بانتهاء عطلة الصيف واقتراب الدخول الاجتماعي

​دور الحضانة والمدارس القرآنية لاستقبال الصغار دون سن التمدرس

​دور الحضانة والمدارس القرآنية لاستقبال الصغار دون سن التمدرس
  • 115
سميرة عوام سميرة عوام

​تعرف مختلف دور الحضانة بمدينة عنابة، هذه الأيام، تحضيرات مكثفة وحركية غير عادية، مع حلول شهر سبتمبر وبداية الدخول الاجتماعي الجديد، حيث تسعى الأمهات والآباء العاملون إلى حجز مقاعد لأبنائهم الصغار، قبل اكتمال القوائم النهائية في المؤسسات المعتمدة. وتعيش المئات من العائلات العنابية العاملة، في الوقت الراهن، حالة من السباق الحقيقي والمباشر مع الزمن، بعد انقضاء العطلة الصيفية، بحثا عن مكان آمن ومناسب لأطفالهم الصغار، الذين لم يبلغوا بعد سن التمدرس. تشهد المؤسسات الخاصة المكلفة برعاية الأطفال، من عامين إلى خمس سنوات في مختلف أحياء بلديات عنابة، على غرار وسط المدينة والبوني وسيدي عمار وحي السهل الغربي والحجار، إقبالا كبيرا من الأولياء، الذين يسعون لضمان التسجيل المبكر لأبنائهم، وتفادي مشكلة اكتمال الأماكن الشاغرة. 

العاملات أمام خيارات صعبة

يأتي هذا الإقبال الواسع، في ظل محدودية المقاعد المتاحة في الحضانات المعتمدة رسميا من الجهات المختصة، مما جعل الحصول على مكان داخل حضانة، توفر كافة شروط السلامة والنظافة والمرافقة التربوية، أمرا يستدعي البحث المبكر والاتصال السريع المتواصل لدى العائلات العنابية، في كل دخول اجتماعي جديد وموسم مدرسي قادم.

​وتواجه الأمهات العاملات في المؤسسات العمومية والقطاعات الخاصة بولاية عنابة، حيرة كبيرة عند بداية كل موسم اجتماعي جديد، إذ يجدن أنفسهن أمام خيارات متعددة، تحتاج إلى تفكير عميق وتنظيم يومي دقيق لضمان سير الحياة الأسرية والمهنية دون اضطراب. يبرز أولها في حجز مقعد في حضانة خاصة، توفر برنامجا تربويا ورعاية يومية شاملة، لكن هذا الخيار يرهق كاهل العائلة بأسعار شهرية مرتفعة؛ إذ ونظرا لقلة دور الحضانة التي تشرف على مرافقة الطفل ومتابعته إلى غاية خروج أهله من العمل، فقد بلغ سعر الاشتراك للشهر الواحد، ما بين 9 آلاف دينار و12 ألف دينار جزائري، وهي تكاليف باهظة تضاف إلى مصاريف المصروف المنزلي، ومستلزمات الأدوات المدرسية للأخوة الكبار، والالتزامات المعيشية المختلفة. أما الخيار الآخر، فهو الاعتماد المباشر على بيت الجدة أو الأقارب، وهو حل يمثل دفئا أسريا وتوفيرا ماليا ملحوظا، لكنه في كثير من الأحيان، لا يكون ممكنا أو متاحا، بسبب كبر سن الجدات أو الظروف الصحية الخاصة بالأقارب، وانشغالاتهم الشخصية المتزايدة في الحياة اليومية، والالتزامات الخاصة بكافة أفراد العائلة.

​مواعيد ساعات العمل تربك الأولياء

تزايدت هذه الأزمة وضوحا في الشارع العنابي، خلال هذا الموسم تحديدا، مع تغيير وتعديل مواعيد وساعات العمل الرسمية في بعض القطاعات الإدارية والخدماتية، مما أربك الترتيب اليومي والبرنامج الأسبوعي للعديد من العائلات والوالدين. فالكثير من الأمهات يجدن صعوبة يومية واضحة، في التوفيق بين المواعيد الصارمة للخروج من مقر العمل، وبين مواعيد غلق الحضانات الخاصة، أو حتى مواعيد استلام الأطفال من بيوت الجدات والأقارب. هذا التضارب الزمني اليومي، جعل الوالدين يعيشون في حالة مستمرة من التنقل السريع والضغط النفسي اليومي، بين مقرات العمل والحضانات والمنازل، لتفادي أي تأخير قد يؤثر على التزاماتهم المهنية أو الشخصية، أو يسبب إحراجا مع القائمين على رعاية أبنائهم في مختلف النقاط والمؤسسات الموزعة بوسط المدينة وأطرافها.

