"المساء" ترصد واقع بلدية الشرفة بعنابة

تحديات تنموية بحاجة لمراجعة آنية

تحديات تنموية بحاجة لمراجعة آنية
  • 63
 سميرة عوام سميرة عوام

​ترفض بلدية الشرفة التابعة لولاية عنابة، أن تظل مجرد نقطة عبور هامشية ضمن الخارطة الإدارية للولاية، وهي التي تقع على بعد 30 كلم جنوب عاصمة الولاية، وتتمركز جغرافيا في الجهة الشمالية لبلدية سيدي عمار؛ الأمر الذي يستوجب إعادة قراءة شاملة للبرامج التنموية المسطرة بما يتوافق مع الاحتياجات الحقيقية التي يفرضها الواقع، لا السجلات القديمة.

وتواجه هذه المنطقة النائية اليوم، تحديات تنموية كبرى تفرضها المعطيات الديموغرافية المتسارعة؛ ففي الوقت الذي تشير فيه الإحصائيات الرسمية الأخيرة لعام 2008 إلى وجود 10 آلاف نسمة، تؤكد التقارير الميدانية والمصادر المحلية لعام 2026، أن التعداد السكاني الفعلي خارج الحسابات المسجلة رسميا، يتراوح ما بين 13 و15 ألف نسمة. هذا الانفجار الديموغرافي الصامت يلقي بظلاله على التجمعات السكنية الرئيسية بالبلدية، وعلى رأسها أحياء "لعبيدي محمد"، و"عزيزي أحمد"، و"سلامي"، و"الشرفة مركز"، و"أولاد عطا الله".

​انشغالات النقل.. حلم "الخط المباشر" ومعاناة الاكتظاظ اليومي

​أكد عدد من سكان بلدية الشرفة في تصريحهم لـ"المساء"، أن قطاع النقل يظل النقطة السوداء التي تعيق نشاطهم وحركية الحياة اليومية، وتكبح طموحاتهم التنموية؛ إذ يرون أن البرامج الحالية مازالت بعيدة عن تطلعاتهم الحقيقية. وأوضحوا أن تدعيم الخط بحافلتين قادمتين من بلدية العلمة مرورا بالشرفة، لا يمثل حلا جذريا، ولا يرقى لمستوى الكثافة السكانية الحالية نظرا لكون هذه الحافلات تصل إلى مركز البلدية، ممتلئة تماما بالركاب القادمين من نقطة الانطلاق، خاصة خلال الفترة الصباحية، التي تشهد ذروة تنقُّل العمال نحو عملهم، والطلبة نحو جامعاتهم.

​ودفع هذا الوضع المتأزم بالسكان إلى المطالبة باستحداث "خط نقل مباشر" يربط بين الشرفة مركز وعاصمة الولاية عنابة بشكل دوري ومنتظم، لإنهاء التبعية المطلقة للخطوط العابرة التي تضع المواطن تحت رحمة "المقاعد الشاغرة"، التي نادرا ما تتوفر. ويشير المواطنون إلى أن غياب هذا الربط المباشر يضطرهم يوميا لاقتناء سيارات "الفرود" أو السيارات الجماعية، التي تضاعف تكاليف التنقل، وهو ما يثقل كاهل العائلات ذات الدخل المحدود. 

ورغم وعود مديرية النقل بتدعيم الخط الرابط بين محطة "كوش نور الدين" والشرفة مركز بـ 3 حافلات إضافية، إلا أن المشكل القائم يتجاوز مجرد عدد الحافلات؛ إذ يتعلق الأمر بعزوف الناقلين الخواص عن العمل خارج أوقات الذروة الصباحية والمسائية نتيجة تراجع الطلب في فترات الظهيرة، ما يترك المنطقة في حالة عزلة شبه تامة لساعات طويلة، ويفرض على السلطات المعنية إيجاد صيغة قانونية تضمن استمرارية الخدمة طوال اليوم.

أعمدة الإنارة بلا ضوء في سلامي والمراونة

​تبرز مشكلة الإنارة العمومية كواحدة من أكثر الانشغالات التي أرقت سكان البلدية في الوقت الراهن، حيث يشتكي قاطنو حيَّي "سلامي" و"المراونة" من حالة الظلام الذي يُدخل الشوارع بمجرد غروب الشمس في عزلة تامة؛ ما يحرم العائلات من الخروج ليلا. والمفارقة الميدانية الصادمة التي رصدناها تكمن في وجود الأعمدة الكهربائية فعليا على جنبات الطرق، إلا أنها تظل مجرد هياكل حديدية “ديكورية” بلا فائدة تُذكر. والسبب يعود ببساطة إلى احتراق المصابيح، وغياب كلي لعمليات الصيانة الدورية البسيطة.

