قرارات استباقية لمعالجة الاختلالات التنموية بتيبازة

تسريع وتيرة إنجاز المشاريع وتحسين الخدمات العمومية

تسريع وتيرة إنجاز المشاريع وتحسين الخدمات العمومية
  • 132
كمال لحياني كمال لحياني

ترأّس والي تيبازة محمد أمين بن شاولية، في إطار السعي لتحقيق قفزة نوعية في مجال التنمية المحلية بتيبازة ، اجتماعا موسعا خُصص لتقييم ومتابعة سير المشاريع السكنية والتنموية، بالإضافة إلى استعراض وضعية المرافق العمومية، والخدمات الأساسية. وقد خلص الاجتماع إلى جملة من التوجيهات الصارمة، التي تهدف إلى رفع التحديات الميدانية، وضمان تقديم خدمات لائقة بالمواطن. لم تعد الاستراتيجية الجديدة التي تتبعها ولاية تيبازة تقتصر على التقييم الروتيني للمشاريع، بل تقوم على الرقابة الصارمة، والاستباقية في معالجة الاختلالات، وإعادة الاعتبار للمرافق العمومية في ظل تحديات متزايدة تفرضها متطلبات العصر، وانشغالات وشكاوى المواطنين.

وأكد في هذا السياق، الوالي محمد أمين بن شاولية، على ضرورة إعداد برنامج ميداني صارم لمعاينة الورشات، مع الحرص على متابعة تقدم الأشغال عن كثب، مشددا على أهمية نظافة محيط الورشات، والتشديد على جودة ونوعية الأشغال المنجزة، مع ضرورة توجيه إعذارات فورية للورشات المتأخرة، واتخاذ إجراءات استباقية لتدارك التأخر. كما دعا إلى تدعيم الورشات بكافة الوسائل والإمكانيات الضرورية لتسريع وتيرة الإنجاز، واحترام الآجال المحددة، مع الإسراع في استكمال التهيئة الخارجية، وربط المواقع بشبكات الماء والكهرباء والغاز والصرف الصحي، إلى جانب تهيئة الطرقات، لضمان جاهزية البرامج السكنية، وتسليمها في أفضل الظروف.

من التخطيط المكتبي إلى الانضباط الميداني

من أبرز توجيهات الوالي الانتقال من منطق "التخطيط النظري" إلى منطق "الانضباط الميداني" ؛ من خلال إعداد برنامج ميداني صارم لمعاينة الورشات، ليس كطلب إداري عابر، بل كفلسفة جديدة تضع المسؤول من خلال "المعاينة المباشرة" في صلب عملية اتخاذ القرار. وهذا يعني أن متابعة المشاريع لم تعد مسؤولية مكتبية تكتفي بالتقارير المكتوبة، بل أصبحت رهانا يوميا يقاس بمدى اختراق الإدارة حاجز الأوراق، والوصول إلى قلب الورشات.

ويُعد التشديد على النظافة والجودة وتوجيه الإعذارات بمثابة إعلان عن مرحلة جديدة يُحاسب فيها الجميع على النتائج. وتُكسر فيها دائرة التساهل، التي غالبا ما تكون سببا رئيسيا في تعثر المشاريع أو تدني جودتها. كما إن ربط التوجيهات بالإعذارات وإجراءات الدعم (التدعيم بالوسائل)، يكشف عن مقاربة متوازنة تجمع بين العصا والجزرة، وتهدف إلى استحداث ديناميكية حقيقية في مواقع الإنجاز.

رهان على الشبكات والتهيئة الخارجية.. بنية تحتية لخدمات مستدامة

لم يغفل المسؤول البعد الاستراتيجي للتجهيزات الأساسية حين شدد على ضرورة الإسراع في ربط المواقع بشبكات الماء، والكهرباء، والغاز، والصرف الصحي، وتهيئة الطرقات. وتحمل هذه النقطة في طياتها إدراكاً عميقاً بأن السكن لا يكتمل دون محيطه، وأن جاهزية البرامج السكنية ليست مجرد تسليم مفاتيح، بل استكمال لمنظومة متكاملة من المرافق التي تضمن استدامة الحياة والرفاهية للساكنة.

وهنا يمكن القول إن التوجيه يسعى إلى تجاوز أزمة "السكن دون خدمات" التي عانت منها العديد من المدن الجديدة في السابق، حيث كانت البنايات جاهزة بينما تظل الطرقات غير معبدة، والشبكات غير موصولة، ما يحول فرحة السكن إلى معاناة يومية. ومن ثم فإن هذا التوجه يعكس إرادة سياسية لتقديم منتج سكني متكامل، يليق بتطلعات المواطن، ويصب في خانة تحسين جودة الحياة.

