مبادرة فردية تحولت إلى مشروع وطني

“نصلحوها ديزاد”... حين تستيقظ همم الشباب

“نصلحوها ديزاد”... حين تستيقظ همم الشباب
  • 202
كمال لحياني كمال لحياني

في مدينة الخروب بولاية قسنطينة، شرقي الجزائر، وعلى أحد الطرقات التي اعتادت أن تشهد حركة مرور كثيفة، لمحت عين الشاب نوفل بوشارب، حفرة كبيرة تعرقل السير، وتشكل خطرا يوميا على مستعملي الطريق، لم يكن يعلم أن قراره البسيط في الظاهر، بأن يتوقف ويردمها بيديه، سيتحول بعد أسابيع قليلة إلى مبادرة تطوعية، تحمل اسم “نصلحوها ديزاد”، وتستقطب اهتماما واسعا في ولايته وخارجها.

يأتي هذا التحرك، في سياق وطني، يشهد تناميا ملحوظا في المبادرات الشبابية، الهادفة إلى خدمة المجتمع، وتحسين جودة الحياة، حيث يقود شباب جزائريون مشاريع ميدانية، تعكس ثقافة المواطنة الفاعلة والمشاركة الإيجابية في الشأن العام.

من الفكرة الفردية إلى العمل الجماعي المنظم

يوضح نوفل بوشارب، البالغ من العمر 34 سنة، وهو خريج معهد التكوين المهني، في تصريح لـ"لمساء”، أن البدايات الأولى للمشروع، ولدت من موقف بسيط قبل سنة، حيث لفت انتباهه وجود حفرة، تشكل خطرا على مستعملي الطريق، فقرر أن يبادر إلى ردمها، لتفادي تعرض المركبات للحوادث أو الأضرار.

لكن تلك الخطوة العفوية، كما يروي، جعلته يدرك أن المبادرات الفردية يمكن أن تتحول إلى عمل جماعي، يحدث أثرا أكبر في المجتمع، وهكذا بادر إلى التواصل مع عدد من أصدقائه؛ عبد المالك وعصام، وتشاور معهم حول كيفية تحويل الفكرة إلى مشروع تطوعي منظم، يخدم المجتمع ويشجع الشباب على المبادرة، ومن هنا جاء الاتفاق على إطلاق مبادرة حملت اسم “نصلحوها ديزاد”.

 

حين تصبح الرسالة أكبر من إصلاح الطرق

يؤكد القائمون على المبادرة لـ"المساء”، أن اختيار الاسم لم يكن مرتبطا بإصلاح الحفر والطرقات فقط، بل جاء ليعكس رسالة أوسع، تقوم على نشر ثقافة الإصلاح في مختلف جوانب الحياة.

ويقول بوشارب، إن “نصلحوها ديزاد” تعني إصلاح كل ما يحتاج إلى ذلك، سواء تعلق الأمر بالطريق، أو بالسلوك، أو بالأفكار، أو بالمحيط الذي نعيش فيه، انطلاقا من قناعة، بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الفرد، قبل أن يمتد إلى المجتمع.

ويضيف أن المبادرة تقوم على فكرة بسيطة، مفادها أن الشكوى وحدها لا تغير الواقع، بينما قد تصنع المبادرة فرقا حقيقيا مهما كانت متواضعة، أما إضافة “DZ”، فيوضح أنها ترمز إلى الطموح في أن تتحول المبادرة من تجربة محلية، انطلقت من قسنطينة، إلى مشروع وطني ينتشر عبر مختلف ولايات الجزائر.

آلية العمل... من البلاغات إلى التدخل الميداني

يشرح عبد المالك جامع، عضو المبادرة، آلية اختيار مواقع التدخل، موضحا أنها تعتمد على بلاغات المواطنين التي تصل عبر صفحات المبادرة، على مواقع التواصل الاجتماعي، أو من خلال الاتصالات الهاتفية، قبل إخضاعها لدراسة ميدانية تحدد مدى أولوية التدخل.

يضيف المتحدث، أن أعضاء المبادرة يقيمون في البداية، مستوى خطورة الحفرة وتأثيرها على سلامة مستعملي الطريق، ثم يتنقلون إلى عين المكان، لإجراء معاينة دقيقة، يتم خلالها تحديد حجم الأشغال وكميات المواد اللازمة.

يعمل الفريق بإمكانات متواضعة للغاية، فلا تتجاوز أدواته بعض المعدات البسيطة من قبيل المكانس والمعاول وأدوات دك الإسفلت، كما يقتني أعضاؤها مادة الأسفلت البارد المستخدمة في عمليات الترميم، وفق معايير تضمن سلامة الطريق وتحسين قابليته للاستعمال، وفي كل تدخل ميداني، يرتدي المتطوعون سترات عاكسة ويحملون أدواتهم البسيطة، قبل أن يشرعوا في ردم الحفر، وسط فضول المارة واستحسان مستعملي الطريق.

