"كل شيء باطل" في قورصو

حيلة تجارية "ذكية" لجذب الزبائن وكسر الأسعار

حيلة تجارية "ذكية" لجذب الزبائن وكسر الأسعار
  • 127
حنان. س حنان. س

مع اقتراب شهر رمضان الفضيل وفي ظل التهافت الكبير على المواد الاستهلاكية، تبرز ببلدية قورصو في ولاية بومرداس، ظاهرة تجارية أقل ما يمكن وصفها بأنها تثير الجدل والفضول. مساحة تجارية اختارت التمرد على الأسماء الكلاسيكية، لتتخذ من عبارة "كل شيء باطل" شعارا لها. ورغم أن المنطق يقول: "لا شيء مجاني في عالم التجارة"، إلا أن هذا العنوان نجح في تحويل المكان إلى قِبلة يومية لمئات العائلات الباحثة عن بصيص أمل في حماية قدرتها الشرائية.

لا يمكن مستعملي طريق “لوناكو” ما بين بلديتي قورصو وبودواو، أن يخطئوا الطريق نحو المساحة التجارية المذكورة؛ فالحركية غير العادية والازدحام المروري في محيطها لا سيما باقتراب رمضان، يشيان بالكثير، فالتسمية في حد ذاتها "كل شيء باطل" (بمعنى كل شيء مجاني بالعامية الجزائرية)، كانت بمثابة "الطُّعم" الذكي الذي نصبه صاحب المشروع لجذب المستهلكين.

ويقول الكثير من الزبائن الذين التقتهم “المساء” في عين المكان، إن الفضول كان الدافع الأول لزيارتهم، لكن بمجرد الدخول والتحقق من الأسعار تحوَّل الفضول إلى وفاء. فالحيلة التجارية هنا لم تكن “خديعة” ، بل كانت استراتيجية تسويقية، مبنية على مبدأ “الربح القليل والبيع الكثير”، فالتخفيضات واقعية، وتحدي الأسعار أيضا.

وفي جولة بين أروقة المساحة يلاحظ الزائر فرقا ملموسا في الأسعار مقارنة بالمحلات الأخرى، حيث تتراوح في الغالب، ما بين 5 و15 بالمائة، وهو ما يُترجَم فعليا بانخفاض بقرابة 40 دينارا غالبا في القطعة الواحدة لبعض المواد، وهو مبلغ وإن بدا بسيطا في نظر البعض، إلا أنه يشكل فارقا جوهريا في سلة تسوّق عائلية متكاملة تضم عشرات المواد.

ولا تقتصر المواد المعروضة على الكماليات فقط، بل تشمل الضروريات كذلك من مواد التنظيف إلى المواد الغذائية واسعة الاستهلاك، وهو ما جعل الصدى يتجاوز حدود بلدية قورصو، ليصل إلى باقي البلديات، وحتى ولايات مجاورة، بفضل استعانة المسيّرين بقوة التأثير التي مارستها منصات التواصل الاجتماعي.

"كل شيء باطل" لمرافقة المستهلك وطموحٌ للتوسيع

في لقاء مع مسيّر المساحة التجارية مصطفى غنام الذي وجدناه منهمكا في الإشراف على استقبال الشحنات الجديدة من السلع، أوضح أن هذا المشروع هو استثمار عائلي. وجاء كتوسعة لخبرة سابقة بدأت في منطقة "حلايمية" ببلدية بودواو. وعن سر التسمية المثيرة للفضول قال المتحدث إنه يدرك أن عبارة "كل شيء باطل" ملفتة، وقد اختيرت عمدا لجلب الزبون، مردفا: "لكننا ندعم هذه التسمية بواقع ملموس، وهو تخفيض الأسعار بنسب حقيقية، لتكون في متناول العائلات متوسطة وضعيفة الدخل"، ومضيفا: "هدفنا هو كسب ثقة الزبون على المدى الطويل، وليس مجرد بيع آني". 

ومع العد التنازلي للشهر الكريم تشهد المساحة حالة "طوارئ" تجارية، فالضغط لا يقتصر على طوابير الزبائن الذين يتسابقون لتخزين مستلزمات "الشوربة" والحلويات الرمضانية، بل يمتد إلى المُسيّرين الذين يسارعون الزمن لتوفير المواد التي يكثر عليها الطلب. ويؤكد مصطفى غنام أن التركيز حاليا منصب على ضمان وفرة مواد مثل "الفريك"، والفرينة، والسميد، والزيت، والسكر، وغيرها من السلع التي تشكل عصب المائدة الجزائرية في رمضان، حيث تسعى الإدارة لتفادي أي ندرة قد تعكر صفو المستهلك، مع الحفاظ على قاعدة “التخفيض” للحفاظ على القدرة الشرائية للعائلات. وبين ذكاء التسويق وواقعية الأسعار تظل تجربة "كل شيء باطل" في قورصو، نموذجا آخر لما يمكن أن يقدمه الخواص في إطار التضامن الاجتماعي المُبطن بقالب تجاري.

ففي الوقت الذي تشتعل فيه الأسعار باقتراب المناسبات لا سيما الدينية منها، يجد المواطن في مثل هذه الفضاءات، متنفسا ولو نسبيا يعينه على مجابهة مصاريف شهر الصيام، بجيوب أقل إنهاكا. ونشير أخيرا الى أن طموحات هذا الاستثمار العائلي، تسعى لتحويل هذه التجربة الناجحة إلى صرح تجاري شامل يغطي كافة احتياجات الأسرة الجزائرية، حيث كشف السيد غنام في حديثه إلـى "المساء"، عن الرغبة الجادة في التوسيع بإضافة أجنحة خاصة بالخضر والفواكه، واللحوم الطازجة، وحتى الملابس والأدوات الكهرومنزلية، ليكون "كل شيء باطل" مقصدا واحدا للتسوق العائلي الشامل، وهو المشروع الطموح الذي من شأنه استحداث مناصب شغل إضافية لشباب المنطقة؛ ما جعله يوجه نداءً إلى السلطات المحلية والولائية لدعمه، ومرافقته، من خلال تمكينه من قطعة أرض تتناسب مع حجم هذا الاستثمار الاستراتيجي.