المحلات المهنية والأسواق.. إحياء للنسيج الاقتصادي المحلي

وفي محور آخر، كان التركيز على المحلات ذات الاستعمال المهني والحرفي والأسواق غير المستغَلة، بمثابة اعتراف ضمني بأن التنمية العمرانية لا يجب أن تنفصل عن البعد الاقتصادي؛ فالمحلات المهنية ليست مجرد مبان، بل هي عصب للحركة التجارية والحرفية، ومصدر لتوفير الثروة، وفرص العمل، وإعادة بعث نشاطها في أجل لا يتجاوز شهرا واحدا. وهو تحدٍّ كبير، لكنه ضروري لكسر الجمود الذي طال هذه الفضاءات، وتحويلها إلى نقاط إشعاع اقتصادي.

أما الأسواق غير المستغلة فهي تمثل هدرا للمال العام، وإهدارا لطاقات استثمارية، كان يمكن أن تكون محركاً للاقتصاد المحلي. ومن ثم فإن توجيه الوالي بتسجيل عمليات تهيئة لها، يؤكد أن هناك نظرة جديدة لهذه الأسواق؛ باعتبارها مشاريع تنموية لا مجرد منشآت خرسانية، وهذا ما يستدعي من البلديات تجاوز البيروقراطية، والانطلاق بسرعة في وضع برامج عملية لإعادة تأهيلها، وتشغيلها.

حملات النظافة وتحسين المحيط... معركة الوعي والمشاركة المجتمعية

يحمل استئناف حملات تنظيف المحيط كل سبت، دلالات تتجاوز جانب النظافة؛ فهو يهدف إلى ترسيخ ثقافة النظافة كسلوك يومي وليس كحدث استثنائي، وإشراك المواطن والمجتمع المدني في عملية التحسين المستدام للإطار المعيشي. كما إن تخصيص فرق ميدانية متنقلة بالدراجات النارية لرصد النقاط السوداء للنفايات والتسربات المائية وأعطال الإنارة، يُعد نقلة نوعية في أسلوب الرقابة؛ فهذا الأسلوب يجعل الرقابة "لحظية" و«متنقلة" بدلا من الرقابة الثابتة أو الموسمية، وهو ما يعزز سرعة الاستجابة، وفعالية التدخل. 

النقل المدرسي.. أولوية أمنية وتربوية

ما يميز توجيهات الوالي في ملف النقل المدرسي، الجمع بين الجانب الأمني والتربوي معاً؛ فتكثيف الرقابة لا يقتصر على مطابقة المركبات للمعايير التقنية، بل يتعداها إلى ضمان سلامة الأطفال كأولوية قصوى، وضمان انضباط النقل بما يخدم العملية التعليمية، ولا يعطّلها. وهذا يضع مصالح التلاميذ في قلب الاهتمامات، ويؤكد أن إدارة الولاية تتعامل مع هذا الملف بحساسية بالغة، باعتباره قضية مجتمعية بامتياز.

الصحة العامة ومكافحة الأمراض... البعد الإنساني الخفيُّ

ومن خلال طلب عرض حول حصة عمل اللجنة الولائية لمكافحة الأمراض المتنقلة عبر المياه ووضعية الفراغات الصحية، يظهر جلياً أن الوالي يضع صحة المواطن في سلّم أولوياته، ويدرك العلاقة العضوية بين البيئة السليمة والصحة العامة. فالفراغات الصحية غير المراقبة والمياه الملوثة تشكلان بؤراً حقيقية لانتشار الأمراض. وهذا التوجيه يعكس فهماً متكاملاً للتنمية، إذ لا يمكن الحديث عن سكن لائق أو مرافق متطورة دون ضمان بيئة صحية سليمة، خالية من الأوبئة، والأمراض المائية.


من رماد الحرائق إلى جهود الترميم

ورشة عمل وطنية لتجديد الغطاء النباتي بتيبازة

تحولت غابات ولاية تيبازة التي التهمتها النيران في حرائق غير مسبوقة خلال عامي 2025 و2026، إلى ورشة عمل وطنية لإعادة إحيائها؛ في مشهد يعكس إرادة التحدي؛ حيث تتضافر جهود الدولة ومؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني، لتعويض ما أفسدته الحرائق، وبناء مستقبل أكثر اخضراراً. شهدت ولاية تيبازة حرائق مهولة في نوفمبر 2025، وهو توقيت غير معتاد بالنسبة للحرائق الغابية التي تتركز عادة في فصل الصيف، حيث تسببت الرياح القوية التي تجاوزت سرعتها 60 كيلومترا في الساعة، في انتشار النيران بسرعة هائلة؛ ما أجبر السلطات على إجلاء حوالي خمسين عائلة من القرى المهددة.