​هذا الوضع المتدهور حوّل الحيّين إلى فضاءات موحشة، ما أثار مخاوف مربي المواشي وأصحاب المزارع؛ إذ يؤكد المواطنون أن الظلام يساعد المنحرفين وعصابة سرقة الأغنام، في التسلل إلى الزرائب من أجل السرقة، خاصة مع اقتراب عيد الأضاحي. ويطالب سكان "سلامي والمراونة" المسؤولين المعنيين، بالتدخل العاجل لاستبدال المصابيح المحترقة، وإعادة دعم  شبكة الإنارة، معتبرين أن إهمال صيانة الأعمدة يزيد من متاعب السكان، خاصة مع العدّ التنازلي لدخول الصيف.

​ النفايات قنبلة تهدد صحة السكان

​ومن بين الانشغالات التي وصلت رئيسَ بلدية الشرفة، تراكم القمامة؛ حيث يعيش حي "لعبيدي محمد" المعروف محلياً بـ"لوشار"، وضعا بيئيا  لا يُحسد عليه نتيجة الانتشار الكبير للقمامة المرمية في كل زاوية من زوايا الحي. ويشهد الحي تراكم كميات معتبرة  من النفايات المنزلية والصلبة التي لم يتم رفعها منذ فترات، ما حوَّل المنطقة إلى "نقطة سوداء" بامتياز، تهدد الصحة العمومية بشكل مباشر.

وأثار هذا التدهور البيئي غضب واستياء العائلات، التي حذرت من تداعيات هذا الإهمال، خاصة مع اقتراب فصل الصيف، والارتفاع المرتقب في درجات الحرارة. ففي حي "لوشار" تصبح هذه القمامة المكدسة بيئة خصبة جدا لانتشار "الناموس" والحشرات الضارة والجرذان، ناهيك عن الروائح الكريهة التي تخنق الأنفاس، وتمنع السكان من فتح نوافذ بيوتهم. 

ويؤكد قاطنو الحي أن غياب الحاويات الكافية وتذبذب مخططات رفع النفايات من قبل مصالح البلدية، زاد من تعقيد الوضع، مطالبين بإطلاق حملة تنظيف واسعة واستعجالية قبل حلول “موجات الحر” القصوى؛ لتفادي وقوع كوارث صحية، أو تفشي الأمراض المتنقلة عبر الحشرات، وإعادة الاعتبار لهذا التجمع السكني الهام الذي يعاني التهميش رغم التوسع العمراني الذي يعرفه.

ورشات مفتوحة وطلب كبير على السكن

​وفي قطاع السكن، أوضح رئيس المجلس الشعبي البلدي لبلدية الشرفة شاوش عبد الكريم، أن هذه الجماعة المحلية استفادت من مشروع 150 سكن اجتماعي بمنطقة الشرفة. وهو المشروع الذي بلغ مراحل متقدمة جداً، وهو حالياً قيد التسليم للمستفيدين. ورغم أهمية هذه الحصة التي قد تساهم في تخفيف الضغط، إلا أن لغة الأرقام الميدانية تشير إلى وجود فجوة عميقة وصادمة؛ حيث يقدر عدد طلبات السكن الاجتماعي المودعة لدى مصالح البلدية، بـ 1300 طلب، ما يعني من الناحية الحسابية أن الحصة الممنوحة حاليا لا تغطي سوى 11 بالمائة من الاحتياجات الفعلية، وهو ما يضع المجلس البلدي في حرج أمام طوابير المطالبين بستر السكن.

​وفي ما يخص السكن الريفي تم تسجيل 117 سكن ريفي فردي، حيث انطلقت العملية ميدانيا. وباشر المستفيدون بناء مساكنهم فوق أراضيهم الخاصة بعد تسلمهم قرارات الاستفادة الرسمية. هذه الصيغة هي الأكثر نجاعة وقبولا من سكان بلدية الشرفة، لأنها تسمح للعائلات بالبقاء في محيطهم الفلاحي وأراضيهم، مع تحسين ظروف معيشتهم. غير أن مطلبهم يظل متمحورا حول ضرورة تخصيص حصص إضافية، تتناسب مع التوسع السكاني المسجل في التجمعات الفرعية النائية مثل "أولاد عطا الله"، والتي تحتاج إلى تثبيت سكانها في أراضيهم؛ منعا للنزوح الريفي نحو التجمعات العمرانية الجديدة.

