أنجبت علماء ومجاهدين
‘’وادي رهيو"... التاريخ برؤية مغايرة
- 119
أحلام محي الدين
لكل شبر من أرض الجزائر المباركة حكاية، يرويها الأجداد للأبناء، بطولات رجال صدقوا الوعد، وآخرون مدوا حبال العلم كشرايين نابضة لقلب الجزائر، بمناسبة ذكرى 8 ماي الأليمة، و19 ماي يوم الطالب، اختارت "المساء" الحديث عن منطقة وادي رهيو، التي أجرى عنها الباحث والمؤرخ محمد غرتيل، أبحاثا كثيرة، وأراد أن يشارك قراء الجريدة، جزء من أبحاثه حول أعلام الجزائر، في مناطق مختلفة، فسلط الضوء هذه المرة، على وادي رهيو، كفاحها خلال الحقبة الاستعمارية، مع شهدائها وأعلامها الذين عطر عبيرهم الأجواء ونفعوا العباد والبلاد.
أشار الباحث المؤرخ، إلى أن منطقة وادي رهيو، بمكوناتها الطبيعية والبشرية، جزء من سهل الشلف، الذي يعد همزة وصل بين جبال الظهرة شمالا وجبال الونشريس جنوبا، وبين الغرب الجزائري وشرقه. وحسب الشواهد التاريخية، فإن المنطقة استوطنها الإنسان قديما، وتواجدت بها القبائل الأمازيغية، على غرار قبيلة مغراوة، تقع المنطقة في الجهة الغربية لسهل الشلف، على الضفة الغربية من الوادي، الذي ينبع من هضاب تيارت، ويصب في الشلف، ومعروف بوادي رهيو، يحدها شرقا دائرة بوقادير وغربا بلديتي جديوية وأولاد يعيش، ومن الشمال دائرة مازونة، ومن الجنوب دائرة عمي موسى، وبموقعها هذا، تعد بوابة الونشريس والظهرة والغرب الجزائري. وللمنطقة مزارع وبساتين كثيرة نظرا لموقعها السهلي، إلى جانب وجود عدة مسطحات مائية بها، كوادي رهيو ووادي واريزان وسد قرقر ومرجة سيدي عابد، مما جعلها منطقة زراعية بامتياز، وتضم المنطقة أربع بلديات هي؛ وادي رهيو وواريزان ومرجة سيدي عابد ولحلاف.
في الفترة الاستعمارية، تم إنشاء المركز الاستيطاني، إن كرمان "وادي رهيو حاليا" بموجب المرسوم الإمبراطوري 28 جانفي 1870 بسهل الشلف، على الطريق الوطني رقم 04، الرابط بين الجزائر ووهران، في إقليم زراعي مساحته أكثر من 3 آلاف هكتار، بعدما تم نزع ملكية الأراضي من أولاد خويدم وأولاد العباس، وقد تم توسعة المركز الإستيطاني عام 1882، في حين تم إدراج عين كرمان كبلدية مختلطة بموجب القرار الحكومي 30- 07-1875 حسب الباحثة الدكتورة ليلى بلقاسم، ألحقت بها الدواوير التالية القيايبية، أولاد عدي، الجرارة، عبد القوي، مرجة قرقر.
بتاريخ 06 -01-1891 بموجب قرار حكومي آخر، أصبحت وادي رهيو"عين كرمان"، بلدية كاملة الصلاحيات، وقد أطلقت السلطات الاستعمارية، اسم عين كرمان على وادي رهيو تخليدا للانتصار، الذي حققه الجيش الفرنسي البريطاني على الجيش الروسي في معركة عين كرمان، يوم 05 -11-1854، هذه المدينة التي تقع في شبه جزيرة القرم.
