سلطات سكيكدة مدعوّة لإنهاء الوضع القائم
أزمة ماء حادة والرهان على محطة التحلية ببن مهيدي
- 83
بوجمعة ذيب
تشهد عدة بلديات بولاية سكيكدة، هذا الصيف، أزمة حادة في التزود بمياه الشرب؛ ما حتّم على سكانها اللجوء إلى البدائل المتاحة؛ على غرار شراء مياه الصهاريج، التي كلفتهم الكثير من الأموال. وأمام هذا الوضع طالب ممثلو السكان بتدخل الجهات المختصة للتخفيف من حدة الأزمة التي طال أمدها، فيما تراهن السلطات العمومية على مشروع محطة تحلية مياه البحر بالعربي بن مهيدي، التي انطلقت أشغال تجسيدها لتوديع هذه الوضعية إلى الأبد.
وتشهد، في هذا السياق، بعض أحياء بلدية عزابة بولاية سكيكدة على غرار حي الإخوة "سويسي" المعروف بقرية "الزاوية"، أزمة حادة في التزوّد بالماء الصالح للشرب. وأكد السكان أن هذه الوضعية كلفتهم مصاريف كبيرة نتيجة اضطرارهم لشراء مياه الصهاريج التي تتراوح بين 1000 د.ج و1500 د.ج حسب سعة خزانات سكناتهم، مطالبين في هذا الشأن الجهات الوصية بالتدخل؛ لوضع حد لهذا الوضع الذي قالوا عنه طال أمده.
أزمة ماء بأحياء بلدية عزابة
وعبّر عدد من سكان بلدية عزابة في حديثهم مع جريدة "المساء"، عن استيائهم وتذمّرهم البالغ لاستمرار الاضطرابات المسجلة، في التزوّد بمياه الشرب، والتي ازدادت، حسبهم، حدّتها خلال هذا الفصل الذي يكثر فيه الطلب على الماء، مطالبين الجهات المسؤولة بالتدخل العاجل، لوضع حد لهذا المشكل الذي أضحى يتكرر دون أن يجدوا له أي حل، فيما طالب بعضهم بإعادة تجديد تجهيزات محطة سد "زيت العنبة" المتواجد بإقليم بلدية بكوش لخضر، خاصة منها المضخات؛ لكون السد يعمل بمضخة واحدة، وهو ما أثر سلبا على قدرة المحطة على ضمان تموين المواطن بالماء.
وإلى جانب محطة سد "زيت العنبة" يطالب السكان بإعادة تأهيل شاملة لمحطة المعالجة التي لم تخضع ـ حسبهم ـ منذ إنجازها، لأشغال التأهيل والصيانة؛ ما أثر على مردودها، مؤكدين أن استمرار الأزمة مع الحلول الترقيعية دفعهم للاستنجاد بالجهات الوصية على المستوى المركزي، عسى أن يتدخلوا بأكثر حزما وفاعلية للقضاء على أزمة التزود بمياه الشرب، ومنه تعزيز قدرات التموين بما يساهم في تحسين الخدمة.
بين مطرقة أزمة الماء وسندان أصحاب الصهاريج
ومن جهتهم، أكّد أحد سكان قرية الزاوية أنّ الوضع يعود لأكثر من شهرين، وأن الحنفيات شحت مياهها حتى وإن وصلت إلى مساكنهم فإنّها لا تتجاوز عشرين إلى ثلاثين دقيقة، وحتّى ساعة، وبضغط ضعيف جدًا، وهو ما يجعل أزمة التزود بالماء قائمة، وبأكثر حدّة خلال هذا الفصل شديد الحرارة؛ ما يدفعهم للاستنجاد بأصحاب الصهاريج كحل اضطراري. ويؤكد ممثل سكان قرية الزاوية لـ"المساء" أنّ المنطقة التي عرفت توسعا عمرانيا خلال السنوات الأخيرة، تعاني من أزمة التزود بمياه الشرب منذ أمد طويل، وفي كل الفصول، مضيفا أنّه رغم الشكاوى العديدة التي رفعها السكان إلى أكثر من جهة، إلاّ أنّ الأزمة مازالت قائمة رغم الحلول الترقيعية.