​ غياب للنسيج الصناعي ومرافق شبانية مهجورة

​تعاني بلدية الشرفة من ركود اقتصادي خانق، وصفه السكان بـ "البطالة الهيكلية" التي تلتهم طاقات الشباب؛ حيث تنعدم تماما المؤسسات المصغرة، والمفارز الصناعية، أو حتى المناطق النشطة التي يمكنها استيعاب اليد العاملة المحلية، وتوفير مناصب شغل مستدامة. وتتنفس البلدية في هذا الميدان بطالةً، جعلت فئة الشباب رهينة المقاهي وحالات الفراغ القاتل، خاصة مع انعدام مركز للتكوين المهني داخل إقليم البلدية، وهو ما يضطر الشباب للتنقل نحو بلديتي عين الباردة والحجار؛ بحثا عن تخصصات مهنية، قد تفتح لهم أبواب الشغل مستقبلا، ما يضيف أعباء مالية، وتحديات تنقُّل إضافية على كاهلهم.

​ويبرز في هذا السياق تناقض صارخ أشار إليه "المير" شاوش، يتمثل في وجود مرافق شبانية، ومكتبات بلدية مشيدة بميزانيات معتبرة ومجهزة بالكامل، لكنها تظل “جدرانا بلا روح”؛ إذ يلاحَظ عزوف الشباب عن ارتيادها، مفضلين قضاء أوقاتهم في المقاهي أو في الشوارع. هذا القحط الثقافي والترفيهي والنفور من المرافق الرسمية، أدى، بطبيعة الحال، إلى زيادة مقلقة في الآفات الاجتماعية، والسرقات، وتفشي تناول السموم في ظل غياب المرافقة الاجتماعية والبرامج القوية التي تتماشى مع اهتمامات الشباب وخريجي الجامعة وحاملي الشهادات، وتخرجهم من دائرة العزلة والبطالة.

​ "أراضي العروش" تعطّل مشاريع الري

​تؤكد المعطيات التقنية الرسمية أن بلدية الشرفة استفادت من مشاريع حيوية في قطاع الري، شملت تجديد قنوات نقل المياه، وتجهيز محطات التوزيع، خاصة في تجمع "أولاد عطا الله"، ما رفع نسبة التغطية النظرية إلى 90 بالمائة، حسب تصريحات "المير". ومع ذلك يظل مشكل "جفاف الحنفيات" انشغالا يوميا للسكان، خاصة بأحياء المراونة، وسلامي، وأولاد عطاء الله نتيجة عطل تقني يعود لسنوات  في الأنبوب الناقل للمياه من محطة "قرباز"، التي تدعم المنطقة. هذا العطب جعل عملية التزويد غير منتظمة، وتخضع لنظام المداورة والقطاعات، ما يترك أحياء كاملة دون قطرة ماء لأيام.

​أما المشكل الاستراتيجي الأعمق الذي يعطل تزويد المنطقة بمياه التحلية، وهو الحل الجذري لتغطية العجز المسجل، فيتعلق بمرور مسار الأنبوب المبرمج عبر أراض تعود ملكيتها لـ "نظام العروش". هذا العائق العقاري والقانوني أوقف المشروع تماما، إذ لم تنجح الجهات المعنية حتى الآن، في إيجاد صيغة توافقية أو قانونية تسمح بمرور هذا المشروع الهام؛ ما أبقى سكان بلدية الشرفة وقراها في رحلة بحث يومية عن بدائل مكلفة كالصهاريج الخاصة، وسط تساؤلات عن سبب تأخر تسوية هذا الملف، الذي أرهق كاهل سكان المناطق النائية، خاصة في فصل الصيف.

​ سباق مع الزمن لاستكمال المشاريع التربوية

​يعرف قطاع التربية ببلدية الشرفة، سباقا مع الزمن لتحسين ظروف المتمدرسين، خاصة في تجمُّع "عزيزي أحمد" الذي استفاد من توسعة للملحقة المدرسية. فبعد بناء 4 أقسام في مرحلة سابقة يجري حالياً إتمام إنجاز 4 أقسام إضافية لرفع حالة الاكتظاظ، بالإضافة إلى مطعم مدرسي مجهز لتقديم وجبات ساخنة، وهو المرفق الذي كان مطلبا أساسيا من الأولياء؛ لضمان توزيع وجبات ساخنة وسليمة على التلاميذ. كما حرص "المير" شاوش على اختيار أرضية بمنطقة “أولاد عطا الله”، لبناء ملحقة مدرسية جديدة، تنهي معاناة تلاميذ السكنات الفردية والجماعية، الذين يقطعون مسافات طويلة للالتحاق بمقاعد الدراسة.