شمعة العلم المضيئة
برزت منطقة وادي رهيو، خلال معركة النضال السياسي والإصلاح الديني، من خلال شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي كان يرأسها الشهيد الجيلالي تازغات، يقول المؤرخ: "تحصلت الشعبة على رخصة لبناء مدرسة التعليم العربي ومسجد، لتنطلق الأشغال منذ عام 1945، وفي أول نوفمبر 1953، افتتحت المدرسة والمسجد ونظمت جمعية العلماء بهذه المناسبة، احتفالا بالمدرسة، أشرف عليه أحمد توفيق المدني، الكاتب العام للجمعية وسعيد زموشي مسؤول مكتب وهران، رفقة عبد القادر الياجوري، وعمر البسكري ومحمد الحسن فضلاء، وألقى أحمد توفيق المدني خطابا تاريخيا، وقد زار وادي ارهيو العديد من العلماء والمشايخ، أمثال الشيخ العربي التبسي الذي ألقى دروسا بمسجدها (مسجد عبد الحميد بن باديس)، كانت مدرسة وادي ارهيو تتكون من قسمين، درس فيهما عبد الحميد قباطي ومختار بلحاج والمولود المهاجي، أغلقت المدرسة الحرة من طرف السلطات الاستعمارية عام 1956 م«.
أبرز أعلام وصلحاء منطقة وادي رهيو
تحدث المؤرخ عن أعلام المنطقة قائلا: "الشيخ بوعبد الله المغوفل، من مشاهير علماء المغرب الأوسط، كانت له زاوية بمنطقة حوض الشلف السفلي لتعليم القرآن وتدريس العلوم الدينية، ولد عام 823 م، وجد الشيخ بوعبد الله المغوفل، هو القاضي أبو البيان سيدي واضح المكناسي، خلف الشيخ سبعة أولاد، وخلال المعارك التي خاضها العثمانيون في الجزائر، وبطلب من عروج بربروس، أذن الشيخ لابنيه سيدي عمار وسيدي محمد أفغول بالقتال مع العثمانيين ومرافقتهم، ألف الشيخ مخطوطا في سبع صفحات، عبارة عن أرجوزة بعنوان (الفلك الكواكب وسلم الراقي إلى المراتب)، ذكر فيها صلحاء المنطقة، الذين عاشوا خلال القرن السادس إلى القرن التاسع هجري، توفي الشيخ سنة 923 هجري، ودفن ببلدية وادي ارهيو.
الشيخ بوعبد الله البوعبدلي البطيوي، عالم وشاعر يعود نسبه إلى ذرية الولي الصالح سيدي بو عبد الله المغوفل دفين وادي رهيو، ولد عام 1868م، أسس زاوية علمية مشهورة ومزدهرة ببلدة بطيوة بوهران، ألف الشيخ كتاب "تاريخ الأنباء المختصر"، كما خلف ديوان شعري، توفي عام 1952 م.
الشيخ المؤرخ والباحث الموسوعي المفتي المهدي البوعبدلي، المولود عام 1907 ببطيوة، صاحب بحوث وأعمال تاريخية هامة أبرزها "الأعمال الكاملة للشيخ المهدي البوعبدلي"، مجلدات تاريخية هامة توفي عام 1992.
الشيخ المجاهد والسياسي الكبير عياض البوعبدلي، أخ الشيخ المؤرخ المهدي البوعبدلي وابن الشيخ بوعبد الله البوعبدلي، ولد عام 1922م ببطيوة ولاية وهران، عمل بالصحافة خلال أربعينيات القرن الماضي، درس في جامعة السوربون، انظم إلى صفوف الثورة التحريرية عام 1955، من مؤسسي جريدة "المقاومة" وجريدة "المجاهد" لسان حال جبهة التحرير الوطني، بعد الاستقلال اشتغل في سلك الشرطة، ثم مدير معمل الحديد والصلب لوهران، ثم تفرغ ليشرف على شؤون الزاوية البوعبدلية، بعد وفاة شقيقه، توفي المجاهد عن عمر ناهز 99 سنة يوم 05 أكتوبر 2021.
الشهيد تزغات الجيلالي، المولود عام 1918 بوادي رهيو، اشتغل بمصنع شانيو، كان مسؤولا نقابيا في الكونفدرالية العامة للشغل وعضو فعال في جمعية العلماء، ترأس شعبة وادي رهيو، قام بدور كبير في نشر الإصلاح، التحق بصفوف جيش التحرير الوطني، استشهد عام 1957 م.