فلسفة المبادرة ... المواطن جزء من الحل

لا ترى المبادرة نفسها بديلا عن المؤسسات المكلفة بصيانة الطرق، ولا منافسا لها، وإنما تسعى إلى إحياء ثقافة كادت تغيب عن المجتمع، عنوانها أن المواطن يمكن أن يكون جزءا من الحل، وأن التطوع ليس شعارا، بل ممارسة يومية قادرة على إحداث التغيير.

وفي هذا السياق، يقول بوشارب “قررت في لحظة ما، أن أغير طريقة التفكير؛ فبدلا من الاكتفاء بانتقاد المسؤولين، يمكنني النزول إلى الميدان والقيام بما يخدم الصالح العام، والمساهمة، ولو بقدر بسيط، في إصلاح بلدتنا وبلدنا، هذه بلادنا، ومن واجب كل واحد منا أن يقدم ما يستطيع، من أجل تحسين المجال العام”.

ورغم الانتقادات التي ترى، أن إصلاح الطرق وصيانتها يظلان من اختصاصات البلديات والسلطات المحلية، فإن القائمين على المبادرة ينطلقون من فكرة مغايرة، تقوم على الانتقال من مجرد انتقاد المسؤولي، إلى المساهمة العملية، قدر المستطاع، في معالجة بعض المشكلات اليومية التي تمس المواطنين بشكل مباشر.

أرقام صادمة وحاجة ملحة للسلامة المرورية

تكتسي مبادرة “نصلحوها DZ”، أهميتها من سياق وطني مقلق في مجال السلامة المرورية، فوفق أرقام المندوبية الوطنية للأمن عبر الطرق، لقي 3838 شخص مصرعهم، وأصيب أكثر من 37 ألف آخرين، جراء نحو 27 ألف حادث سير في الجزائر، كان أشهرها حادث مرور سقوط حافلتين في وادي الحراش وبومرداس، إضافة إلى آخر مجزرة مرورية كانت بولاية تيزي وزو، شرق العاصمة، بزيادة بلغت 2.68 بالمائة، مقارنة بالعام السابق.

تشير الإحصائيات، إلى أن العامل البشري يظل السبب الرئيسي في أكثر من 96 بالمئة من الحوادث، غير أن حالة الطرقات تلعب أيضا دورا في بعض الحوادث، مما يجعل مبادرات تحسين البنية التحتية الطرقية ذات أهمية بالغة.

في هذا الإطار، تسعى السلطات العمومية إلى تعزيز شبكة الطرقات، عبر برامج صيانة شاملة، حيث أعلن وزير الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية، عبد القادر جلاوي، أن قطاعه بصدد إعداد برنامج شامل، لترميم وصيانة الطرق عبر مختلف مناطق الوطن، مؤكداً أن البرامج المسجلة في هذا الإطار “يتم تنفيذها تدريجيا، ووفقا لأولويات مدروسة، بما يضمن تحسين البنية التحتية الطرقية وتعزيز شروط السلامة”.

استحسان واسع وطموحات وطنية

لقيت جهود فريق “نصلحوها DZ” استحسانا واسعا من السائقين والسكان، الذين عبروا عن تقديرهم لهذه المبادرة، التي تعكس وعياً مدنيا متناميا لدى الشباب الجزائري.

ويطمح القائمون على المبادرة، إلى توسيع نطاق عملهم، ليشمل مختلف ولايات الجزائر، مع تشجيع الشباب على الانخراط في العمل التطوعي وخدمة المجتمع، مؤكدين أن المبادرة ليست مجرد اسم، بل دعوة لكل مواطن لأن يكون جزءاً من الحل، وأن يساهم، كل حسب استطاعته، في تحسين محيطه وخدمة مجتمعه.

ويقول المختص في علم الاجتماع، الدكتور حليم مصطفي لـ"المساء”، أن مبادرة “نصلحوها ديزاد “، لن تغير خريطة الطرقات في الجزائر بين ليلة وضحاها، لكنها تقدم نموذجا ملهما لفكرة أعمق، أن التغيير لا يبدأ دائما من فوق، بل يمكن أن ينطلق من مواطن قرر ألا يمر بجانب المشكلة، وأن يمد يده بدلا من أن يكتفي بالشكوى، وفي مجتمع يتوق إلى مبادرات ملموسة، قد تكون هذه الحفرة الصغيرة في الخروب بداية طريق طويل نحو ثقافة جديدة، عنوانها “نصلحوها جميعا”، نبدأ بالتغيير بدل البقاء في وضع المتفرج.