سكان أم الطوب يبحثون عن مياه الشرب
نفس المشكل يعاني منه سكّان بلدية أم الطوب غرب عاصمة الولاية، حيث تعاني جل البيوت من شح فظيع في التزود بالماء لأكثر من 10 أيام. وحسب السكان، فإنّ التذبذب في التزود بالمياه ليس وليد اليوم، بل الأزمة قائمة منذ سنوات، إذ يتم تزويد سكان أم الطوب بالمياه في الحالات العادية لمدة ساعتين كل عشرة أيام وأكثر، لتتفاقم الأزمة خلال الفترة الأخيرة، حتّى أضحت خزانات الماء الخاصة بمسجد الفتح بأم الطوب، فارغة؛ بسبب تسرب كبير في الأنبوب الرئيسي على مستوى منطقة "القازيطا" في انتظار تصليح هذا العطب الذي زاد في تأزيم الوضع دون الحديث عن التسربات، وغيرها من الأسباب التي تساهم في الأزمة.
وطالب والي سكيكدة السعيد أخروف مديري الري و«سونلغاز" و«الجزائرية للمياه" وحدة سكيكدة، في إطار التكفّل بانشغالات المواطنين، لا سيما ما تعلق منها بالتزويد بالمياه الصالحة للشرب، بالتوجه الى محطة الضخ المتواجدة بسد القنيطرة لحل كافة المشاكل التي تعترض السير الأمثل لهذه المنشأة الحيوية التي تزود عدة مناطق بالولاية بمياه الشرب، مشددا في نفس السياق، على ضرورة الشروع في تزويد السكان بمياه الشرب بصفة استعجالية، لا سيما بلدية أم الطوب التي عرفت بعض التذبذب في تزويد السكان خلال الفترة الأخيرة.
المياه لا تصل إلى أحياء فلفلة
وفي سياق أزمة التزوّد بمياه الشرب، ماتزال العديد من أحياء مدينة سكيكدة والبلديات المجاورة لها على غرار فلفلة، تعاني لعدة أيام من أزمة التزود بمياه الشرب وسط تذمر كبير وخوف من استمرار هذا الوضع الذي يضطرهم لتخصيص موارد مالية إضافية، من أجل اقتناء الماء من شاحنات الصهاريج، فيما تزداد المعاناة أكثر بالنسبة للقاطنين بالطوابق العليا.
وتبقى أزمة التزود بالمياه بسكيكدة مطروحة أمام الإمكانيات الكبيرة التي تحوزها الولاية، سواء من حيث عدد السدود، أو من حيث عدد الآبار الارتوازية، أو من حيث كمية المياه الجوفية دون إغفال امتلاكها محطتين لتحلية مياه البحر، الأولى بالمنطقة الصناعية الكبرى، بطاقة إنتاج تصل الى 100 ألف متر مكعب يوميا، دخلت حيز الاستغلال سنة 2009، والثانية ببلدية المرسى بأقصى شرق عاصمة الولاية، والتي دخلت حيز الاستغلال شهر مارس المنصرم، بطاقة إنتاجية تقدر بـ 5 آلاف متر مكعب يوميا، إلا أن الأزمة تظل قائمة لسنوات أمام غياب الحلول الناجعة، التي من شأنها ضمان الماء لمواطني الولاية.
آمال معلّقة على مشروع محطة التحلية بالعربي بن مهيدي
يرى العديد من المختصين أن القضاء على أزمة مياه الشرب بسكيكدة سيكون مرهونا بدخول حيّز الخدمة، مشروع إنجاز محطة لتحلية مياه البحر بمنطقة العربي بن مهيدي التي انطلقت شهر جويلية الأخير، بطاقة انتاجية تقدّر بـ 140 ألف متر مكعب في اليوم، لا سيما أنها ستسمح بتوجيه 80 ألف متر مكعب يوميا من الماء، منها 50 ألف متر مكعب يوميا للمجمع الصناعي لتلبية احتياجات مؤسسة "سوناطراك" بالمنطقة الصناعية، و30 ألف متر مكعب يوميا لفائدة مؤسسة "أسميدال" بالولاية، بما يضمن التكفل باحتياجات المنشآت الاستراتيجية بالمنطقة الصناعية، واستمرارية النشاط الصناعي، وتعزيز القدرات الإنتاجية الوطنية، بينما سيتم توجيه الكمية المتبقية والمقدرة بـ 60 ألف متر مكعب يوميا من المياه المحلاة، لتدعيم التزويد بالمياه الصالحة للشرب لفائدة سكان بلديات سكيكدة، والمقدر عددهم بحوالي 600 ألف نسمة.
