استنفار بيئي قبل موسم الأمطار
برنامج استعجالي لتنقية الوديان بتيبازة
- 64
كمال لحياني
شرعت مصالح ولاية تيبازة، في إطار الاستعدادات المبكرة لفصل الخريف وما قد يتبعه من تساقط غزير للأمطار، في تجسيد برنامج استعجالي واسع النطاق، لتنقية الوديان، وتطهير مجاري المياه؛ بهدف تفادي كارثة الفيضانات التي شهدتها بعض المناطق في السنوات الماضية، وحماية الأرواح والممتلكات. جاء هذا التحرك الميداني بعد تعليمات صارمة من الوالي محمد أمين بن شاولية، الذي جعل من ملف البيئة والوقاية من الكوارث الطبيعية أولوية قصوى في برنامجه، خاصة مع دخول فصل الخريف الذي يشهد عادة تقلبات جوية حادة.
"نقاط سوداء" تحت المجهر
شهدت ولاية تيبازة في الأسابيع الأخيرة، حملات مكثفة لتنقية الوديان، حيث تم حصر ما يُعرف بـ "النقاط السوداء" . وهي المناطق الأكثر عرضة لخطر الفيضانات جراء تراكم الأوحال والأوساخ. وفي هذا السياق، كشف رشيد بن عاشور مدير الري لولاية تيبازة، عن برنامج طموح يشمل تنقية 5 أودية رئيسية ضمن برنامج سنة 2025، وهي وادي فاطس (بلدية القليعة)، ووادي الغربي (تيبازة)، ووادي سي لحول (سيدي راشد)، ووادي الشهداء (داموس)، ووادي بوعبيدة (قوراية).
وتُعد عملية تنقية وادي فاطس بالقليعة من العمليات النموذجية، حيث تم استخراج ما يعادل 5 آلاف متر مكعب من الفضلات والأوحال، إضافة إلى عمليات إزالة الأعشاب، وتسوية الضفاف على مسافة 400 متر؛ ما ساهم في الحد من خطر الفيضانات التي كانت تهدد الأراضي الزراعية والطريق الرابط بين القليعة والبويرة سابقا.
وكانت بلدية فوكة شرق الولاية شهدت في 25 ماي 2023، كارثة إنسانية ومادية غير مسبوقة، حين حوّلت أمطار غزيرة المدينة إلى بحيرة من الوحل والدمار؛ ففي ساعات قليلة سقط ما يعادل سبعة أشهر من الأمطار في يوم واحد، لتكشف الفيضانات عن هشاشة البنية التحتية، وغياب ثقافة الوقاية قبل أن تتحول إلى اختبار حقيقي لفعالية الدولة في التعامل مع الكوارث الطبيعية.
"سيول مفاجئة" في منطقة غير مصنفة ضمن الخطر
المفارقة الصادمة أن مدينة فوكة لم تكن مصنفة ضمن المناطق المهددة بالفيضانات، ومع ذلك غمرتها السيول في أقل من ساعة واحدة؛ ما أدى إلى انهيار 129 منزل، وتدمير البنية التحتية التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية. وقد سجلت محطات الرصد الجوي كمية قياسية من الأمطار تجاوزت 168ملم في 12 ساعة فقط، وهو ما فاق قدرة شبكات التصريف على التحمل.
تعبئة شاملة ووسائل لوجستية كبيرة
لم تقتصر الجهود على عمليات التنقية فقط، بل شملت حملة تنظيف واسعة انطلقت في العاشر من نوفمبر الماضي بمشاركة متطوعين من جمعيات المجتمع المدني، والكشافة الإسلامية الجزائرية تحت إشراف الوالي شخصيا. وتم تسخير إمكانيات مادية وبشرية ضخمة، حيث تم توزيع 55 شاحنة، و28 آلية رفع، ومعدات ثقيلة على طول الطريق الوطني الساحلي رقم 11، بدءاً من بلدية دواودة وصولا إلى شرشال، مرورا بالعديد من البلديات مثل فوكة، وبواسماعيل، وتيبازة وسيدي عمار. وتضمنت الحملة إلى جانب إزالة الأوساخ، عمليات قص الحشائش والقصب، وتشجير الأرصفة، وتحسين الإنارة العمومية. وهي خطوات تهدف إلى تحسين الإطار المعيشي للمواطنين بالتزامن مع تعزيز المنظومة الوقائية من الفيضانات.
