فيما يتواصل تشييد البنايات غير القانونية

16 منطقة توسع سياحي بتيبازة في "خبر كان"!

16 منطقة توسع سياحي بتيبازة في "خبر كان"!
  • 122
كمال لحياني كمال لحياني

❊ عجز كبير في طاقة الاستيعاب في فصل الصيف 

❊ مركّبات سياحية تتحول إلى أطلال وأخرى تغلَق للصيانة

تبقى ولاية تيبازة التي تمتلك مقومات سياحية استثنائية؛ من شواطئ خلابة إلى آثار رومانية مصنفة عالميا، أسيرة عقود من الإهمال، وسوء التسيير، لتتحول طموحاتها السياحية إلى سراب!. كما تعرف الولاية تأخرا كبيرا في تهيئة واستغلال مناطق التوسع السياحي التي أقرتها وزارة السياحة منذ سنوات؛ إذ لم يتم إلى حد الآن الانطلاق في تحديد المساحات الموجهة لإنجاز المركّبات السياحية والترفيهية، أو تهيئتها، وتوزيع الأراضي الواقعة داخل هذه المناطق، على المستثمرين الراغبين في إنجاز مشاريع سياحية، يمكنها أن تساهم في استحداث مناصب شغل، والرفع من طاقة الاستيعاب، وإنشاء فضاءات جديدة للعائلات القاصدة هذه الولاية الساحلية.

رغم مرور أكثر من وزير على قطاع السياحة و7 ولاة ومديرة سياحة سابقة بقيت في منصبها لمدة 14 سنة، إلا أن هؤلاء المسؤولين عجزوا عن تحويل ولاية تيبازة الى منطقة سياحية بامتياز مع أن وزارة السياحة أطلقت في وقت سابق، برنامج مناطق التوسع السياحي الذي راهن عليه سكان ولاية تيبازة كثيرا، لتتحول الولاية إلى وجهة سياحية أولى في الجزائر، خاصة مع ما تمتلكه من إمكانيات طبيعية، وشريط ساحلي يمتد على مسافة 150 كيلومتر؛ إذ راهن السكان المهتمون بقطاع السياحة، على الرفع من طاقة الاستيعاب التي تعرف الولاية عجزا كبيرا فيه، خاصة في السنوات الأخيرة بعد تضاعف عدد السياح الوافدين عليها، بالموازاة مع القرار الذي أصدرته وزارة التربية، القاضي بعدم استغلال المدارس والمنشآت التربوية في استقبال أطفال المخيمات الصيفية. فالولاية تتوفر على 3 مركّبات سياحية فقط تابعة للدولة، وهي ‘’تيبازة القرية، والقرن الذهبي ومطاريس’’ .

هذا الأخير تم إغلاقه، وسيخضع لإعادة صيانة شاملة لاحقا، إضافة الى احتواء الولاية على بعض الفنادق الخاصة التي لا تتعدى 4 فنادق، من بينها فندق الأزرق الكبير بمنطقة شنوة السياحية الذي توقفت أشغاله منذ أكثر من 10 سنوات، ليبقى أطلالا. وضيّعت الولاية، بذلك، فرصة ذهبية لتدعيم خزينة الولاية بجباية محلية، يكون مصدرها هذه المشاريع المتوقفة، أو التي وُلدت ميتة، ناهيك عن إمكانية توفير المئات من مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة.

16 منطقة توسع سياحي... بين النص القانوني والواقع المهمل

منذ عام 1988 صُنّفت 16 منطقة في تيبازة كمناطق توسع سياحي بموجب المرسوم رقم 88-232، في برنامج طموح، كان من المفترض أن يحوّل الولاية إلى وجهة سياحية بامتياز. لكنّ هذا البرنامج ظل حبرا على ورق، إذ لم تشهد أغلب هذه المناطق أيَّ تهيئة أو استغلال يُذكر، لتظل مجرد هيكل بلا روح.