المدارس القرآنية بديل آخر

​في ظل هذه التحولات الاجتماعية، برزت المدارس القرآنية التابعة للمساجد، كحاضنة بديلة وواقعية، تحتضن الأطفال الصغار ممن هم دون سن التمدرس؛ حيث استحسن الأولياء وأهالي الأطفال هذه الفكرة التربوية والاجتماعية،  واستغلوها بشكل كبير، لما تقدمه من برامج لحفظ ما تيسر من كتاب الله، وتنسيق الأنشطة التفاعلية والتربوية الأولى في أجواء إيمانية، وبأسعار رمزية، خففت العبء المالي عن كاهل الأسر. غير أن المشكل الأبرز والوحيد الذي أربك حسابات الأمهات العاملات مع هذا الخيار القرآني الجميل، يكمن في توقيت وساعات الدوام، التي تضعها إدارة المساجد، إذ تعتبر قصيرة جدا ومحدودة في فترة الصباح أو الظهيرة، مقارنة بالدوام الكامل المتوفر في دور الحضانة والأكاديميات الخاصة، مما يجعل هذا البديل خيارا وتربويا جيدا لبضع ساعات، لكنه يظل غير كاف لتغطية كامل ساعات الدوام المهني للأمهات والآباء العاملين.

​تختلف الآراء والانطباعات في الشارع العنابي، حول جودة الخدمات المقدمة داخل هذه المؤسسات الخاصة برعاية الطفولة الصغرى والتعليم المبكر. ويرى فريق من الأولياء، أن دور الحضانة الخاصة باتت ضرورة حتمية لا غنى عنها في الوقت الحالي، كونها تقدم للأطفال بيئة تعليمية مبكرة، تتضمن أنشطة تفاعلية وألعابا تربوية متنوعة، وتساعدهم على تعلم الانضباط والتواصل السليم مع باقي الأطفال، وتجهزهم بشكل ممتاز للانتقال إلى أقسام التحضيري والمدرسة دون خوف أو انطواء. بينما يعبر فريق آخر من المواطنين والأولياء، عن تخوفهم المباشر من عدم توفر المساحات الكافية، أو قلة التجهيزات المخصصة للعب في بعض المقرات المكتظة، إضافة إلى الارتفاع المستمر في التكاليف الشهرية التي تشكل عبئا ماليا إضافيا، يضغط على ميزانية ذوي الدخل المتوسط بشكل واضح وملموس، طوال سنوات التمدرس الأولى.

​الوصاية حريصة على تطبيق دفاتر الشروط

من جهتها، تبذل المصالح المعنية ومديرية النشاط الاجتماعي لولاية عنابة، جهودا ميدانية مستمرة، لمراقبة هذه الدور وتأكيد مدى التزام القائمين عليها بالدفتر الخاص بالشروط المعمول به قانونا. ويشترط القانون، لمنح تراخيص لهذه المؤسسات، توفر معايير الأمان الشاملة، والنظافة، والمساحات المناسبة للعب والنوم، وإشراف مربيات مؤهلات يمتلكن الخبرة والشهادات اللازمة، للتعامل مع هذه الفئة العمرية الدقيقة. ورغم هذه المجهودات والزيارات الميدانية الدورية، يبقى الطلب المتزايد سنويا، يتجاوز القدرة الاستيعابية المتوفرة في العديد من الأحياء السكنية المكتظة، والتجمعات العمرانية الحديثة ببلديات الولاية، مما يفرض البحث عن حلول إضافية ومبتكرة مستقبلا، لتغطي الاحتياجات المتزايدة للعائلات.

​وأمام هذا التنافس الشديد على المقاعد، تفكر بعض العائلات العنابية في البحث عن بدائل أخرى، مثل الاتفاق مع الجارات أو المربيات الخصوصيات داخل المنازل، إلا أن هذا الخيار يظل غير مقنن، ويحمل بعض التخوفات المتعلقة بمعايير السلامة والرقابة التربوية والصحية اللازمة للأطفال في هذه السن المبكرة. لهذا السبب تحديدا، تطالب العديد من الأمهات العاملات في ولاية عنابة، بضرورة فتح نقاش جاد حول إمكانية إنشاء دور حضانة داخلية تابعة للإدارات والمؤسسات العمومية والشركات الاقتصادية الكبرى، لتسهيل متابعة الأطفال بالقرب من مقرات العمل، وتقليل الضغوط اليومية في التنقل، بما ينعكس إيجابا على استقرار الأسرة ومردودية الموظفات والعاملات في مختلف القطاعات والمؤسسات.

​تبقى بداية شهر سبتمبر في مدينة عنابة، مرحلة حاسمة لإعادة ترتيب الأولويات والالتزامات داخل الأسر والعائلات، حيث يساهم الحصول على مقعد آمن ومناسب للطفل، في منح راحة البال للأولياء وضمان أداء مهني مستقر ودخول اجتماعي هادئ ومريح للجميع. وتظل الأمنية الأساسية لكل أم وأب في عنابة، مع كل دخول اجتماعي جديد؛ توفير هياكل رعاية متطورة وآمنة وبأسعار معقولة، تتناسب مع الإمكانيات المادية للعائلات، وتضمن النمو السليم والأكاديمي للأطفال، والراحة النفسية الدائمة لجميع أفراد الأسرة العنابية في كافة المناسبات.