خطر بيئي ومعالجة هيكلية
تكمن خطورة إهمال الوديان في تحولها إلى مكبات للنفايات ومصارف للمياه العادمة، وهو ما يشكل خطراً صحيا وبيئيا كبيرا في ظل وجود سدود تغذيها هذه المجاري المائية. فقد أظهرت دراسات ميدانية أن منطقة وادي مرزوق في تيبازة بيئةٌ ملوثة طبيعيا؛ بسبب الصرف الصحي العشوائي، وهو ما يستدعي حلولا هيكلية، بالإضافة إلى عمليات التنقية الموسمية.
وفي هذا الإطار، شرعت مديرية الري في طرح صفقات عمومية لتنقية الأودية عبر عدة دوائر مثل شرشال وحجوط والقليعة، ضمن برنامج وقائي شامل؛ تحسباً لتقلبات الطقس القادمة. وتؤكد هذه الديناميكية التي تشهدها ولاية تيبازة على تحوُّل في سياسة التعامل مع الكوارث الطبيعية، من خلال الانتقال من ثقافة "المواجهة" إلى ثقافة "الاستباق". وبينما تسارع المصالح المحلية الزمن لإنجاز هذه البرامج قبل حلول الخريف، يبقى التحدي الأكبر هو ترسيخ هذه الجهود كثقافة مستدامة، ومحاربة ظاهرة رمي النفايات في مجاري الأودية التي تهدد سلامة المواطنين، والبيئة.
فرقة دراجات نارية لمراقبة النظافة ورصد "النقاط السوداء"
فعّلت مصالح ولاية تيبازة ـ في خطوة عملية لتحسين نظافة المحيط العمراني ـ فرقة متخصصة تعمل بالدراجات النارية، مهمتها رصد ومعاينة مختلف الاختلالات التي تمس نظافة الأحياء والمرافق العامة؛ تنفيذا لتعليمات الوالي محمد أمين بن شاولية. وتُعد هذه المبادرة التي حملت شعار "نظافة ولاية تيبازة"، نقلة نوعية في آليات الرقابة الميدانية؛ حيث تهدف إلى تجاوز الصعوبات التي تواجهها الفرق التقليدية في التنقل، خاصة في الأزقة الضيقة، والمناطق التي يصعب الوصول إليها بالسيارات.
وتتولى الفرقة المتنقلة مهام رصد وتصوير ما يُعرف بـ "النقاط السوداء"، والتي تشمل تراكم النفايات، والرمي العشوائي لها في الفضاءات العامة والأحياء السكنية، ومراقبة البالوعات وشبكات تصريف مياه الأمطار، وما تعانيه من انسداد أو أضرار، إضافة الى شبكات الصرف الصحي، ورصد أي اختلالات أو أعطاب فيها. كما تتمثل مهمة الفرقة في مراقبة أعطاب الإنارة العمومية التي تؤثر على سلامة المواطنين، وجمالية المحيط.ووفق المعطيات المتاحة، لا تقتصر مهمة الفرقة على الرصد فقط، بل تمتد إلى التبليغ الفوري للمصالح المعنية. ويتم ذلك عبر تطبيق إلكتروني مخصص، يتم من خلاله تحميل الصور والمعطيات المسجلة، لتبقى تحت إشراف الوالي مباشرة؛ ما يسمح بمتابعة دقيقة للاختلالات، والتنسيق مع السلطات المختصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة في أقرب وقت ممكن.
ويُعد هذا الربط الرقمي بين الفرق الميدانية والجهات التنفيذية، خطوة نحو عصرنة قطاع النظافة، وتعزيز سرعة الاستجابة للمشاكل المطروحة. ولقيت هذه المبادرة استحسانا واسعا من قبل المواطنين، الذين عبّروا في تعليقاتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن دعمهم للفكرة التي رأوها خطوة "مفيدة جدا"، داعين إلى تعميم هذه التجربة على مختلف ولايات الوطن؛ للقضاء على النقاط السوداء، وتحسين جمالية المدن. كما طالب العديد منهم بتوفير تطبيق عام يتيح للمواطن نفسه، المشاركة في التبليغ عن النقاط السوداء في حيه؛ لتكون العملية تشاركية بين السلطات والسكان.
وتأتي هذه الخطوة في سياق جهود أوسع تبذلها السلطات المحلية، للتكفل بملف النظافة على مستوى البلديات والمناطق السياحية؛ حيث كانت النفايات شكلت "ديكورا أسود" على مستوى الولاية؛ ما استدعى عقد اجتماعات تنسيقية دورية، لوضع رزنامة استعجالية للقضاء على هذه الظاهرة نهائيا. ويبقى التحدي الأكبر أمام هذه المبادرة في استدامتها، وفعاليتها على المدى الطويل، وفي قدرتها على تحقيق نقلة نوعية في نظافة وجمالية ولاية تيبازة، لتكون نموذجا يُحتذى به في تحسين الإطار المعيشي للمواطن.