كما سيتم، أيضا، عند دخول هذه المحطة الجديدة حيز الخدمة، تحويل كامل إنتاج محطة تحلية مياه البحر الحالية المتواجدة بالمنطقة الصناعية الكبرى لسكيكدة، لفائدة سكان الولاية؛ على اعتبار أنها توجه حاليا 25 ألف متر مكعب من إنتاجها يوميا، لتلبية احتياجات "سوناطراك". للإشارة، سيتم إنجاز هذه المحطة الضخمة في أجل لا يتجاوز 36 شهرا بعد أن رُصد لها غلاف مالي إجمالي قدّر بـ 100 مليون دولار، وفق أعلى المعايير التقنية والهندسية.
وتشرف الشركة الجزائرية لتحلية المياه على إنجازها، بينما ستتولى المؤسسة الوطنية للقنوات تنفيذ أشغالها. وكلتا الشركتين هما فرع لمجمع "سوناطراك" في انتظار انطلاق مشروع إنجاز محطة لتحلية مياه البحر بمنطقة بني سعيد بإقليم بلدية القل، على مساحة تقدّر بـ 13 هكتارا، وبطاقة استيعاب تقدّر بـ 300 ألف متر مكعب يوميا من مياه الشرب، التي تخصص لتزويد ولايات سكيكدة، وقالمة، وأم البواقي، وجزء من ولاية قسنطينة بهذه المادة الاستراتيجية.
أموال ضخمة صُرفت والأزمة تبقى قائمة
يبقى السؤال المطروح: "هل ستقضي تلك المشاريع الكبرى التي استفادت منها ولاية سكيكدة في قطاع الري، على أزمة تزويد السكان وبانتظام، بمياه الشرب؟" خاصة أنّه سبق أن تمّ خلال السنوات الأخيرة، تخصيص موارد مالية معتبرة جدا من مختلف البرامج التنموية، للقضاء على أزمة المياه التي تعاني منها جل البلديات، منها استفادة بلدية تمالوس غرب ولاية سكيكدة، خلال السنوات الأخيرة، من مشروع إعادة الاعتبار لمحطة الضخ على مستوى رواق عين شرائع، وفاخت، وسرى بوحنش وتمالوس مركز.
ويهدف بالأساس إلى ضمان تزويد سكان العديد من المناطق بالمياه الصالحة للشرب، من خلال بعث المشروع الذي كان متوقفا منذ 2014، إضافة إلى استفادة الولاية، أيضا، في إطار القضاء على أزمة العطش التي تواجه العديد من البلديات، من برنامج استعجالي ضم 17 عملية، مسّت 13 بلدية بإقليم الولاية، وهي قنواع، وأم الطوب، وعزابة، وبني والبان، وبين الويدان، وتمالوس، والحروش، وصالح بوالشعور، وبوشطاطة، وأولاد عطية، والزيتونة، ووادي الزهور وعين شرشار، حيث خُصص لها غلاف مالي إجمالي يقدر بـ 769 مليون دينار، قصد تلبية متطلبات المواطنين في مجال التزود المنتظم بالماء الصالح للشرب.
وجاءت هذه العملية تنفيذا لتعليمة وزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية رقم 4113، المؤرخة في 05 ـ 06 ـ 2024 المتعلقة باتخاذ كل الإجراءات اللازمة، وبصفة استعجالية، من خلال معالجة التذبذبات المسجلة التي تؤثر سلبا على توزيع المياه الصالحة للشرب، وتحسين هذه الخدمة العمومية خاصة على مستوى الولايات التي يمسها الشح المائي؛ تنفيذا لتعليمات وتوجيهات رئيس الجمهورية.