​وفي جانب الصحة المدرسية، خضعت الوحدات الصحية لعملية تجديد شاملة وتجهيز بوسائل حديثة، تهدف إلى تسهيل مهام الطاقم الطبي في المتابعة الدورية لصحة التلاميذ، في وقت تستعد فيه البلدية لإطلاق حملة واسعة لتنظيف وتهيئة كافة المدارس قبل الدخول المدرسي المقبل، في محاولة لتدارك النقائص المسجلة سابقا، وضمان بيئة تعليمية محفزة رغم أن السكان يطالبون بمراقبة جودة هذه الأشغال، لتفادي تكرار مشاكل الكتامة والتدفئة التي تظهر مع كل فصل شتاء.

​ فكُّ العزلة يعيد الحياة للقرى

​حققت بلدية الشرفة نجاحا ميدانيا ملموسا في فك العزلة عن القرى والجمعات السكانية النائية، عبر تزفيت المسالك الترابية. وهو الإجراء الذي أنهى مشكل الأوحال، والممرات الصعبة التي صعبت من تنقّل المتمدرسين والمواطنين لسنوات طويلة. وتتطلع مصالح البلدية، حاليا، لتوسيع هذا البرنامج ليشمل المناطق الجبلية الوعرة، مع التركيز على إعادة تزفيت الطرق المؤدية إلى مناطق "الشيخ النوي" و"الحاج صالح" انطلاقا من مركز البلدية؛ لربطها بالنسيج الحضري بشكل فعال.

​أما المشروع الأكثر حيوية واستراتيجية فهو تمديد الطريق الترابي وتزفيته انطلاقا من منطقة "السرقة"، وصولا إلى "أولاد عطا الله"، مرورا بـمنطقة "الدوالة"، ليتم ربطه نهائيا بالطريق البلدي رقم 106 المؤدي مباشرة إلى بلدية "عين الباردة". هذا الطريق لا يُعد مجرد مسلك لفك العزلة فقط، بل هو محور اقتصادي بامتياز، سيعيد بعث الحركة التجارية في الشرفة. وسيسهل للسكان الوصول إلى السوق الأسبوعي بعين الباردة. ويساهم في تخفيف الضغط المروري الخانق عن الطريق الولائي الرابط بين ولايتي سكيكدة وقالمة، ما يجعل من الشرفة نقطة ربط تجارية هامة في المنطقة.

​قلة الموارد المائية تهدد النشاط الفلاحي

​بالرغم من الطابع الفلاحي الأصيل لبلدية الشرفة واشتهارها تاريخيا بزراعة الحبوب، إلا أن الفلاحين يواجهون تحديات وجودية، تهدد استمرارية نشاطهم. فرغم تسوية وضعية الأراضي الفلاحية يظل نقص موارد السقي وغلاء الأسمدة والبذور، حجر عثرة أمام تطوير الإنتاج. وقد سجلت المنطقة تراجعا لافتا في زراعة الطماطم الصناعية، التي كانت مصدر دخل رئيسي لمئات العائلات.

​وفي ظل غياب البدائل الترفيهية الحقيقية اقترحت مصالح بلدية الشرفة بناء مسبح بلدي؛ إذ لا يُعد هذا المطلب مجرد رفاهية، بل هو ضرورة  ترفيهية وأمنية لحماية الأطفال والشباب من خطر السباحة في السدود والبرك المائية، التي تحصد الأرواح سنويا مع كل موجة حر. وسيوفر هذا المسبح البلدي فضاء للعب والنزهة لتفريغ طاقات الشباب. ويساهم في كسر حالة "القحط الترفيهي" التي تعيش على وقعها البلدية طوال فصل الصيف. ​وتظل بلدية الشرفة بعنابة، نموذجا حيا للمناطق التي تسعى للتصالح مع واقعها التنموي، وسط تجاذبات كبيرة. 

وبينما يقدم رئيسها عبد الكريم شاوش لغة الأرقام والمشاريع "قيد الإنجاز" كدليل على التغيير، يظل المواطن في الشرفة يطالب بنتائج ميدانية ملموسة تنهي أزمة النقل، وتوفر السكن اللائق، وتنير الشوارع المظلمة في سلامي والمراونة، وترفع  القمامة عن حي "لوشار". ولا يقاس النجاح الحقيقي للتنمية في الشرفة بالأرقام المسطرة في التقارير الإدارية، بل يعزز قدرة هذه المشاريع على إحداث تغيير حقيقي في تحسين الحياة اليومية للمواطن، وتوفير كل احتياجاته الضرورية.​