطني رقم 11، اكتظاظا مروريا خانقا يزداد سوءا مع كل موسم اصطياف، يظل إنجاز هذا المقطع الطرقي الحيوي الذي يمتد على مسافة 66 كلم، حلمًا يراود سكان المنطقة، الذين يئنّون من تقلبات طريق ساحلي ضيق لا يفي بمتطلبات التنقل، ناهيك عن أنه يشكل خطرا حقيقيا على سلامة المواطنين، حيث تزداد حوادث السير. كما يشهد توترا يوميا من مستعمليه.
مشروع معلَّق ودراسة مجمَّدة
يعود الحديث عن هذا المشروع إلى عام 2021، عندما أعلنت مديرية الأشغال العمومية لولاية تيبازة، عن الشروع في إعداد دراسة تقنية لإنجاز طريق سريع مطل على البحر يربط مدن حجرة النص، ومسلمون، وقوراية، والأرهاط، والداموس، وصولا إلى الحدود مع ولاية الشلف. وحينها كانت زيارة والي تيبازة السابق أحمد معبد للمنطقة، أعطت انطلاقة فعلية لهذه الدراسة، التي عُدَّت خطوة أولى نحو فك العزلة عن المناطق الغربية، وتخفيف الضغط المروري الكبير الذي تشهده خلال موسم الاصطياف. لكن بعد مرور سنوات يبدو أن المشروع قد اصطدم بعقبات إدارية، حيث كشف مدير الأشغال العمومية لولاية تيبازة سابقا، إسماعيل رابحي، أن الدراسة الخاصة بهذا الطريق السريع "مجمدة" لدى الوزارة الوصية، مؤكدا أنه تم تقديم طلب لرفع التجميد عنها، على أمل بعث الأشغال قريبا، خاصة مع أهمية هذا الشريان الحيوي الذي سيربط الجهة الغربية بالشرقية، وسيساهم في دفع عجلة التنمية.
«طريق الموت والازدحام"
يعيش سكان الداموس والبلديات المجاورة على وقع معاناة يومية مع الطريق الوطني رقم 11، الذي يتحول في فصل الصيف إلى "جحيم مروري"، حيث يسلكه آلاف المصطافين للاستمتاع بشواطئ المنطقة؛ ما يحوّل الطريق الضيق أصلا إلى ساحة انتظار ممتدة، ويزيد من معاناة السكان المحليين والناقلين على حد سواء. ووصفه سكان المنطقة في نداءات متكررة، بـ "طريق الموت" نظرا لكثرة الحوادث فيه نتيجة ضيقه، وعدم ملاءمته للحركة المرورية المتزايدة، خاصة مع غياب مسالك آمنة للمشاة، حيث شهدت المنطقة حوادث دهس مأساوية أودت بحياة مواطنين؛ لذلك يطالب المواطنون باستكمال هذا المشروع الذي يرونه "طوق نجاة" وليس مجرد طريق مُعبّد، فهو بالنسبة لهم بوابة للتنمية الاقتصادية والسياحية، وأداة لتقليص مدة التنقل، وتحسين ظروف العيش.
ترقُّب الإقلاع الحقيقي
وفي سياق متصل، بدت السلطات المحلية واعية بهذا المطلب الملح، حيث كان الوالي السابق لتيبازة أبوبكر الصديق بوستة، أكد أن المشروع قد تمت المصادقة عليه في البرنامج القطاعي لسنة 2023، مع إمكانية انطلاقه خلال العام الموالي. غير أن هذا الموعد لم يتحقق بعد؛ ما زاد من حالة ترقب السكان، الذين أصبحوا يتساءلون عن مصير مشروع كان من المفترض أن يغير واقع منطقتهم.
ويأتي هذا التأخير في وقت تشهد الولاية ديناميكية في قطاع الطرقات، حيث أُعطيت إشارة انطلاق أشغال عصرنة وازدواجية الطريق السريع الرابط بين الدواودة وبواسماعيل، وهو مشروع آخر يهدف إلى رفع القدرة الاستيعابية للمحور الشرقي للولاية، والذي يكتظ هو الآخر بالمركبات، خاصة في فصل الصيف. غير أن هذه المشاريع رغم أهميتها، لا تغني عن ضرورة إيلاء الجهة الغربية نفس الاهتمام، خاصة أن المنطقة تُعد بوابة سياحية واقتصادية واعدة، ويجب أن تنعم ببنية تحتية تليق بإمكانياتها. ويبقى سكان الجهة الغربية لتيبازة يعلقون آمالهم على تدخّل وزير الأشغال العمومية، عبد القادر جلاوي ابن الولاية، للنظر في هذا الملف، وإعطائه الأولوية، وإنهاء سنوات من الانتظار، وتحويل حلم الطريق السريع إلى واقع ملموس ينهي عزلة المنطقة، ويدفع بها نحو تنمية مستديمة.