وكان البرنامج ضبطته وزارة السياحة منذ عهد الوزير السابق إسماعيل ميمون، بمساحة إجمالية تقدر بـ1587 هكتار، معلن عنها وفقا للمرسوم رقم 88 ـ 232 المؤرخ في 05ـ 11ـ  1988. غير أن أغلبية هذه المناطق التي تتوفر هي أخرى على إمكانيات طبيعية وأثرية هامة، لم تعرف الدراسة ما عدا ما تعلق بمنطقتي "العقيد عباس" التي توشك الدراسة بها على النهاية. وتم الاتفاق على تحويلها إلى استثمار سياحي ضخم لفائدة مستثمرين خليجيين، ومنطقة "وادي البلاع" بشرشال التي تعرف هي الأخرى الدراسة. كما تم اقتراح تسجيل عدد من مناطق التوسع السياحي للدراسة، وهي منطقة بوهارون، وكورنيش شنوة، ومنطقة البلج، ومنطقة الشاطئ الأزرق، وكذا منطقة الحمدانية بشرشال، وسيدي إبراهيم شرق وغرب بلدية قوراية.

وفتح هذا الجمود الباب واسعا أمام اعتداءات متكررة على العقار السياحي، حيث لجأ مواطنون إلى البناء العشوائي على هذه الأراضي. وشيّدوا فيلات وبنايات سكنية في مناطق مصنفة سياحيا؛ ما أدى إلى تقلص الوعاء العقاري المخصص للمشاريع السياحة. وبلغ الأمر ذروته في بعض البلديات؛ مثل سيدي غيلاس وقوراية، حيث فقدت مناطق التوسع السياحي هويتها بالكامل؛ بسبب الزحف العمراني العشوائي.

فساد وعقار منهُوب.. ملفات قضائية تهزّ القطاع

لم يقتصر ضرر تراجع السياحة على الجانب الاقتصادي، بل كشفت الملفات القضائية عن قضايا فساد كبيرة طالت العقار السياحي في تيبازة. ففي قضية شهيرة تمت متابعة والي تيبازة السابق مصطفى لعياضي وعدد من المسؤولين، بتهم منح امتيازات غير مبررة، وتبديد أموال عمومية، واستغلال الوظيفة، إذ تم تحويل أراضٍ سياحية إلى مناطق صناعية، ومنحها لمستثمرين بطرق غير قانونية. وقد صدرت أحكام بالسجن النافذ وغرامات مالية ضد المتهمين. وأُمروا بتعويض الخزينة العمومية. وتُظهر هذه القضية بوضوح كيف تتحول الكارثة من مجرد إهمال إلى منظومة فساد، تستنزف ثروات الولاية، وتسرق مستقبلها السياحي.

ولاية تيبازة ليست مجرد شواطئ فقط؛ فهي تضم مواقع أثرية رومانية مصنفة ضمن قائمة "اليونسكو" للتراث العالمي؛ مثل الضريح الملكي الموريتاني الذي يعود إلى العهد النوميدي، ومسرحها الروماني القديم. وتجعل هذه الإمكانيات منها وجهة سياحية وثقافية بامتياز، لا سيما مع إطلاق مديرية النقل، مؤخرا، خطا سياحيا استكشافيا لربط المواطنين بهذه المعالم؛ في محاولة لتعزيز السياحة الداخلية. ومع ذلك تبقى هذه الجهود محدودة في ظل غياب البنية التحتية الأساسية؛ فنادق كافية، ومرافق ترفيهية، وخدمات سياحية متطورة؛ فبدلا من استغلال هذه المقومات الطبيعية والتراثية أصبحت تيبازة مثلا صارخا على "السياحة الضائعة"، حيث يتدفق الزوار على شواطئها دون أن تجني الولاية عائدات حقيقية، أو تقدم لهم خدمات تليق بإمكانياتها.

وتمتلك تيبازة كل المقومات لكي تكون جوهرة السياحة الجزائرية؛ من شريط ساحلي ممتد، ومواقع أثرية عالمية. لكن عقودا من الإهمال والبيروقراطية والفساد، حوّلت هذا الحلم إلى واقع مرير الحل، يتطلب إرادة سياسية حقيقية لتطبيق القانون، واستعادة العقار السياحي، ومحاربة الفساد، مع تسهيل الإجراءات أمام المستثمرين الجادين، قبل أن تفقد الولادة آخر فرصها لتكون وجهة سياحية تليق بسمعتها، وتاريخها العريق.