ظاهرة البناء الفوضوي تضع "أميار" تيبازة في قفص الاتهام

"القصدير" يغزو الغابات والسواحل العذراء

"القصدير" يغزو الغابات والسواحل العذراء
  • 296
كمال لحياني كمال لحياني

لم تتمكن السلطات المحلية بتيبازة من طي ملف البناء الفوضوي الذي استحوذ على مساحات شاسعة من بعض الفضاءات الغابية والمناطق الساحلية، في ظل غياب إجراءات ردعية تضع حدا لـ«مافيا القصدير” ، التي جعلت من البناء الهش وسيلة للحصول على السكن الاجتماعي، وهو ما يضع “أميار” البلديات المعنية تحت طائلة المساءلة عن دورهم في الحد من العبث بالأراضي التابعة لأملاك الدولة.

تحولت ظاهرة البناءات الفوضوية إلى وسيلة لتحقيق حلم المسكن الاجتماعي؛ عملا بمبدأ "لا مسكن اجتماعي دون المرور على مسكن قصديري". كما اتخذها بعض "السماسرة" تجارة مربحة بعد تطبيق الدولة برنامجا خاصا للقضاء على الأحياء القصديرية وترحيل قاطنيها، ليبلغ سعر البناء الفوضوي في بعض البلديات، 50 مليون سنتيم، حيث نشأت مجمل هذه الأحياء بعد العشرية السوداء، وتفاقمت فيما بعد نتيجة ظروف اجتماعية قاهرة، أهمها نزوح سكان الأرياف تجاه المدن بعد الخراب الذي لحق بها من قبل الإرهاب. تضاف إليها الهجرة من البلديات الصغيرة نحو البلديات الكبيرة، كالقليعة، وفوكة، وحجوط، ومناصر، وشرشال وتيبازة،  بحثا عن فرص الشغل، وحياة آمنة وكريمة بعد معاناة طويلة مع الإرهاب والتخلف.

وتحولت بلديات الجهة الشرقية لولاية تيبازة، خصوصا بوهارون، وخميستي، وبواسماعيل، وفوكة، والدواودة والقليعة إضافة الى بعض البلديات الجنوبية كبورقيقة وأحمر العين، إلى مكان مفضل لإنجاز البناءات الفوضوية. وتأتي بلديات الساحل الشرقي للولاية في مقدمة المناطق التي غزتها البناءات الفوضوية، كما هي الحال بوادي خميستي، الذي خنقته البناءات القصديرية رغم الخطورة المحدقة بالسكان نتيجة الفيضانات التي تغمر الوادي مع تهاطل الأمطار، وهو ما شهدته بلديات فوكة وبواسماعيل وخميستي خلال الفيضانات التي شهدتها الولاية العام الماضي.

ولايزال كثير من الأحياء يشكل تحديا كبيرا أمام السلطات المحلية، حيث كانت المجمعات القصديرية تشكل ملجأ للعائلات التي تفرقت بها السبل، وتحولت الى محتشدات ضمت أسرا من مختلف ولايات الوطن، فاق عددها 20 ألف مسكن فوضوي، لتتحول فيما بعد الى وسيلة للحصول على سكن اجتماعي، فشكّل حافزا لعدة أسر لتشييد سكنات من القصدير للسير على نفس "الخطأ" حتى وإن كان البعض منها ممن ظلمتهم المحسوبية، وسوء التوزيع.

ويشكل ما يحدث بغابة بن بنوة بفوكة من اعتداء على العقارات الغابية من قبل مشيّدي السكنات القصديرية، شاهدا آخر على حالة المواجهة المستمرة بين السلطات المحلية والعائلات المعمرة بطريقة غير قانونية. والأمر نفسه تعرفه غابة سيدي جابر ببواسماعيل، وكذا الشريط الغابي المحاذي للطريق السريع الرابط بين بلديتي بواسماعيل والدواودة الذي غزته البيوت الفوضوية بشكل مثير للانتباه؛ إذ حولت المنظر المخضر للمنطقة إلى ديكور مزعج. غير أن السلطات المحلية للبلديات المعنية التزمت الصمت تجاه المعتدين ما عدا بعض الإجراءات المتخذة من حين لآخر، لكن لا تكون فعالة في غالب الأحيان. 

وتُعد بلدية الدواودة بأقصى شرق الولاية، النموذج السيئ لغزو البيوت القصديرية والبناءات الفوضوية التي فاقت 1500 بيت فوضوي. وحتى عاصمة الولاية غير البعيدة عن أنظار السلطات الولائية، لم تسلم هي الأخرى من غزو العقار الفوضوي. فبمنطقة أوزاكو بشنوة زُرعت فيلات ومبان شكلت أحياء جديدة، أُنجزت من قبل شخصيات نافذة، ورجال أعمال حسب ما أكدت مصادر رسمية لـ “المساء “. 

ورغم أن ولاة سابقين كمصطفى العياضي وموسى غلاي وعبد القادر قاضي قاموا بتنفيذ عمليات هدم بعض البناءات الفوضوية بعد اكتشافها أثناء الخرجات الميدانية التي قاموا بها الى دوائر الولاية، إلا أن هذه العمليات لم تكن كافية، بل يرى مختصون في مجال العقار، أنه بات من الضروري إلزام “الأميار” ومعاقبتهم على التغاضي عن مثل هذه التصرفات التي شوهت العمران من جهة، واستنزفت العديد من العقارات والأراضي التي كانت تراهن عليها السلطات العمومية لإنجاز مشاريع تنموية للصالح العام من جهة أخرى.