الشهيد بوخاتم الطاهر ولد عام 1935، نشأ في بيت عمه الشيخ احمد بوخاتم بمدينة غليزان، درس بمعهد الشيخ عبد الحميد بن باديس في قسنطينة، ثم انتقل إلى الأزهر الشريف بمصر، انضم إلى الثورة التحريرية ليستشهد عام 1959.
وأيضا العلامة عبد الحميد قباطي، من مواليد 26 سبتمبر 1911 بالغزوات ولاية تلمسان، حفظ القرآن الكريم على يد والده، ثم درس بجامع القرويين، انتقل إلى وادي رهيو عام 1951 م، ليساهم في نشر الوعي والإصلاح، التحق بصفوف جيش التحرير عام 1956، بعد الاستقلال انتخب رئيسا لبلدية وادي رهيو، ثم تخلى على النشاط السياسي ليتفرغ للنشاط الديني والتربوي توفي عام 1966 م.
القلعة الحصينة للثوار
خلال الثورة التحريرية المباركة، كانت وادي رهيو قلعة حصينة للثوار والمجاهدين، الذين عرفتهم المنطقة، خاصة في حرب المدن وحرب المزارع والاستنزاف الاقتصادي، أمثال تازغات الجيلالي والإخوة طرطاق غلام الله وعبد القادر وغربي قدور وبارودي بوعبد الله وعبد القادر وكحال بوعبد الله ومكي محمد وتيرس عدة وساهل احمد وشريفي مصطفى، وغيرهم من الأبطال، حيث قدمت منطقة وادي رهيو 254 شهيد، حسب السجل الذهبي لشهداء ولاية غليزان، موزعين ببلدية وادي رهيو (30 شهيدا من جيش التحرير و84 شهيدا من المنظمة المدنية) بلدية واريزان (3 شهداء من جيش التحرير و20 شهيدا من أعضاء المنظمة المدنية) بلدية لحلاف (16 شهيدا من جيش التحرير و87 شهيدا من أعضاء المنظمة المدنية) بلدية مرجة سيدي عابد (شهيد من جيش التحرير و13 شهيدا من أعضاء المنظمة المدنية).
لقد أعطى مؤتمر الصومام بعدا استراتيجيا وتنظيميا لثورة التحرير، حيث أصبحت ولاية غليزان، حسب التقسيم العسكري، المنطقة الرابعة من الولاية الخامسة التاريخية، مقسمة على خمس نواحي، وكانت الناحية الأولى عاصمتها وادي رهيو ومركز قيادتها موجود بدوار أولاد عدة ببلدية عمي موسى، وضمت الناحية الأولى كلا من وادي رهيو، جديوية، مرجة سيدي عابد، لحلاف، أولاد موجار، أولاد يعيش، أولاد بورياح، عمي موسى، عين طارق، سوق الحد، الرمكة.
عرفت الناحية الأولى للمنطقة الرابعة للولاية الخامسة التاريخية، خلال بداية عام 1957، أحداثا ثورية مترابطة، خاصة بعد وخلال فترة الإضراب الذي دعت إليه جبهة التحرير الوطني، والمعروف تاريخيا بـ«اضراب الثمانية أيام" (28 جانفي ـ 4 فيفري)، الذي تزامنت بدايته وموعد عقد الجمعية العامة للأمم المتحدة، لدراسة القضية الجزائرية.
كانت خطة الجبهة، بعد دعوة التجار للمشاركة في الإضراب، ضرورة تتويج الإضراب بعمليات فدائية نوعية، بمهاجمة مختلف المصالح الاستعمارية (إدارية - محلات الكولون ومزارعهم- ...)؛ فلتنفيذ هذه الهجمات، كان يستوجب توفر المادة المتفجرة لصناعة القنابل اليدوية وزجاجات المولوتوف.
كانت البداية هناك، من معمل شانيو "Chagnaud" بضواحي انكرمان "Inkermann" (وادي رهيو حاليا)، اين كان يشتغل المرحوم بلحاج عابد، المولود بتاريخ 21 فيفري 1929 بوادي ارهيو ككهربائي، كان سي عابد مستعدا للتضحية، منتظرا أوامر جبهة التحرير الوطني لأداء ما كان يعتبره واجبا إزاء شعبه ووطنه.