وأسفرت هذه الكارثة عن خسائر فادحة، إذ أظهرت التقييمات الأولية التي أعلن عنها والي تيبازة محمد أمين بن شاولية، احتراق ما يقارب 191 هكتار من الغابات والأشجار المثمرة في أربع بلديات، هي بني ميلك، ولارهات، ومسلمون وحجرة النص. ولم تقتصر الأضرار على الغطاء النباتي، بل طالت أيضا المحاصيل الزراعية، ومعدات الري، والمواشي وخلايا النحل. وفي صيف 2026، تكرر نفس السيناريو؛ حيث سجلت الولاية حرائق متزامنة أتت على مساحات إضافية، مع توقيف سبعة أشخاص مشتبه فيهم بتهمة إشعال النيران عمدا في عدة ولايات، من بينها تيبازة.

من التعويض إلى إعادة التأهيل

وفي رد فعل سريع، حرصت السلطات على تقديم الدعم للسكان المتضررين، حيث قام رئيس الهيئة التنفيذية للولاية بتشكيل لجان تحقيق ميدانية لحصر الأضرار، تعهدت بعدها الحكومة بتعويض الفلاحين عن خسائرهم، مع تقديم تقارير مفصلة للسلطات المركزية للحصول على الاعتمادات المالية اللازمة. كما تفقّد الوزير الأول سيفي غريب، المناطق المنكوبة، مؤكدا التزام الدولة بمرافقة العائلات المتضررة، وتقديم الدعم النفسي والطبي لهم، حيث تم وضع المستشفيات ومراكز الحروق في حالة تأهب قصوى. وإلى جانب ذلك، أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بإطلاق تحقيق لتحديد أسباب اندلاع الحرائق بشكل متزامن في ظل غرابة توقيتها، واتساع رقعتها؛ ما يبرز بعداً أمنيا إلى جانب البعد البيئي في معالجة هذه الظاهرة.

مبادرات التشجير... حملات وطنية ومشاركة مجتمعية

بعد إخماد النيران انطلقت عمليات إعادة التأهيل عبر حملات تشجير واسعة النطاق، بمشاركة فعالة من المجتمع المدني، والقطاع الخاص. وفي إطار الحملة الوطنية "مليون شجرة"، نظمت مؤسسة "أوريدو" للاتصالات عملية تشجير في منطقة سيدي راشد بولاية تيبازة، تحت شعار "بلادنا ديما  خضراء". وشارك في هذه المبادرة متطوعون من الجمعية الوطنية للعمل التطوعي، إلى جانب موظفي المؤسسة، كجزء من مسؤوليتهم الاجتماعية؛ للمساهمة في تعزيز المساحات الخضراء، ومكافحة التصحر.

كما اختارت وزيرة البيئة وجودة الحياة، كوثر كريكو، غابة حجرة النص في تيبازة التي التهمتها النيران، لتنطلق منها حملة تقنية وطنية لحماية الثروة النباتية والحيوانية، تهدف إلى إعادة تأهيل الغطاء النباتي في المناطق المتضررة، وتثبيت التربة، وتنفيذ تدابير وقائية ضد المخاطر البيئية المستقبلية بالتعاون بين الهيئات الحكومية والجمعيات المحلية والمنظمات البيئية.

رهان لإعادة إحياء الغابات من جديد

كشفت آمال مقراني رئيسة مصلحة حماية النباتات بمحافظة الغابات بتيبازة لـ "المساء" ، أن الحرائق أتت على 3400 هكتار بولاية تيبازة خلال موسمي 2025 و2026، أبرزها غابات بوهارون، ومراد، وحجوط وقوراية، حيث شملت الخسائر نفوق 850 رأس ماشية، وتضرر 7 منازل إضافة إلى تآكل التربة، وفقدان التنوع البيولوجي. وفي هذا السياق، أكدت مقراني أن فرقها أنجزت جردا دقيقا بالأنظمة المعلوماتية، مشيرة إلى أن البرنامج الاستعجالي يشمل تشجير 8000 هكتار (4 أضعاف المتضرر) على 3 مراحل باستخدام الصنوبر الحلبي والبلوط الفليني، مع إنشاء 5 مشاتل لإنتاج 2 مليون شتلة سنويا، وتجهيز 15 نقطة مائية، ومنع الرعي 3 سنوات بتكلفة 500 مليون دج.

ووضعت محافظة الغابات في هذا الإطار، خطة شاملة لإعادة تشجير المناطق المحروقة، حيث أكدت مقراني أن الخطة تشمل عدة محاور رئيسية، منها تحديد المناطق المتضررة. ويبدأ البرنامج بتحديد المناطق الأكثر تضررا، وتقييم حجم الخسائر لتحديد أولويات العمل، واختيار الأنواع المناسبة، حيث يتم اختيار أنواع الأشجار المناسبة للزراعة، وفقا للظروف المناخية والتربة؛ ما يضمن نجاح إعادة التشجير.