طرقات معسكر بين الواقع والترقيع

حلول مؤقتة تستنزف أمولا طائلة

حلول مؤقتة تستنزف أمولا طائلة
  • 48
ع. ياسين ع. ياسين

تعود مسألة إعادة تأهيل الطرقات إلى الواجهة من جديد في ظل تزايد المطالب بتحسين البنية التحتية، وضمان تنقُّل أكثر أمانا وانسيابية للمواطنين. غير أن الرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على إطلاق مشاريع التهيئة، بل أصبح يتمحور حول جودة الأشغال، وقدرتها على الصمود في ظل تكرار ظاهرة تدهور الطرقات بعد فترة قصيرة من إنجازها، سواء داخل النسيج العمراني أو خارجه. 

الواقع الميداني كشف في كثير من الأحيان، عن طرقات تم ترقيعها حديثا سرعان ما عادت إلى حالتها المتدهورة؛ نتيجة اعتماد حلول مؤقتة، أو استعمال مواد أقل جودة في عمليات الردم والترقيع. وهي الممارسات التي تتحول تدريجيا إلى حلقة مفرغة، تجعل من مشاريع إعادة الاعتبار، مجرد تدخلات ظرفية بدل أن تكون حلولا جذرية ودائمة. 

وفي هذا السياق، تبرز معالجة النقاط السوداء كأولوية ملحّة بالنظر إلى ما تمثله من بؤر حقيقية للاختناقات المرورية، والحوادث، فضلا عن تأثيرها المباشر على ظروف تنقّل المواطنين، إذ لم يعد مقبولا الاكتفاء بتدخلات سطحية، بل أصبح من الضروري اعتماد مقاربة تقنية دقيقة، تأخذ بعين الاعتبار حالة الطريق، وكثافة حركة المرور، والعوامل الطبيعية التي تؤثر على سلامة البنية التحتية.

كما إن إعادة تهيئة المحاور الحضرية وصيانة شبكة الطرقات، تتطلب رؤية شاملة، تضمن استمرارية جاهزية الشبكة الطرقية، وتحسين نوعية الخدمات المقدمة. غير أن هذا الهدف يظل مرتبطا، بشكل مباشر، بنوعية الأشغال المنجزة، خاصة أن بعض عمليات الترميم تعتمد على مواد لا تستجيب للمعايير التقنية المطلوبة، ما يؤدي إلى تدهور سريع للطرقات، وظهور تشققات وحفر في فترات قصيرة. 

وتبرز هنا أهمية اعتماد مقاربة استباقية في صيانة الطرقات، تقوم على البرمجة الدورية لعمليات التهيئة وإعادة الاعتبار بدل انتظار تدهور الطرقات بشكل كامل قبل التدخل. فالصيانة المنتظمة تساهم في إطالة عمر الطريق، وتقلل من التكاليف المرتبطة بإعادة الأشغال المتكررة.  ولا يقتصر أثر إعادة تأهيل الطرقات على تحسين حركة المرور داخل المدن فقط، بل يمتد أيضا إلى فك العزلة عن المناطق الريفية والنائية، وربط مختلف الأقطاب الحضرية والاقتصادية؛ فشبكة طرقات ذات جودة عالية تعني تسهيل تنقّل المواطنين، ودعم النشاط الفلاحي، وتحفيز الاستثمار المحلي بما يعزز الديناميكية التنموية الشاملة. 

غير أن المعركة الحقيقية تبقى معركة الجودة؛ فالتسريع في وتيرة الإنجاز دون احترام المعايير التقنية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويحوّل مشاريع التهيئة إلى تدخلات متكررة، تستنزف الموارد دون تحقيق الأهداف المرجوة. واليوم لم تعد إعادة تأهيل الطرقات مجرد مشاريع ظرفية، بل أصبحت اختبارا حقيقيا لمدى فعالية الأشغال المنجزة؛ فالطريق الذي ينجَز وفق المعايير المطلوبة يصمد لسنوات. أما الطريق الذي يرمَّم بمواد ضعيفة، فلا يلبث أن يتحول مجددا إلى نقطة سوداء، في مشهد يتكرر بصمت، لكنه يُثقل كاهل المواطنين يوما بعد يوم!.