نجح المرحوم عابد بلحاج في تهريب كمية معتبرة من البارود، والالتحاق بجيش التحرير الوطني، حيث نشط في كل من مناطق أولاد علي، المسايسية، شراطة، خلال أمسية 4 فيفري، انتهى الإضراب بعد حملة اعتقالات ومداهمات للمحلات، بإطلاق النار على الأبواب، لإجبار أصحابها على فتحها. ساد يوم الخامس فيفري1957 توتر، بدا هادئا هدوءً يسبق العاصفة، لينفجر الوضع في السادس من فيفري
في عمي موسى: حرق مزرعة "مينا" الواقعة على بعد 7 كلم من مدينة عمي موسى، في اتجاه لحلاف القديمة، تم شن هجمات على الأهداف المسطرة داخل المدينة، إتلاف وتخريب عدد من التجارية للكولون، وجزء من مركز البريد ومحاولة اقتحام مركز قباضة الضرائب، وكذا انضمام 9 لاعبين من فريق كرة القدم، التابع للمدينة، إلى صفوف جيش التحرير الوطني.
في لحلاف: إضرام النار في حافلة المعمر "كاركانيو"، إضرام النار في شاحنة تابعة لمؤسسة "شانيو" عبر الطريق الرابطة بين العالف "لحلاف القديمة" واينكرمان، اختفاء سائق الشاحنة، لتتأكد تصفيته لاحقا.
في وادي ارهيو: تم اقتحام 30 مجاهدا مسلحا للمدينة، مهاجمة محلات الكولون بزجاجات المولوتوف، تفجير مركبة، في المرجة سيدي عابد، إقامة كمائن بالقرب من محطة القطار، اغتيال فرنسي كان على متن سيارته.
ففي يوم الخميس السابع من فيفري كانت المرجة سيدي عابد، على موعد لحدث هز أركان السلطة الاستعمارية. كان بطله الشهيد غربي قدور(1918-1958)، الذي كان يشتغل رئيس محطة القطار "بن ديمية" بالمرجة. فبعد حملة الاعتقالات التي شنتها القوات الاستعمارية في حق المشتبه فيهم، واحتمال اعترافات تحت التعذيب، قرر سي قدور الظهور علانية بعد العمل السري ضمن خلايا الثورة لمدة عامين (منذ 1955)، لقد قرر عدم انتظار وصول قوى الشر إليه، وترك بصمته لتتذكرها الأجيال ويدونها التاريخ، فنفذ العمليات البطولية التالية، رفقة إخوانه، إذ قام بحرق محطة القطار بالمرج، نسف خط السكة الحديدية عند النقطة ذاتها، حرق مزرعة "فيشوي" الاستعمارية، تصفية أحد الكولون المستبدين بالمنطقة. بعد هذه الاعمال البطولية، التحق سي قدور بجيش التحرير الوطني في جبال العيايدة، وأولاد ازمر. وتفاديا للمضايقات والانتقامات المعهودة لدى ضباط فرنسا من ذوي المجاهدين، اصطحب معه عائلته، حيث كانت ابنته محجوبة صاحبة 13 حولا.
ارتقى سي قدور شهيدا بتاريخ 24 أفريل 1958 رفقة ستة من رفقاء السلاح، إثر قصف جوي. لم يكن استشهاد سي قدور نهاية قصة تضحية عائلة، بل كان بداية ملحمة تعدت حدود الوطن المسلوب.
هناك في باريس، كان ابن الشهيد المدعو عدة غربي، عنصرا نشطا في فيديرالية جبهة التحرير في المهجر، فكان من مؤطري مظاهرات 17 اكتوبر 1961، وكان من الناجين من المجزرة المرتكبة في ذلك اليوم الحزين، وقد ظهر رفقة عمته العالية ورضيعها عدة سنة 1961، في فيلم وثائقي كشهود عيان حول المجزرة.