انتعاش كبير في تجارة التمور ببسكرة
تسويق 50 بالمائة من محصول الموسم الفارط
- 174
نور الدين العابد
أخذت تجارة التمور ببسكرة تتعافى بعد انقضاء شهر رمضان المبارك، الذي يُعدّ شهرًا قياسيًا في الاستهلاك، حيث بدأت تظهر بوادر انتعاش اقتصادي لدى المنتجين والتجار بعد شهور من القلق بشأن وضع الشعبة، التي وصفوها بـ"الراكدة" ومُعرّضة للإفلاس، بسبب وفرة التمور، وقلة منافذ البيع. وتشير التقارير إلى بيع أكثر من 50 بالمائة من محصول التمور لعام 2025 المُعبأ والمُخزّن في مخازن التبريد، في الأسواق المحلية والدولية.
تُعد الجزائر من أبرز البلدان المنتجة للتمور، حيث تتميز ولايات الجنوب مثل بسكرة وورقلة، بإنتاج أنواع عالية الجودة. وتلعب هذه المناطق دورًا أساسيًا في تزويد الأسواق الوطنية، بل وحتى التصدير نحو الخارج. ويقول أحد الفلاحين: "إن رمضان يمنح التمر قيمة مضاعفة، حيث تتحول الواحات إلى مصدر حياة اقتصادية حقيقية، تمتد فوائدها من الفلاح إلى التاجر وحتى المستهلك.
التمور الجزائرية.. جودة ومكانة
تشهد تجارة التمور بولاية بسكرة، ككل سنة، انتعاشًا لافتًا خلال شهر رمضان الكريم، حيث تتزايد الكميات المعروضة، ويتسارع دوران السلع، وتنتعش حركة البيع والشراء بشكل واضح، ما يجعل رمضان موسمًا استثنائيًا للفلاحين والتجار على حد سواء. كما يُعد التمر جزءًا لا يتجزأ من الموروث الغذائي في العالم العربي والإسلامي، حيث يُستهل به في الإفطار؛ اتباعًا للسنة النبوية. هذا الارتباط الديني والثقافي يضفي على التمور مكانة خاصة، تجعل الطلب عليها في رمضان يتجاوز الحدود، لكونها حاجة غذائية، ليصبح طقسًا يوميًا لا غنى عنه. ويحرص معظم الصائمين على اقتناء التمر قبل أذان المغرب، بل ويقوم كثيرون بشراء كميات كبيرة في بداية الشهر لتغطية احتياجاتهم طوال رمضان، ما يخلّف ضغطًا إضافيًا على الأسواق، ويزيد من وتيرة الطلب.
حركية اقتصادية ملحوظة
يشهد سوق التمور ببسكرة، على وجه الخصوص، نشاطًا اقتصاديًا كبيرًا، يتمثل في ارتفاع حجم المبيعات اليومية، وتنوع كبير في العروض والمنتجات، وتوسع شبكة التوزيع من مناطق الإنتاج إلى مختلف الولايات، مع ظهور تجار موسميين يستغلون الفرصة لعرض منتجاتهم. ولا يقتصر هذا النشاط فقط على البيع المباشر، بل يشمل أيضًا، عمليات النقل، والتخزين، والتعبئة، ما يسمح بتكوين سلسلة اقتصادية متكاملة، تنعكس إيجابيًا على الاقتصاد المحلي.
وفي ولايات الجنوب خاصة تلك المعروفة بإنتاج التمور، يتحول النشاط إلى ما يشبه "موسم الحصاد الاقتصادي"، حيث تخرج كميات كبيرة من المخزون لتلبية الطلب الوطني المتزايد. وخلال موسم جني تلك الثمار وطوال السنة، تتحول هذه الواحات إلى مصدر رئيسي لتزويد الأسواق، حيث يتم نقل التمور عبر شاحنات مبردة أو عادية، نحو مختلف الولايات؛ لضمان توفرها بجودة مناسبة للمستهلك.
الأسعار بين العرض والطلب
تشهد أسعار التمور تباينًا ملحوظًا. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل، منها نوع التمر، وجودته، وطريقة التخزين، وتكلفة النقل، والعرض والطلب في السوق. فالتمور الفاخرة وعلى رأسها "دقلة نور"، تحافظ على أسعار مرتفعة نسبيًا، نظرًا لجودتها، ومكانتها في السوق، بينما تبقى أنواع أخرى بأسعار في متناول فئات واسعة من المجتمع. ويضمن هذا التفاوت في الأسعار نوعًا من التوازن، حيث يمكن كل عائلة اختيار ما يناسب قدرتها الشرائية، دون أن تفقد فرصة اقتناء هذه المادة الأساسية خلال الشهر الكريم.
من الواحة إلى السوق.. رحلة طويلة
تمر التمور بسلسلة إنتاج وتوزيع معقدة قبل أن تصل إلى المستهلك، تبدأ من جني التمور. وهي مرحلة دقيقة، تتم يدويًا في أغلب الأحيان، مع الفرز والتنظيف، حيث يتم اختيار التمور الجيدة، واستبعاد التالفة، لتتم تعبئتها داخل صناديق أو علب وأكياس مخصصة، وتُنقل بعدها إلى الأسواق أو مراكز التوزيع.
التسويق والبيع
تساهم هذه الرحلة في إعطاء فرص عمل متعددة، تدعم فئات مختلفة من المجتمع من الفلاح إلى التاجر، وصولًا إلى العامل في النقل. وبإحدى الواحات، حدّثنا فلاح قضى سنوات طويلة في رعاية نخيله، قائلاً: "رمضان بالنسبة لنا ليس فقط شهر عبادة، بل موسم عمل حقيقي. وننتظر هذه الأيام لنبيع محصولنا، ونغطي جزءًا من مصاريف السنة". ويعكس هذا التصريح، بوضوح، العلاقة الوثيقة بين الموسم الديني والنشاط الاقتصادي، حيث يتحول الشهر الكريم إلى فرصة لتحسين الدخل، ودعم الاقتصاد المحلي.
الأسواق الشعبية.. نبض الحياة
وفي الأسواق الشعبية، تتجلى الصورة الحقيقية لانتعاش تجارة التمور. عراجين مرتبة بعناية، وأصناف متنوعة، وباعة ينادون على الزبائن بأسلوب تقليدي، وأجواء تملؤها الحيوية. يقول أحد الباعة: "نستعد لهذا الموسم منذ أشهر. نختار أفضل التمور ونخزنها، لأن الطلب في رمضان لا يشبه أي وقت آخر". وفي المقابل، يتوافد الزبائن باحثين عن الجودة، والسعر المناسب، حيث تتحول عملية الشراء إلى تجربة جماعية، تتخللها النقاشات، والمقارنات بين الأنواع.
التمور.. أكثر من مجرد غذاء
لا تقتصر أهمية التمور على كونها مادة غذائية، بل تمتد لتشمل قيمة غذائية عالية، ودورًا في تعزيز الطاقة للصائم، ورمزية دينية واجتماعية، واستخدامات متعددة في الحلويات والمأكولات. كما يتم تقديمها كهدايا في المناسبات، ما يزيد من الطلب عليها، خاصة في رمضان، حيث يكثر التزاور، والتواصل الاجتماعي.